لماذا تهتم فرنسا بمعادلات القوقاز؟

كانت منطقة القوقاز المثيرة للجدل والمعرضة للأزمات دائمًا، ساحةً للمنافسة بين مختلف اللاعبين الإقليميين وعبر الإقليميين في السنوات الماضية.

2024-03-12

لكن في الأشهر الأخيرة، يمكن رؤية آثار تحركات فاعلين جدد، والتي أصبحت أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم، ما زاد من التعقيدات الجيوسياسية لهذه المنطقة.

 

فبعد نشر تقارير مختلفة عن مبيعات الأسلحة الهندية لأرمينيا، أثارت التحركات السياسية والعسكرية للفرنسيين في القوقاز حساسية سلطات جمهورية أذربيجان، حيث اتهمت وزارة خارجية جمهورية أذربيجان، السبت الماضي، باريس باعتماد معايير دبلوماسية مزدوجة، وقالت إن فرنسا التزمت في السابق الصمت أمام “العدوان الأرمني واحتلال الأراضي الأذربيجانية لسنوات متتالية، والآن تدعم يريفان”.

 

لطالما اتهمت السلطات ووسائل الإعلام الأذربيجانية الاتحاد الأوروبي بالانحياز إلى يريفان، وتحدي دور باكو في عملية السلام، ومع ذلك في العام الماضي، تخلت حكومة ماكرون تمامًا عن جانب الحذر في إعلان دعمها لأرمينيا، وتحديها رسميًا لسياسات جمهورية أذربيجان في ناغورنو كاراباخ.

 

كانت فرنسا تقليدياً أقوى داعم لأرمينيا في الاتحاد الأوروبي، وخلال الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان إلى فرنسا في أواخر فبراير من هذا العام، اتفق الجانبان على توثيق العلاقات.

 

وأكد ماكرون، الذي دعا في السابق إلى تطوير المظلة الدفاعية لحلف شمال الأطلسي لدعم أرمينيا، على دعم بلاده لأرمينيا واستقلالها ووحدة أراضيها وعمليتها الديمقراطية ومُثُلها السلمية، ليظهر أن الإليزيه يريد أن يلعب دوراً أكبر في تطورات منطقة القوقاز، وربما يجد الدعم العسكري ليريفان جوانب ملموسةً أكثر.

 

وفي هذا السياق، منذ أن أكملت أذربيجان سيطرتها على ناغورنو كاراباخ في الخريف الماضي، وقعت فرنسا مجموعةً متنوعةً من صفقات المساعدات العسكرية مع أرمينيا، بما في ذلك توفير المركبات المدرعة والأسلحة والمعدات والذخيرة، فضلاً عن تحسين قدرات الدفاع الجوي.

 

وخلال الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الدفاع الفرنسي إلى يريفان، أبرمت أرمينيا عقداً لشراء معدات عسكرية متقدمة من الشركة الفرنسية لصناعة الذخائر “PGM”، وأكد المسؤولون في باريس أن هذه العقود ذات طبيعة دفاعية.

 

وذكرت بعض وسائل الإعلام الغربية العام الماضي، أن فرنسا طلبت من الشركات الهندية توريد الأسلحة التي تحتاجها أرمينيا، ومن المفترض أن يتم خلالها تسليم مدافع “تراجان” ذاتية الدفع إلى يريفان.

 

وقد أثارت هذه التصرفات الفرنسية رد فعل حاداً من قبل سلطات باكو، حيث اعتبرت أن مثل هذه التصرفات هي السبب في إعادة إشعال الحرب في كاراباخ.

 

 

إيجاد موطئ قدم في منطقة القوقاز

 

تهدف سياسة فرنسا تجاه أرمينيا إلى الحصول على موطئ قدم في القوقاز، في ضوء الوضع الجيوسياسي الناشئ.

 

كانت فرنسا، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا، إحدى الدول الثلاث الأعضاء في مجموعة “مينسك”، وهي المجموعة التي قدمت إطارًا لعملية السلام منذ نهاية الصراع الأول في التسعينيات، وحتى عام 2020، وكانت القوات الأرمينية تسيطر آنذاك على كاراباخ، والمناطق المحيطة بها في جمهورية أذربيجان.

 

خلال ثلاثة عقود من نشاطها، لم تتمكن مجموعة مينسك من تحقيق أي تقدم في إحلال السلام بين باكو ويريفان، وقد ظلت راكدةً منذ عام 2010، عندما فقدت فرنسا والولايات المتحدة الاهتمام بمواصلة لعب دور كبير في المفاوضات.

 

ومع غياب فرنسا وأمريكا، تمكنت روسيا من استغلال فراغ حرب كاراباخ الثانية، كمفاوض دولي رئيسي ومورد لما تسمى قوات “حفظ السلام”، وتم استبعاد الغربيين عملياً من لعب دور في هذه القضية.

