«الردّ آتٍ… والصراع مستمر: قراءة فلسفية في خطاب الشيخ نعيم قاسم»

خاص الوفاق: جاء خطاب الشيخ نعيم قاسم في تأبين القائد الجهادي أبو علي الطبطبائي ورفاقه بوصفه نصًا يتجاوز الإطار السياسي المعتاد، ليقدّم رؤية فلسفية عميقة حول معنى الشهادة والمقاومة والوجود. ورغم أن المناسبة حملت طابع الحزن، إلا أن الخطاب بدا أقرب إلى إعلان فكر جديد يعيد تعريف الزمن والهوية والقوة، ويحوّل التأبين إلى قراءة وجودية للصراع، وإلى تثبيت معادلات استراتيجية تتصل بمستقبل المواجهة مع العدو الصهيوني.

د. أكرم شمص

 

 

الشهادة كتحقّق وجودي لا كفقدان

 

 

قدّم الشيخ نعيم الشهادة في بُعدها الأنطولوجي، لا بوصفها رحيلًا جسديًا بل اكتمالًا للمعنى الإنساني. حين يقول: «الشهادة هي مبتغاه… هو ربحها»، فهو يعيد صياغة الموت باعتباره لحظة تجلٍّ للوجود الأصيل، وعودة إلى الجوهر الأول الذي يتجاوز الزمن ويتخطّى حدود الفناء. الشهيد في هذا التصور لا يبقى فردًا انتهى، بل يتحول إلى رمز حي، وإلى فكرة لا تُقاس بالعمر بل بالأثر. هكذا تصبح الشهادة حضورًا مستمرًا في الذاكرة والجماعة، وتتحول من خسارة إلى فعل تأسيسي يعيد إنتاج القوة داخل التجربة المقاومة.

 

 

الزمن الدائري وفلسفة الاستمرار المقاوم

 

 

يركّز الشيخ نعيم على عبارة الشهيد «المقاومة ولّادة»، وهي مفتاح لفهم رؤيته الفلسفية. فالمقاومة، كما يقدّمها، ليست خطًا مستقيمًا ينتهي بغياب قائد، بل زمن دائري يولد فيه الجديد من القديم، وتستمر فيه الفكرة رغم تغيّر الوجوه. بهذا المعنى، لا يشكّل الاغتيال قطعًا للمسار بل مرحلة تُضاف إلى حلقاته، وتغنيه بطبقة جديدة من المعنى. وهذه الرؤية تتعارض مع التصور الغربي للزمن الذي يراه خطيًا ومنتهيًا، فيما تلتقي مع الفلسفة الإسلامية التي ترى الجماعة ككيان يتجدّد باستمرار. من هنا يظهر المشروع المقاوم كوجود لا يموت، بل يعيد إنتاج ذاته عبر الذاكرة والإيمان والفعل المتواصل، ليصنع استمرارية تتجاوز الأفراد وترتكز إلى روح الجماعة وإرادتها.

 

 

القائد كرمز واستمرار الفعل المقاوم

 

 

قدّم الشيخ نعيم قاسم الشهيد أبو علي الطبطبائي بوصفه امتدادًا لنموذج “القائد الشهيد” في مدرسة المقاومة، حيث تتداخل قيم الإيمان والانضباط والاحتراف العسكري مع القدرة على التخطيط وإدارة المعارك الحسّاسة في لبنان وسوريا واليمن. هذا التقديم لا يهدف إلى الرثاء، بل إلى تثبيت فكرة أن الاغتيال لا يكسر بنية القيادة، لأن المقاومة — كما قال — «ولّادة». فالقائد هنا ليس فردًا معزولًا، بل حلقة في زمن دائري تتجدّد فيه التجربة وتتواصل فيه المهمة. ومن خلال هذا البناء، يظهر أبو علي كالعقل العسكري لمعركة «أولي البأس»، لا كعنصر ميداني فحسب، ما يجعل استشهاده تحوّلًا في المعنى لا انقطاعًا في المسار.

 

 

الاغتيال بين الخسارة والردع — من الفعل العسكري إلى الحضور الوجودي

 

 

اعترف الشيخ نعيم بالخسارة المعنوية التي أحدثها الاغتيال، لكنه أعاد صياغته كجزء طبيعي من مسار الصراع، لا كضربة بنيوية. وأكّد بوضوح: «هذا اعتداء سافر وجريمة موصوفة، ومن حقّنا الردّ… سنحدّد التوقيت لذلك»، ليضع قاعدة أن الردّ محسوم لكن إدارته عقلية واستراتيجية. كما تناول احتمالات الاختراق الأمني ضمن سياق واسع من التداخلات الإقليمية والاستخباراتية، مؤكدًا أن الثغرات لا تعني انهيارًا. وفي عرضه لفلسفة الردع، قدّم القوة بوصفها “حضورًا” يمنع العدو الصهيوني من الاستقرار لا مجرّد عمل عسكري، مؤكّدًا أن المقاومة «كينونة» مستمرة تحوّل الخسائر إلى طاقة، وأن الاغتيال — رغم قسوته — يتحول في النهاية إلى رافعة جديدة تستمد منها الجماعة صلابتها ووعيها.

