عصام عبدالله... لأنّ الشهداء ليسوا أرقاماً

فرح الهاشم تقدّم مرثية بصرية للمصوّر اللبناني الذي قتلته “إسرائيل”

كيف استقبلت بيروت فقدان عصام وتداعيات الحرب في يومياتها الصامتة وفي وجوه وذكريات وذوات قاطنيها؟

2024-04-22

في سبيل مقاومة مستمرة على جميع الصعد، وخصوصاً على صعيد الفن والذاكرة والثقافة، قدّمت المخرجة اللبنانية فرح الهاشم فيلمها الجديد «رصيف بيروت» الذي قد يجيب عن سؤال: «من هو عصام عبدالله؟» كإنسان أولاً.

لعل هذا السؤال مهم جداً كي لا يتكرّس في لاوعينا أنّ الضحايا مجرد أرقام يدخل الفيلم أيضاً في تفاصيل شعرية وأسئلة عن الفقدان الشخصي خلال حرب مستمرة. كيف استقبلت بيروت فقدان عصام وتداعيات الحرب في يومياتها الصامتة وفي وجوه وذكريات وذوات قاطنيها؟

دائماً ما تورّطت “إسرائيل” مباشرة في ارتكاب جرائم حرب غير مهتمّة بالقانون الدولي، مستهدفةً المدنيين والعزّل. إلى جانب التهجير القسري، والاعتقال التعسّفي، الفصل العنصري وقتل الأطفال والقصف العشوائي، بدأت باغتيال الصحافيين بشكل واضح وصريح، في محاولة للتعتيم على ارتكاباتها وكسب حرب السردية في صفوف الرأي العام العالمي.

بعد اغتيالها الصحافية شيرين أبو عاقلة عام 2022، عزّزت هذه المنهجية خلال حربها الحالية على غزة وجنوب لبنان، باستهدافها الصريح للصحافيين الذي لعبوا دوراً مهماً كأصوات مقاومة قد تربك الاحتلال بقدر المقاومة المسلّحة.

في بدايات الحرب على غزة، وتحديداً في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، قتلت “إسرائيل” المصوّر الصحافي اللبناني عصام عبدالله (1986ــــــ 2023) على إثر استهدافها الجنوب اللبناني، وكانت هذه الحادثة صاعقة على أهل وأصدقاء عصام في لبنان وعلى العالم ككلّ. صاعقة مثل كل الأخبار التي بدأت تنهمر علينا خلال الحرب الأخيرة التي تعدّ الأكثر وحشية حتى الآن.

وفي سبيل مقاومة مستمرة على جميع الصعد، وخصوصاً على صعيد الفن والذاكرة والثقافة، قدّمت المخرجة اللبنانية فرح الهاشم فيلمها الجديد «رصيف بيروت» الذي قد يجيب عن سؤال: «من هو عصام عبدالله؟» كإنسان أولاً.

لعل هذا السؤال مهم جداً كي لا يتكرّس في لاوعينا أنّ الضحايا مجرد أرقام، يدخل الفيلم أيضاً في تفاصيل شعرية وأسئلة عن الفقدان الشخصي خلال حرب مستمرة.

كيف استقبلت بيروت فقدان عصام وتداعيات الحرب في يومياتها الصامتة وفي وجوه وذكريات وذوات قاطنيها؟
يبدأ الفيلم بتفاصيل بسيطة عن عصام تسردها المخرجة الكويتية اللبنانية. تفاصيل تُظهر بساطة ومرح شخصية عصام، كما تُظهر علاقة صداقة حميمة بينه وبين فرح التي سنرى عصام وبيروت في عيونها خلال رحلة الفيلم.
تنطلق المخرجة في رحلة لرصد ملامح عصام وملامح فلسطين وأثر الحرب الأخيرة في بيروت. تدخل إلى مخيم فلسطيني، نرى شوارعه الضيقة وبنيته المعمارية التي تقول لقاطنيها بأنّهم في خطر الرحيل الدائم، وبأنّهم في وضع موقت بات أبدياً.

تدخل إلى بيوت المخيم ونسمع أهله وهم يتحدثون عن وطنهم لبنان الذي عاشوا فيه حياتهم كلها، لكنّهم يذكرون خصوصية دمائهم الفلسطينية التي تذكرهم دائماً بحلم العودة والنصر. تدخل المخرجة أيضاً إلى فضاءات متعددة في مقاهي بيروت وبحرها.

