توجّه العراق إلى أوروبا.. القلقة والحسابات الشائكة

لا يمكن لأي كان، أن يتغافل عن آثار الحرب الروسية-الأوكرانية وتداعياتها وانعكاساتها على مجمل الواقع الحياتي لبلدان القارة الأوروبية، ولا شك في أن تلك الآثار والتداعيات والانعكاسات ستتفاقم مع اتساع نطاق الحرب

2023-02-06

عادل الجبوري

تاريخياً، اتّسمت علاقات العراق مع أوروبا بكثير من التعقيدات والتشابكات والتناقضات، ارتباطاً بطبيعة التحوّلات والمتغيّرات السياسية الكبيرة والكثيرة التي طرأت على الواقع العراقي خلال المئة عام الماضية، وكذلك ارتباطاً بحقيقة أن أوروبا، لم تكن في يوم من الأيام كياناً موحّداً ومنسجماً ومتجانساً، لا من الناحية السياسية، ولا من الناحية الاقتصادية، ولا من الناحية الأمنية، ناهيك بالخلفيات الثقافية والحضارية والمجتمعية المختلفة بين معظم دول أوروبا.

واليوم، لا يمكن لأي كان، أن يتغافل عن آثار الحرب الروسية-الأوكرانية وتداعياتها وانعكاساتها على مجمل الواقع الحياتي لبلدان القارة الأوروبية، ولا شك في أن تلك الآثار والتداعيات والانعكاسات ستتفاقم مع اتساع نطاق الحرب، وقد لا تخطئ بعض مراكز القرار ومؤسسات البحث والتحليل واستشراف المستقبل في أوروبا حينما تنشغل في السيناريوهات التشاؤمية أكثر من تركيزها على الخيارات المتفائلة.

في ظل هذه الأجواء والمناخات الملبّدة بسحب المشكلات والأزمات وهواجس القلق مما يمكن أن يجلبه الغد لشعوب أوروبا، توجّه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إليها، فزار ألمانيا في 12 كانون الثاني/يناير الماضي، وفي الـ 26 من الشهر نفسه زار فرنسا، وأجرى في كل من برلين وباريس لقاءات ومباحثات مطوّلة ومعمّقة ومتشعّبة مع كبار قادة البلدين ومسؤوليه، وأبرم جملة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات مختلفة، كالطاقة والنقل والإسكان ومحاربة الفساد والجريمة والتعليم والصحة والبيئة وغيرها الملفات.

ومع أن ما تم إبرامه من اتفاقيات مع ألمانيا لم يكن قليلاً وغير ذي أهمية، تبقى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية المبرمة مع فرنسا، هي الأشمل والأكثر تفصيلاً، فهي بحسب الخبراء والمختصين، الأوسع بين بغداد وباريس منذ عام 1968، وقد تألفت من 4 فصول و6 أبواب واشتملت على 50 مادة و64 فقرة، وغطت شتى الجوانب والقطاعات الصناعية والزراعية والإدارية والطبية والثقافية والرياضية والأمنية والعسكرية والسياحية والبيئية.

ولو تعاطى الطرفان العراقي والفرنسي بجدية مع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، وحرصا على إخراجها من حيّز الورق ونطاق التنظير وحدود الأمنيات إلى أرض الواقع، لجاءت المخرجات على قدر كبير من الفائدة والأهمية، لا سيما أن تعدّد القضايا والملفات وتنوّعها يقتضيان العمل عليها وفق رؤية تكاملية وبمسارات متوازية تتحرك وفق نسق واحد لا بصورة عشوائية ارتجالية.

وطبيعي جداً أن تفاعل أطراف أوروبية لها ثقلها وتأثيرها الكبير في الساحتين الأوروبية والعالمية، مثل ألمانيا وفرنسا، سيحفز دولاً أوروبية أخرى لمدّ خيوط التواصل وجسور التعاون والتنسيق مع العراق، علماً بأن الأعوام القليلة الماضية، شهدت مؤشرات ومعطيات عديدة على توجّهات وتحرّكات جادة وعملية لدول أوروبية عديدة نحو العراق، مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا والتشيك والمجر وسواها.

وإذا كانت تحركات العراق ومساعيه للانفتاح والتوسع في علاقاته الإقليمية والدولية، تعكس رغبة وتوجّهاً لتصحيح المسارات الخاطئة، واستثمار الفرص والآفاق المتاحة من أجل تحقيق الازدهار الاقتصادي، والتنمية المجتمعية، وإصلاح ما دمّرته الحروب والصراعات العبثية طيلة 4 عقود من الزمن، فإن التوجّه والاندفاع الأوروبيين نحو العراق يعدّان أمراً لافتاً للغاية، وهو بلا شك يعبّر عن حقائق ومعطيات واقعية وعملية، من قبيل أن العراق أخذ يستعيد عافيته بعد مسيرة طويلة من المشكلات والأزمات والإرهاصات السياسية والأمنية والاقتصادية، وأنه بالتالي بات رقماً مهماً في المعادلات.