 

ونظرًا لضم قره باغ بشكل دائم إلى أراضي أذربيجان، واختصار دور الوساطة الفرنسية في هذا الصراع الذي دام ثلاثة عقود، فإن قادة الإليزيه يتطلعون إلى تأمين مصالحهم بطريقة أخرى، ومن خلال الاقتراب من أرمينيا، يريدون تعزيز موطئ قدمهم في هذه المنطقة الاستراتيجية.

 

وتحاول فرنسا بقيادة ماكرون تحسين دورها في المعادلات العالمية، واستعادة مكانتها المفقودة في الماضي، وهذا البلد الذي فقد في السنوات الأخيرة مناطق نفوذه في أفريقيا الواحدة تلو الأخرى، يتطلع الآن إلى مناطق أخرى من أجل زيادة ثقله في مجال التطورات الدولية.

 

لقد دفعت التطورات العالمية في العامين الماضيين فرنسا، مثلها مثل القوى الأخرى، إلى زيادة أدوات قوتها في المجالات الاستراتيجية، ويتم التركيز بشكل أكبر على الوجود في المناطق التي تحتوي على الكثير من النفط والغاز وممرات العبور.

 

 

التسلل إلى الفناء الخلفي لروسيا

 

أحد الأهداف التي يسعى إليها الغربيون، وخاصةً فرنسا، في القوقاز، هو اختراق السد التقليدي لروسيا.

 

وبالنيابة عن حلف شمال الأطلسي، تحاول فرنسا الاقتراب من حدود روسيا والضغط على منافستها، من خلال دخول منطقة القوقاز وتعزيز علاقاتها مع أرمينيا، باعتبارها عنصراً ساخطاً في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة.

 

إن الوجود النشط لفرنسا وغيرها من أعضاء الناتو في القوقاز، من شأنه أن يدفع روسيا إلى تكريس جزء من قوتها لهذه المنطقة من أجل درء التهديدات جنوب حدودها، وبالتالي سوف تقلل بالضرورة من تركيزها على الجبهة الأوكرانية، حيث عانى الغربيون من إخفاقات كثيرة ويحاولون تعويض هذه الإخفاقات في مناطق أخرى، وتعدّ منطقة القوقاز إحدى هذه الجبهات التي يوليها الغرب اهتماماً خاصاً.

 

وبوجودها في القوقاز، تستطيع فرنسا أن تراقب عن كثب تحركات روسيا، وترفع تكاليفها، وفي الأسابيع الأخيرة، أثار ماكرون الكثير من الجدل بتصريحاته حول الحرب في أوكرانيا، وإمكانية إرسال قوات إلى هذا البلد لمواجهة روسيا، ولهذا السبب، تم وضع خطة الوجود في القوقاز بهدف ضرب مصالح موسكو.

 

ولذلك، قال مسؤولو الكرملين مراراً وتكراراً إن وجود فرنسا ودول غربية أخرى في القوقاز، ليس من أجل السلام، ومثل هذه التحركات تزيد من حدة التوتر في المنطقة.

 

ومؤخراً، بسبب الخلافات مع روسيا، انسحبت أرمينيا من “منظمة معاهدة الأمن الجماعي”، وطلب نيكول باشينيان من الاتحاد الأوروبي جعل أرمينيا عضواً في هذا الاتحاد.

 

وتخشى فرنسا حدوث انقلاب محتمل في الجيش الأرمني، وتحاول الحفاظ على حكومة باشينيان، حيث يدفع باشينيان أرمينيا غرباً، ويعتقد أن التحالف مع موسكو لم يعد مفيداً، وهذه هي الفرصة المثالية لفرنسا لتنفيذ طموحاتها في القوقاز.

 

 

قطع الطريق التركي وممر لاتشين

 

تحاول الدول الأوروبية التي تتخذ مواقف داعمة لأرمينيا تقريباً، قطع الطريق على أطماع تركيا وأذربيجان المتعارضة مع سياسات الغرب.

 

کما يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان أكبر داعمي باكو في صراع كاراباخ، إلى تحقيق خططه الطموحة من خلال بناء ممر “زنجيزور”، وذلك للسيطرة على ممرات العبور الشرقية والغربية، وتفعيل خطة “العالم التركي”.

 

هذا الممر الذي يقطع الحدود بين إيران وأرمينيا، كان أكبر مطلب لسلطات باكو في السنوات الأخيرة، وهي تصر على بنائه، ومن خلال دعم أرمينيا وتعزيز قاعدتها الدفاعية، تحاول فرنسا إعادة التوازن لمصلحة هذا البلد في القوقاز، ومنع تحقيق ممر زانجيزور.