 

 

من الاغتيال إلى الوطنية: تحويل الاستهداف إلى معركة على هوية لبنان

 

 

يُعيد الشيخ نعيم قاسم في خطابه رسم خريطة الصراع، ناقلًا الحدث من كونه اغتيالًا يستهدف فردًا أو تنظيمًا، إلى كونه اعتداءً شاملًا على لبنان بكل مؤسساته ومرتكزاته السيادية. فالعدوان — كما يحدد — يطال رئاسة الجمهورية والجيش والاقتصاد والبنية الاجتماعية والقرار السيادي، ما يعني أن العدو الصهيوني لا يواجه “المقاومة” فحسب، بل يواجه لبنان الدولة والوجود والهوية. هذا التحوّل الخطابي يحوّل الصراع من طابعه الفصائلي إلى إطار وطني جامع، ويمنع العدو من الاستثمار في الانقسامات الداخلية. وفي السياق نفسه، يذكّر الشيخ نعيم بأن اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 كان ثمرة صمود ميداني لا نتيجة مفاوضات أو تنازلات، ما يجعله “انتصارًا سياسيًا” موازياً للإنجاز العسكري. كذلك يعيد تعريف القوة من منظور فلسفي عبر ثلاثية الردع: التحرير، الحماية، ومنع الاستقرار، مؤكدًا أن جوهر القوة يكمن في الحضور والقدرة على شلّ العدو لا في إطلاق النار وحده. ومن هذا المنطلق، تتحول السيادة إلى ممارسة فعلية للحرية: الحق في تحديد نمط الحياة ورسم الحدود بقرار داخلي لا بإملاء خارجي. وحتى في مقاربته للاختراقات الأمنية، يضع الشيخ نعيم المسألة ضمن واقع الساحة اللبنانية المفتوحة والخاضعة لتداخل استخباراتي دولي، محوّلًا الاعتراف بالثغرات إلى عنصر إدارة أزمة لا إلى إقرار بانهيار. بهذه الرؤية، يصبح الاغتيال فرصة لإعادة وضع الصراع في إطاره الحقيقي: صراع على هوية لبنان ومستقبله، لا على دور المقاومة وحده.

 

 

نظرية الردع الثلاثي: تثبيت معادلة القوة وتوازن الشراكة بين الدولة والمقاومة

 

 

يقدّم الشيخ نعيم قاسم مقاربة شاملة لمفهوم الردع، تقوم على ثلاث مراحل تاريخية ترسم تطوّر موقع المقاومة في الصراع: الردع بالتحرير عام 2000 الذي أخرج الاحتلال من الجنوب بالقوة الميدانية؛ ثم الردع بالحماية بين 2006 و2023 عبر معادلة الصواريخ التي منعت العدو الصهيوني من شنّ حرب جديدة؛ وصولًا إلى المرحلة الثالثة والأكثر تعقيدًا، أي الردع بمنع الاستقرار منذ 2023، حيث تعمل المقاومة على شلّ قدرة العدو على التمركز وإبقائه في حالة ارتباك دائم. هذه المرحلة لا تُعرّف المقاومة كمَن “ينتظر الحرب”، بل كفاعل يمنع تشكّل بيئة الحرب لدى العدو، ما يجعل استقراره مستحيلًا في ظل وجود المقاومة. وفي هذا الإطار، يطرح الشيخ نعيم معادلة جديدة تُحمِّل الدولة مسؤولية واضحة في حماية السيادة ومواجهة العدوان وإدارة المشهد الجنوبي، مع تأكيد جاهزية المقاومة للتكامل معها من دون أن يكون ذلك على حساب قوة لبنان أو وفق أجندات خارجية. ومع تزايد التهديدات، يوضح الشيخ نعيم أن العدو الصهيوني غير قادر على خوض حرب أو تحقيق أهدافه، وأن ما يجري هو ضغط سياسي أكثر منه واقع حرب، ما يجعل الردع الثلاثي إطارًا لفهم الحاضر، وآلية لضبط التوازن بين الدولة والمقاومة، ومفتاحًا لتجنّب مواجهة كبرى عبر منع العدو من الوصول إلى لحظة الاستقرار.

 

 

الخاتمة: المقاومة لا تريد الحرب… لكنها مستعدة لها بالكامل

 

 

يُغلق الشيخ نعيم قاسم خطابه بتوازن دقيق بين التمسّك بالسيادة ورفض الانجرار إلى حرب شاملة، مؤكدًا أنّ المقاومة لا تبحث عن المواجهة، لكنها جاهزة لها إن فُرضت. فهو يحمّل الدولة مسؤولية مباشرة في حماية الجنوب ومنع الاستقرار الصهيوني سياسيًا وأمنيًا، مع فتح باب التكامل المشروط بين الجيش والمقاومة من دون المسّ بمعادلة القوة أو الخضوع لأي ضغط خارجي يستهدف سلاحها. وفي تحديده للحل، يعلن بوضوح أنّ المخرج الوحيد هو وقف العدوان لا وقف المقاومة، داعيًا الحكومة إلى إعداد خطة مواجهة وطنية إذا استمر الاعتداء. ويقدّم في ختام خطابه ثلاث رسائل متوازية: لا استسلام لأن “قرار العز بأيدينا”، ولا حرب مجانية لأن العدو عاجز عن تحقيق أهدافه، ولا تنازلات لأن الشعب قوي والمقاومة ثابتة والعدو مأزوم. هكذا تتحول الخسارة إلى تثبيت للردع، وتنقلب العملية من ضربة ميدانية إلى فرصة لتوحيد الجبهة الداخلية وتوسيع معادلة القوة. وفي البعد الفلسفي، يؤكد الشيخ نعيم أن الألم جزء من شروط الوجود، وأن الأمل قرار يبني المستقبل، لتغدو المقاومة فلسفة حياة لا مجرد مشروع عسكري—فلسفة تجعل الاستعداد للحرب شرطًا لصناعة السلام، وتجعل الثبات في وجه الاغتيال إعلانًا لمرحلة جديدة من الصراع لا قدرة للعدو على كسرها.

 

 

المصدر: الوفاق / خاص