ومن بين تلك الحقائق والمعطيات أيضاً، أن أوروبا الطامحة إلى تعزيز مكانتها العالمية وتكريس حضورها قطباً مؤثراً وحاضراً وفاعلاً في كل الميادين، لا يحلو لها أن ترى الولايات المتحدة الأميركية والصين وقوى عالمية أخرى، تتحرك وتستثمر وتوسع من نفوذها ووجودها، فيما تكتفي هي بالمراقبة والمشاهدة ليس إلا.

إلى جانب ذلك، فإن استحقاقات الحرب في أوكرانيا، تفرض على أوروبا، لاسيما دولها الكبرى، كألمانيا وفرنسا، أن تبحث عن ساحات وميادين أخرى، وتؤمن خيارات بديلة؛ لمواجهة نقص إمدادات الطاقة، والعراق يمكن أن يكون من بين أفضل الخيارات المتاحة، إذ إن زيارة السوداني لكل من برلين وباريس حددت المعالم والملامح العامة لكيفية استثمار الغاز العراقي والاستفادة منه؛ لتعويض نقص الإمدادات من روسيا.

 

وطبيعي أن عملية استثمار الغاز وزيادة معدلات إنتاجه، سوف تحدث نقلة مهمة للغاية في إنتاج موارد الطاقة في العراق وتصديرها، وهذا من أبرز نتائج الحراك نحو أوروبا وأهمها. إذ يستدعي ذلك معالجة مشكلة الكهرباء، وتطوير قطاع النقل والمواصلات وتحسين البنى التحتية المطلوبة، وكل ذلك من شأنه أن ينشّط ويفعّل سوق العمل ويوفر الكثير من الفرص، وبالتالي يمتص جزءاً من البطالة المتفشية في المجتمع العراقي.

ولا شك في أن البعد الاقتصادي، الذي هو محور الاهتمام والتوجّه، سينعكس إيجاباً على الأبعاد السياسية والأمنية والحياتية المختلفة. فالعراق الذي يعمل جاهداً منذ بضعة أعوام على طيّ صفحة الغزو والاحتلال الأميركي، والتي انفتحت في ربيع عام 2003، لا بد أن يكون جهده منصبّاً على الخروج من دائرة الهيمنة والنفوذ الأميركي على مفاصل المال والاقتصاد في الوقت نفسه يسعى جاهداً لإنهاء الوجود العسكري الأميركي.

وهناك من يرى أنه رغم وجود بعض النقاط الخلافية بين العراق وبعض الدول الأوروبية، وتحديداً ألمانيا وفرنسا، فإن استثمار الأوضاع والمصالح المشتركة، وبما يعزز مكانة العراق الخارجية، ويساهم في تنميته وتطويره اقتصادياً، يعدّ أمراً حسناً جداً مع الحفاظ على الثوابت الوطنية وتجنب الانسياق وراء سياسات المحاور والاصطفافات الضيقة التي تولد المشكلات والأزمات وتخضع البلاد إلى الإرادات والأجندات الخارجية.

ربما يفترض البعض أن المشهد الأوروبي المرتبك والمضطرب، والاحتمالات التشاؤمية للحرب بين موسكو وكييف، لا يشجع كثيراً على الانشغال والاهتمام كثيراً بالتخطيط لعلاقات عميقة وتشبيك المصالح مع أوروبا.

هذه الرؤية، وإن بدت صائبة لأول وهلة، خصوصاً عند قراءة الواقع بسطحية وبساطة، لكن التعمّق قليلاً يؤشر إلى شيء مختلف، ويبلور رؤية أكثر عمقاً وموضوعية، انطلاقاً من حقيقة أن انعكاسات الحرب الروسية-الأوكرانية وإسقاطاتها، لم ولن تقتصر على أوروبا، بل إن امتداداتها وصلت أو ستصل إلى مختلف أنحاء العالم، لا سيما مع استمرارها وإمكانية اتساع نطاقها واحتمالية تحوّلها إلى حرب عالمية. وكذلك انطلاقاً من حقيقة أن أي حرب في ميدان معين، ربما توفر فرصاً وتفتح آفاقاً جيدة في ميادين أخرى، وفوق ذلك كله، إن خلط الأوراق قد يرتب ويفرز حقائق جديدة يكون للعراق نصيب من إيجابياتها، ومن دون أن يعني ذلك أن أوروبا بثقلها السكاني الكبير ومواردها الواسعة وإمكانياتها الهائلة سوف تختفي وتتلاشى من مسرح الأحداث، ولو كان الأمر كذلك، لما بقيت باريس ولندن وبرلين وروما وفيينا بعد كوارث الحربين العالميتين الأولى والثانية!

المصدر: الميادين