 

من خلال استكمال هذا الممر البري، وفي المستقبل من خلال ربط طريق ترانس-قزوين بالقوقاز، تحاول تركيا وأذربيجان السيطرة على طرق الربط بين الشرق والغرب، حيث إن الطرق التي حظيت باهتمام أكبر بعد الحرب في أوكرانيا، وبسبب إغلاق حدود روسيا مع أوروبا، يمكن أن تعزز دور العبور الذي تلعبه تركيا في التطورات الإقليمية.

 

وبسبب الانخراط الروسي في أوروبا، تحاول تركيا ملء الفراغ الأمني ​​الذي نشأ في القوقاز، وتعزيز مكانتها في تطورات المنطقة، ولذلك، تسعى فرنسا من خلال أرمينيا إلى مواجهة تركيا وإزعاجها، حتى لا تتمكن من تنفيذ مخططاتها.

 

ومن ناحية أخرى، حاولت تركيا في العقد الماضي جمع البلدان الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى والقوقاز، تحت راية واحدة تسمى “العالم التركي”، وحددت منظمة الدول التركية رؤيتها الاستراتيجية للمستقبل من خلال وثيقة “رؤية العالم التركي 2040”.

 

وقد أعلنت أن هدفها هو تعزيز أجواء الثقة المتبادلة في العالم التركي، وتعزيز التضامن السياسي، وتسريع فرص التعاون الاقتصادي والفني، وتوفير العلاقات الإنسانية السليمة، وضمان التراكم التاريخي والثقافي للعالم التركي على أوسع نطاق ممكن.

 

وفي حال تم تشكيل مثل هذا التنظيم العرقي، سيكون لتركيا دور وموقع رئيسي كزعيم له، ويمكنها السيطرة على هذه المناطق الحيوية الغنية بالطاقة، وبما أن تركيا والاتحاد الأوروبي لديهما خلافات مع بعضهما البعض بشأن بعض القضايا السياسية، وضغط قادة أنقرة على هذه الدول في بعض الأحيان للحصول على تنازلات من أوروبا، فإن القادة الأوروبيين لا يتحملون قوة تركيا المتنامية في آسيا الوسطى والقوقاز.

 

لقد واجه الاتحاد الأوروبي تحدياً خطيراً في قضية نقل المهاجرين السوريين إلى الدول الأوروبية من قبل تركيا، ولهذا السبب يريدون القضاء على أدوات الضغط التي تستخدمها أنقرة ضد أوروبا.

 

إن نفوذ تركيا الواسع في آسيا الوسطى والقوقاز، في وقت يكون فيه الغرب في خلاف مع روسيا، سيوفر لأردوغان الفرصة لاستغلال الصراع للضغط على الغرب.

 

وبعد الحرب في أوكرانيا، سعى الاتحاد الأوروبي إلى تلبية احتياجاته من الطاقة من الطرق غير التركية، بما في ذلك الکيان الإسرائيلي واليونان، بسبب احتياجاته القوية من النفط والغاز، وقد أثارت هذه القضية غضب أنقرة، التي حذرت من أن أي طريق لنقل الغاز والنفط إلى أوروبا، يجب أن يمرّ عبر تركيا.

 

کما انحازت الدول الأوروبية الغاضبة للغاية من سياسات تركيا إلى جانب أثينا في التوتر بين اليونان وتركيا، وتحاول إحباط خطط أردوغان في شرق البحر الأبيض المتوسط؛ وهذا الهدف يتم تحقيقه بشكل أو بآخر في القوقاز أيضًا.

 

لأن زيادة مكانة تركيا الاقتصادية والسياسية في المجالات الاستراتيجية أمر مقلق للاتحاد الأوروبي، وسيضع هذه الدول تحت مظلة أنقرة التي يمكن أن تضغط علی الحلفاء الأوروبيين في أوقات الأزمات.

 

بالإضافة إلى ذلك، يضاف تأثير العوامل الثقافية والتاريخية والاجتماعية مع أرمينيا، وخاصةً بالنظر إلى وجود الجالية الأرمنية الكبيرة في فرنسا ودورها في صياغة السياسة الفرنسية، كمجموعة ضغط، ومن أجل إبقاء الطائفة الأرمنية راضيةً، يحاول رجال الدولة في الإليزيه دعم يريفان في التوتر بين أرمينيا وأذربيجان.

 

على الرغم من الجهود التي تبذلها فرنسا لإيجاد موطئ قدم في جنوب القوقاز، إلا أن هذه الدولة لن تكون قادرةً على لعب دور مركزي في التوترات التي تشهدها منطقة القوقاز، بسبب تأثيرات الحرب الأوكرانية على الجيوش والاقتصادات الأوروبية، ومن ناحية أخرى، لن تسمح روسيا لأرمينيا بالتحرك بسهولة نحو الغرب، وتعكير صفو السلام في الحدود الجنوبية.

 

أ.ش

الاخبار ذات الصلة