مقاومة التسطيح الفكري بتنوير العقول

على ذات المستوى فان مقارنة الأشياء ومآلاتها واضحة المعالم بين من يريد ان يشارك الجميع عقولهم للاستفادة قدر المستطاع من التفكير الجمعي للوصول الى أفضل النتائج، وبين من يختزل جميع الآراء والعقول والأفكار وفق ما يراه مناسباً وصحيحاً مهما كانت عواقب هذا الطريق سيئة وخطيرة.

2024-01-23

باسم حسين الزيدي

 

عندما تعيش في زمن تتصلب فيه الأفكار، ويتعامل فيه الافراد وفق مفهوم مظهر الاشياء لا جوهرها، وتصبح اللغة السائدة في المجتمع هي لغة الجهل والعنف والفوضى، وتسود فيه التفاهة الفكرية وتزكم انوفنا رائحة النفايات المعرفية، فاعلم إنك تعيش في زمن سُطحت فيه الأفكار او تحول فيه التفكير والتفكر مجرد ترف ثقافي او واجب علمي خاص بالنخب التي تمارس هذه العملية كجزء من طقوسها العلمية والأكاديمية.

 

الغريب في الامر اننا جميعاً نمارس هذا الفعل عندما نتنازل بإرادتنا عن عقولنا ودورها الطبيعي في التفكير وفلترة المعلومات واكتساب المعرفة والعلوم الجديدة وتقييمها والاستفادة منها، امام الأفكار جاهزة القوالب والمعلومات المستهلكة او المبتذلة المنتشرة في محيطنا التكنولوجي والرقمي والاعلامي، بل وحتى في حياتنا اليومية، حين تصلنا المعلومة او الفكرة من الشارع، المدرسة، المسؤول، الأكاديمي، رجل الدين، المثقف، شيخ العشيرة…الخ، فأننا نقبل بها ونسلم بمضمونها من دون ان نكلف انفسنا عناء التفكير بمحتواها او البحث في تطويرها بمستوى أفكار جديدة ان كانت القديمة لا تخدم تطلعاتنا.

 

من استمتع بقراءة رواية جورج اورويل (1984) يعرف ان الدولة التي اقامها اورويل في روايته الشهيرة تميل الى تنظيم تفكير الانسان باتجاه واحد، واختزال جميع العقول وطرق المعرفة وتنوع التفكير والألوان واللغة وغيرها بعقل وفكرة ولون وكلمة واحدة تزيد من سيطرة الدولة على الافراد وتتماشى مع مصالحها، وهذا لا يتعارض -وفق منطقها- في ان تكون هناك وزارة للحقيقة مهمتها الكذب على الناس وتغيير الحقائق، او وزارة أخرى للحب هدفها نشر الكراهية والحقد بين الناس، ما دام الهدف واحد هو تسطيح العقول ومنع التفكير الا بما يتناسب ولغة خطاب السلطة السائدة في المجتمع.

 

“لقد أثر هذا في تعامل الناس مع القضايا الاجتماعية الحياتية، ففي كتبه التي تناول فيها مفهوم السيولة، تكلم أستاذ الاجتماع (زيجمونت باومان) عن تحول المفاهيم الكبرى وانزياحها لتصبح في تعاملاتنا اليومية مجردة عن معانيها وقد وصفها بانها أصبحت كالماء السائل لا تقف في مكانها لأنها خاوية من المعنى، فما كان سابقًا قيمة كبرى كالحب أصبح اليوم مجرد علاقة سطحية لا تعدو كونها إشباعا لشهوة مؤقتة”.

 

“هذه السطحية أحدثت تغيرات كبيرة على مستويات التفكير والتعامل مع القضايا الاجتماعية ذات التعقيد البالع ومن ثم فقد اختزِل الإنسان إلى مجرد حيوان يتطور كغيره من الحيوانات، ومن هنا صار ينظَر لحالات المثلية الجنسية على أنها أمر طبيعي لا يحتوي على إشكاليات سلوكية أخلاقية بل على أنها نتيجة طبيعية لتأثيرات جينية، أي يتم التعامل معها على المستوى البيولوجي، وعلى هذا فلا إشكالية البتة فيها، وعلى هذا المستوى البيولوجي يتم التعامل مع كل شيء يخص الإنسان، وإذا تم النظر إلى الإنسان من هذا المستوى فلن تبقى هناك قيمة مرجعية أو معيارية وسيغدو كل شيء مشروعًا بالنسبة لحيوان بيولوجي”.

