مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية

ما هي المزايا والمعايب التي ترافق توافد المهاجرين الروس إلى باكو؟

2024-04-23

أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى هجرة ملحوظة للأفراد من روسيا، تتألف في معظمها من المتخصصين ورواد الأعمال الماهرين. اختار معظم المهاجرين الروس الذين يواجهون مجموعة من العقبات للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك العقبات البيروقراطية والعقبات المعرفية، الإقامة في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. بعد أكثر من عامين من الحرب الروسية الأوكرانية، تكافح هذه البلدان مع إدارة تدفق الروس بشكل فعال للاستفادة من مزاياهم مع التقليل في الوقت نفسه من التوترات الاجتماعية المحتملة في المجتمعات المضيفة.

 

هناك لحظتان رئيسيتان أثارتا موجة الهجرة الأولى في فبراير 2022 بعد الحرب مباشرة، والثانية في سبتمبر 2022 بينما يصعب الحصول على أرقام دقيقة للأشخاص الذين غادروا، تشير تقارير الإعلام والأرقام إلى أن جمهورية أذربيجان قد لا تكون الوجهة الرئيسية للمهاجرين الروس، خاصة مقارنة بجيرانها في جنوب القوقاز. ومع ذلك، فقد كان لموجة الهجرة تأثيرات متعددة الجوانب على جوانب مختلفة من المجتمع في جمهورية أذربيجان تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 

باكو خيار أقل جاذبية للمهاجرين الروس

 

هناك عدة عوامل جعلت من جمهورية أذربيجان خيارًا أقل جاذبية للمهاجرين الروس. العامل الرئيس هو قواعد التأشيرة الصارمة التي فرضتها الحكومة الأذربيجانية على المواطنين الروس، والتي تحد من إقامتهم إلى 90 يومًا فقط دون تأشيرة، مما يشكل تحديًا كبيرًا لمن يسعون للإقامة طويلة الأمد. على العكس من ذلك، يجعل خيار الإقامة لمدة عام واحد بدون تأشيرة في جورجيا منها وجهة أكثر جاذبية للمهاجرين الروس. بالإضافة إلى ذلك، يساهم إغلاق الحدود البرية بين روسيا وجمهورية أذربيجان بشكل متكرر في تحديات الهجرة إلى جمهورية أذربيجان عبر الطرق الجوية ويزيد بشكل ملحوظ من التكلفة والتعقيد. في المقابل، توفر البلدان المجاورة ذات الحدود البرية المفتوحة طريقًا مباشرًا وأكثر فعالية من حيث التكلفة للمهاجرين المحتملين.

 

الأسباب الأخرى تشمل بيئة جمهورية أذربيجان الأقل ملاءمة لريادة الأعمال، والتي إلى جانب عدم عضويتها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة روسيا، تجعلها في وضع غير مواتٍ لأولئك الذين يفكرون في ريادة الأعمال أو يسعون للحصول على تصاريح عمل ودعم قانوني مضاعف. علاوة على ذلك، فإن صغر الجالية الروسية في جمهورية أذربيجان، مقارنة بدول ما بعد الاتحاد السوفيتي الأخرى، وخاصة في آسيا الوسطى، ينتج عنه وجود روابط أسرية واجتماعية سابقة أقل ويقلل من جاذبيتها للمهاجرين المحتملين.

 

من ناحية أخرى، جعلت مجموعة من العوامل جمهورية أذربيجان وجهة جذابة لعدد من الروس للانتقال إليها. يشكل عدد كبير ممن انتقلوا من روسيا إلى جمهورية أذربيجان من الأذريين العرقيين المقيمين في روسيا – في بعض الحالات حاملي الجنسية الروسية – الذين قرروا إعادة الاتصال بأسرهم الأصلية. في الواقع، وفقًا للبيانات المتاحة، استضافت جمهورية أذربيجان أكثر من 100000 روسي، معظمهم مقيم في باكو. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الروسية اللغة الثانية الأكثر شيوعًا في جمهورية أذربيجان، ولا تزال بعض المدارس تدرس جميع المواد باللغة الروسية. تستضيف جمهورية أذربيجان أيضًا مهاجرين ناطقين بالروسية من دول الكومنولث المستقلة الأخرى، مما يسهل إنشاء روابط وتشكيل مجتمع لدمج المهاجرين الروس.