تلتقي مع أصدقاء عصام الذين يرونه على قيد الحياة بطرقهم الخاصة، يتحدثون عن الحرب، عن عصام، عن آلياتهم البسيطة للمقاومة والنجاة والذاكرة.
خلال هذه الرحلة، نرى ملامح بيروت القريبة البعيدة عن الحرب، شاهدةً صامتةً، ونرى الأسى والأمل والتعب والفقدان في ذوات قاطنيها لبنانيين وفلسطينيين، شباباً وعجائز.
تقسم هذه الرحلة إلى ثلاث طرق في السرد، الأولى هي الحاضر: ملاحقة المخرجة بيروت خلال الحرب، فتدخل إلى أماكن وذوات وذكريات الناس.

تتمثّل الثانية في سرد ذكريات فرح عن عصام، ما يضيف إلى سرد الواقع بُعداً شعرياً متدثّراً بالفقدان الذي يجعلنا نشعر أننا نبحث عن عصام في فضاءات بيروت الآن، تماماً كبحث فرح (المخرجة) عنه.

والثالثة هي شريط صوتي لرسائل عصام الصوتية لفرح الذي تقدم لنا ملامح إنسانية شخصية ذاتية عن عصام. نسمعه كأنّه صديقنا يحكي عن أحلامه، وواقعه، عن يومياته عن علاقاته، عن نيويورك وعن بيروت…

ملامح متفرقة نراها مع خطوط السرد الأخرى لكي تكتمل معنا حالة الفقدان في فضاء الموت العام وخصوصيته في يومياتنا وفي ذكرياتنا عن أصدقائنا، ضمن شريط بصري التقطت فيه الهاشم تفاصيل المدينة الدقيقة من شوارع ومقاهي وبيوت وأوجه الناس، واختلطت مع مشاهد قديمة لعصام، تضيف لنا تفاصيل ثمينة لملامح الذاكرة وتفاصيل الأسئلة عن سبل مقاومتنا اليوم وسط عجز هائل خلال الحرب، متسائلين مع عصام «من أين طريق القدس؟».

الإعلام شريكاً في الجريمة

 

استُشهد عصام عبدالله يوم 13 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي أثناء استهداف العدو الإسرائيلي له مع مجموعة من زملائه (الأخبار 16/10/2023) أثناء تواجدهم في منطقة علما الشعب (جنوب لبنان)، وإصابة مراسلة قناة «الجزيرة» كارمن جوخدار والمصوّر إيلي براخيا، كما إصابة مصوّر الفيديو في «فرانس برس» ديلان كولينز، والمصورة الفوتوغرافية لدى الوكالة كريستينا عاصي.

بعد ساعات على استشهاده، أصدرت «رويترز» بياناً مخزياً تهرّبت فيه من تحميل العدو الإسرائيلي مسؤولية استهداف المصور اللبناني الذي يعمل معها منذ حوالى 15 عاماً!

وكانت «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش» أصدرا نتائج تحقيقين منفصلين قامتا بهما، وتزامن نشرهما مع تحقيق لوكالة «فرانس برس» (الأخبار 8/12/2023).

التحقيقات الثلاثة أظهرت أنّ قذيفة دبابة إسرائيلية قتلت عصام عبدالله وأصابت ستة صحافيين آخرين، بينهم صحافيا «فرانس برس» ديلان كولينز وكريستينا عاصي.

وحمّلت المنظّمتان إسرائيل مسؤولية استهداف الصحافيين، ما يستدعي تحقيقاً في «جريمة حرب». مع ذلك، تهرّبت وكالة «رويترز» من اتّهام “إسرائيل” بالجريمة.

إذ أطلّت مديرة مكتب «رويترز» في لبنان وسوريا والأردن مايا جبيلي، في تسجيل مباشر عبر أحد التطبيقات، لتحكي كلاماً شاعرياً عن «الفراغ الذي تركه عصام».

لكنّها لم تشرح الأسباب التي دفعت «رويترز» إلى إصدار بيانات مخزية فور انتشار خبر استشهاده، بل حاولت التملّص من الغوص في قضية استهداف إسرائيل الصحافيين، من دون الكشف عن أيّ خطوات مستقبلية قد تتخذها الوكالة إزاء نتائج التحقيقين المذكورين.

المنذر الدمني

 

أ.ش

المصدر: الوفاق/ وكالات

الاخبار ذات الصلة