 

على ذات المستوى فان مقارنة الأشياء ومآلاتها واضحة المعالم بين من يريد ان يشارك الجميع عقولهم للاستفادة قدر المستطاع من التفكير الجمعي للوصول الى أفضل النتائج، وبين من يختزل جميع الآراء والعقول والأفكار وفق ما يراه مناسباً وصحيحاً مهما كانت عواقب هذا الطريق سيئة وخطيرة.

 

وهذا ما فعله فرعون عندما رفض الاستماع الى لغة المنطق والنصح وتحكيم العقل والتفكير في عواقب الأمور وطغى واستفرد بالرأي لقوله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ)، فكانت النتيجة غرق فرعون وجنوده ودمار ملكه، في مقابل الحكمة التي امتلكتها ملكة سبأ “بلقيس” عندما جاءها كتاب النبي “سليمان” (عليه السلام) عندما قالت: (يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ

قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)، فكانت النتيجة انها جنبت نفسها وقومها الدمار الذي كان سيلحق بهم.

 

وهذا هو المنطق السليم الذي يفترض ان يكون عليه الانسان في جميع حالته وصفاته، لا ينبغي ان يتحول الى مجرد وسيلة جامدة تنتقل من خلالها الأشياء من دون ان يفكر ويحلل ويقرأ ويطالع حتى يصل الى مستوى من الوعي الفكري والنفسي الذي يؤهله الى معرفة الحقيقة ثم الايمان بها: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).

 

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، يحسن التخلص، ويقل التربص”، وهي دلالة واضحة على ان أصحاب العقول المضيئة يملكون البصيرة والمعرفة ولا يخشون السير في أصعب الظروف، اما امير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) فيقول: “الفكر مرآة صافية” وايضاً (عليه السلام): “لا علم كالتفكر”، وفي هذه الحكم

ضرورة الكثير من التأمل في معانيها العظيمة والبالغة الحكمة.

 

امام تعدد المسارات وتعارضها، بين من يحاول ان يقودك نحو السطحية في كل شيء تقريباً، وبين من ينبهك الى ان تكون قائداً لنفسك وعقلك وقدرتك، ينبغي ان تعرف الفرق وتختار طريق الحق الذي يوصلك الى بر الأمان والسلامة، ولا يأتي هذا من خلال العشوائية التي يعيشها البعض في التقليد والاتباع والتسليم لكل ما يطرح في عصر المعلومة التكنولوجية السريعة، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وانما عن طريق أوجه المعرفة الاصيلة كالكتاب وحلقة الدرس والبحث والتفكر وامثالها.

 

ينبغي ان لا نستسلم او ننسحب من مواجهة السطحية التي تحيط بنا، وتهدد مستقبل الأجيال في وضعهم ضمن أنماط تفكير محدودة غير قابلة للتطوير، المقاومة تعطي نتائج إيجابية في عملية الاستقلال الفكري وإنتاج الأفكار، وهو ما يعطي الامل في تعزيز ورقي وتنوع المعرفة والعلوم، والخروج من الزوايا الضيقة التي يحاول الاخرون حشرنا فيها.

 

تعدد وتنوع الأفكار هو جزء من تنوع وتعدد الحضارات الإنسانية ومساعد لها، وهو ما خلق الله (عزوجل) الانسان عليه، فلم يخلق الانسان بلون او لسان او شكل او تفكير واحد، هذا التعدد هو مصدر قوة الإنسانية وسر عظمة الخالق (عزوجل) الذي ميزنا عن كثير من خلقه، لذلك ينبغي استغلال هذه الميزة وتنوير العقول بالمعرفة وتطويرها بالبحث والقراءة والمناقشة والدرس، وعدم استهلاك المعلومة السريعة والسهلة المنتشرة من حولنا بلا دراية او دليل، حتى نصل الى المستوى الذي نستحقه من الرقي المعرفي والسير على طريق التكامل المطلوب.

 

أ.ش