 

مزايا ومعايب اقتصادية

 

يتم تعزيز تدفق الروس إلى جمهورية أذربيجان بشكل أساسي بعوامل تتعلق بديناميكيات اقتصادية خارجية. يرتبط تدفق الهجرة إلى باكو بالتحديات الاقتصادية التي تواجهها الشركات الروسية والمؤسسات الدولية التي لديها فروع في روسيا. بعد الحرب الروسية الأوكرانية، واجهت العديد من الشركات الروسية عقوبات دولية صارمة. اختارت بعض الشركات، في مواجهة مهمة التكيف الصعبة مع هذه الظروف، نقل استراتيجي وظهرت جمهورية أذربيجان كوجهة جذابة في حالات معينة. حرك هذا الحافز الاقتصادي موجة كبيرة من الأفراد ذوي التعليم العالي والمهارات، سواء من مواطني روسيا أو الأجانب المقيمين في روسيا.

 

بعيدًا عن القضايا التي تتعلق بالشركات، اتخذ عدد كبير من المهاجرين الروس، لا سيما أولئك العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات، قرارًا بالانتقال إلى جمهورية أذربيجان. علاوة على ذلك، تبنى عدد كبير من الوافدين الجدد الروس مبادرات ريادة الأعمال وأسسوا مطاعم ومقاهٍ ومشاريع صغيرة مختلفة. ومع ذلك، تشكل بيئة ريادة الأعمال المحدودة في جمهورية أذربيجان تحديًا كبيرًا لمن يرغبون في ممارسة الأنشطة التجارية.

 

تريد باكو الاستفادة اقتصاديًا من العقوبات الدولية المفروضة على روسيا، بما في ذلك النمو الكبير في صادرات الغاز وتطوير ممر النقل البري الدولي عبر قزوين الذي يمر عبر جمهورية أذربيجان كممر تجاري بديل. من ناحية أخرى، تركت موجة الهجرة آثارًا لا يمكن محوها في قطاع الإسكان في البلاد. في مواجهة عدم اليقين الاقتصادي وانخفاض قيمة الروبل، سعى الروس للحفاظ على أصولهم من خلال الاستثمار عن بُعد في العقارات الأذربيجانية. على الرغم من أن هذا التحويل للأموال من روسيا يساعد في تحسين الآفاق الاقتصادية، إلا أنه خلق أيضًا تأثيرا أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار العقارات والزيادة المصاحبة في أسعار الإيجار.

 

تأثير سلبي آخر ينتج بشكل رئيسي عن خروج الأذريين العرقيين من روسيا يتعلق بالتحويلات المالية. تُظهر أحدث البيانات المتاحة من البنك الدولي أن 62٪ من إجمالي التحويلات الواردة إلى جمهورية أذربيجان في الثلاثة أرباع الأولى من عام 2021 كان مصدرها روسيا، وشكلت التحويلات الصادرة 3.3٪ من إجمالي الناتج المحلي لجمهورية أذربيجان في عام 2020. بناءً على بيانات البنك المركزي الأذري في عام 2021، تم إرسال حوالي 60٪ من التحويلات البالغة 680 مليون دولار من قبل المهاجرين المقيمين في روسيا. على الرغم من أن التحويلات تشكل جزءًا نسبيًا صغيرًا من الناتج المحلي الإجمالي لأذربيجان (حوالي 2.8٪ في عام 2021 و5٪ في عام 2022)، إلا أنها تكتسب أهمية كبيرة للدخل القابل للتصرف لدى الأسر الريفية الأذربيجانية. تخلق الظروف الراهنة خطر فقدان محتمل لهذه التدفقات الحيوية مما قد يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر داخل البلاد.

 

تحديات اجتماعية

 

أحد الآثار السلبية المحتملة لموجة الهجرة من روسيا إلى جمهورية  أذربيجان هو تحول العنصر السكاني كأداة للقوة الناعمة. يكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ضوء الميل التاريخي للعرقيات الروسية تجاه بلادهم. علاوة على ذلك، تخلق موجات الهجرة فجوة كبيرة بين غالبية الأذريين والروس المهاجرين حديثًا الذين في كثير من الأحيان يحققون دخلاً أعلى. يمكن أن تؤدي هذه الفجوة الاقتصادية إلى توترات اجتماعية وتحديات في بناء مجتمع متماسك. في الوقت الحالي، يبدو أن انخفاض حجم هذه الظاهرة في جمهورية أذربيجان يخفف من هذه المخاوف. ومع ذلك، تجعل المخاطر المحتملة مراقبة هذه الظاهرة وتطورها أكثر أهمية للمحللين وصانعي السياسات.

 

د.ح

 

الاخبار ذات الصلة