عيد الفطر.. يوم عودة واضحة

حتّى الساعات الأخيرة قُبيل فجر عيد الفطر، يوم أمس، لم يكن ليتوقّع أحدٌ في العالم أن تضجّ قرى الحدود بأهلها في الصباح: مئات العائلات الجنوبية التي نزحت من بيوتها بسبب العدوان الهمجي لم تستطع قضاء العيد بعيدًا عن أرضها، فعادت من دون تنسيق جماعي أو قرار مسبق في زيارات خاطفة إلى القرى، والتقت عند أضرحة الأحبّة في صباح العيد، كما في كلّ عيد.

2024-04-12

المشهد مذهلٌ، ولا شكّ أنّه يعيد إلى الذّهن، ولا سيّما ذهن العدوّ وأدواته، مشهد صبيحة الرابع عشر من آب ٢٠٠٦، حيث فاجأت قوافل العودة العالم بأسره وهي تعبر فوق الجسور المدمّرة لتعود إلى الجنوب، سكنها وسكينتها، وتقطن أرضها ولو فوق ركام البيوت والأرزاق. وبشكلٍ أو بآخر، أعاد مشهد يوم التحرير العظيم في أيار ٢٠٠٠، حيث شاهد العالم كلّه لهفة أهل الجنوب إلى قراهم، وتفرّج على حلاوة اللقاء بين التراب المحرّر وأهله.

 

صحيح أن قرى الحدود لم تخلُ تمامًا من أهلها، وأنّ العائلات النازحة منها بمعظمها لم تنزح بعيدًا، بل إلى قرى أبعد قليلًا عن دائرة الاستهداف اليومي كقرى صور والنبطية وإقليم التفاح، ولاعتبارات تتعلّق غالبًا بالحرص على أمن وسلامة الأطفال، ولكن وجود الناس بهذا الشكل في القرى المستهدفة يوميًا شكّل رسالة تحدٍّ صارخة، يقرأها العدوّ وترعبه، تقول له إنّ أهل هذي الأرض يعرفون أن نزوحهم عنها مسألة مؤقتة ولا تعنى بأي حال من الأحوال انفصالهم عنها ولو لثانية، وتقول له إنّها لا تخشى قذائفه ولن تمنعها مسيّراته من الاحتفال بالعيد كما اعتادت الاحتفال به، وتقول أيضًا إنّها وإن كانت تدرك مدى همجيّته فهي تعلم جيّدًا أنّه يحسب ألف حساب لأي خطأ قد يرتكبه لأنّ ثمّة مقاومة تردّ له الصاع بألف.

 

في جبانة عيترون على سبيل المثال، التقى أهل الضيعة ولا سيّما من عادوا في صباح العيد من دون تنسيق مسبق. كلّ شخص يزور أضرحة أحبّته المتوفين، ثمّ الجميع عند أضرحة شهداء البلدة: عناقات ودموع وشوق كبير وأحاديث متعجلة. أصوات القصف لم تثنهم عن اتمام ما جاؤوا لأجله: العيد يبدأ بزيارة أضرحة الأحبّة، وبمعايدة الأهل. بعدها تفقّد كلّ منهم بيته ورزقه، منهم من قرّر البقاء لليوم التالي ومنهم من آثر العودة حرصًا على سلامة الأولاد. وكما في عيترون، شهدت كلّ قرى الحدود المشهد نفسه، بالزخم نفسه الذي جعل كلّ عائد يشعر أنّه مستعد للشهادة في بلدته وأنّه رغم مخاطر الزيارة فمراسم صبيحة العيد تستحقّ المخاطرة، وبالوعي نفسه لضرورة الحرص على السلامة قدر الإمكان، بعد أن تحقّق الهدف السامي من الزيارة.

 

استفزّ المشهد العدوّ، وفهم الرسالة منه جيّدًا، بل وأيقن مرّة أخرى ألّا سبيل لديه لاقتلاع المقاومة من نفوس أهل الأرض، وأن نزوح بعضهم هو اجراء ضروري متعلّق بالسلامة لا يختلف عن خروج المرء من شقة شبّ فيها حريق بانتظار أن ينتهي عمل رجال الاطفاء. فهم أنّه لم يكسر بكلّ عدوانه هذا ولو مقدار شعرة من عزّتهم ويقينهم وارتباطهم بأرضهم، فقصف جبانة بلدة بليدا حنقًا وانتقامًا!

 

أبدع الجنوبيون بالأمس في الاحتفاء بقدوم عيد الفطر، وهم لو لم يقوموا بزيارة قراهم الحدودية لا ملامة عليهم طبعًا، لكنّ الزيارة هذه، بكلّ عفويّتها وتلقائيّتها وصدقها، رسمت مشهدًا هائل الجمال ومفعمًا بالمعاني والرسائل: نحن هنا، لا شيء يُبعدنا. لم نهرب، ولكن أفسحنا الطريق لرجال الله وهم يلقّنونكم درس الهزيمة بعد الهزيمة. لا نخاف، ولكن نسير بوعي شديد لأهدافنا. نحن هنا، أهل الحياة بأجمل ما فيها: عزّة مقترنة بالوعي، ودائمًا، أهدافنا، بسيطة كانت أو معقّدة: واضحة ومحدّدة ودقيقة!

ليلى عماشا

 

أ.ش

المصدر: العهد

الاخبار ذات الصلة