أستاذ القانون العام في الجامعة اللبنانية للوفاق:

إبادة الجنس البشري في غزة.. والجرائم كشفت صورة العدو الصهيوني

تصاعد نسبة المؤيدين لفلسطين وعندما يصبحون أغلبية في مجتمعاتهم، يمكن أن يحصل تطور في القضية الفلسطينية على صعيد تغيير موقف الدول بناءً على التطور الحاصل في الرأي العام الداعم لفلسطين في انتخابات هذه الدول

2024-06-01

عبير شمص

 

تكشف الحرب الحالية التي يشنّها الكيان الصهيوني على غزة منذ أكثر من سبعة أشهر عن حالة غير مسبوقة فيما يتعلّق بوضع حقوق الإنسان. ولا تستطيع العبارات القانونية التقليدية مثل الانتهاكات والاعتداءات أن تصف درجة هذا الاعتداء. لقد وصلت هذه الجرائم والمجازر اليومية إلى مستوى جريمة الإبادة الجماعية والتي تُعد أكبر وأبشع جريمة على مر التاريخ من حيث درجة الإهدار الكامل للحقوق الإنسانية. وفي مواجهة هذه الجرائم، تقف كل منظومة المجتمع الدولي التي يزعم بأنه أسّسها على احترامِ حقوق الإنسان عاجزةً أمام هذه الإبادة الجماعية، وهنا يتبين لنا إنّ هذه المنظومة كما يتبناها الغرب لا تقوم على أيّ أساس أخلاقي مجرد، وإنما على أساس معايير انتقائية وتمييزية. وفي هذا السياق، التقت صحيفة الوفاق وعلى هامش المؤتمر الدولي لدراسة الأبعاد القانونية لجرائم الكيان الصهيوني وحماته في غزة، والذي أقامه في العاصمة الايرانية طهران المجمع العالمي للصحوة الاسلامية بالتعاون مع رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية، أستاذ القانون العام في الجامعة اللبنانية الدكتور محمد طي، وكان الحوار التالي:

 

 

 

 

موقف الأمم المتحدة من الحرب على غزة
يتحكم بموقف الأمم المتحدة من الحرب على غزة عدد من  القوى الدولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى وطبعاً بالدرجة الثانية تأتي الدول الأوروبية الكبرى فرنسا وبريطانيا وغيرها، وبالتالي هذه الدول وفق الأستاذ في القانون العام في الجامعة اللبنانية الدكتور طي هي مؤيدة للعدو الصهيوني أي أنها مشاركة له في اعتداءاته وهي تمده بالمعونات المختلفة وخاصة العسكرية والكيان الصهيوني لا يستطيع مواصلة الحرب الجارية لولا معونة  هذه الدول وخاصة” أمريكا، إذاً هذه الدول الكبرى هي من تتحكم بقرارات الأمم المتحدة أمّا الدول الصغيرة فلا تستطيع أن تُقرر وهذا هو الواقع، فهي صوتت لصالح فلسطين ولكن تصويتها لم يعط أي نتيجة عملية، بالتالي موقف الأمم المتحدة منقسم بين المؤيدين للتصويت ضد العدو الصهيوني في الأمم المتحدة والمعارضين له،  لكن المعارضين هم أقوى من الدول الأخرى وبالتالي هم يفرضون رأيهم.
 

 

إبادة الجنس البشري

 

 

 

يعتبر الدكتور طي أن الصهاينة لا يقيمون وزناً للبشر، فنجد بالتوراة طلب بحرق الأخضر واليابس بمعنى اقتلوا النساء والرجال والأطفال وحتى الحيوانات هذه سياستهم، وهم إن ادعوا ايمانهم بحقوق الانسان فهذا غير صحيح فهم في قرارة أنفسهم لا يعتبرون البشر بشراً ويعتبرون أنفسهم أرقى طبقةً وبالتالي البشر الأخرون أقرب إلى الحيوانات.

 

أمّا بالنسبة لآلية المحاكمة فيعتقد الدكتور طي بوجود عدة طرق لها، ويلفت بداية” بأن دولة جنوب أفريقيا تقدمت إلى محكمة العدل الدولية بناء” على جريمة “الجنوسايد” وترجمتها ليست الإبادة الجماعية فكل الإبادات جماعية، وترجمتها الصحيحة إبادة الجنس البشري  فالجنو هو “جنس” وسايد “قتل” وهي تستهدف إما جماعة اثنية أو عرقية أو قومية وليست أية جماعة بالتالي ترجتمها إبادة جنس بشري، إما بشكل كلي أو جزئي، وهذا ما ينطبق على ما يجري في غزة حالياً، ففي حالة غزة التي هي جزء من فلسطين تكون الإبادة إبادة قومية من جهة ودينية أيضاً فهم عرب ومسلمون.”

 

أمّا بشأن المحاكمة فيعتبر الدكتور طي:” أن المحكمة الجنائية الدولية لم تقم بواجبها وكان المدعي العام متردد على عكس المدعية العامة السابقة “بنسودا ” التي عملت على تسيير أمور المحاكمة، لكن المدعي العام الحالي “كريم خان” أوقف التحقيق رغم ادعائه بالاستمرار به فهو  يدعي أنه لم يثبت له بالدليل وجود جرائم ضد الانسانية في غزة بالرغم من كل هذه المآسي والجرائم والتدمير وأنه لم يتأكد من حدوث ذلك وهذا أمر غريب، وعلى ما يبدو فهو موعود بمنصب ما في الأمم المتحدة لذلك هو لا يرى هذه الإبادة”.

 

لذا يعتبر أستاذ القانون العام في الجامعة اللبنانية الدكتور طي أنه يجب على المحكمة الجنائية الدولية القيام بواجبها، فإذا كان هناك ضغط كافٍ من الدول العربية والاسلامية ومن المنظمات الجماهيرية، يمكن  الدفع بالسير بالمحاكمة”.

 

ويلفت إلى وجود محاكم في أوروبا ذات صلاحية عالمية منتشرة في كل أنحاء أوروبا ويمكن عبرها التقدم بدعاوى مختلفة، فهناك فلسطينيون مزدوجو الجنسية، أي أنهم يحملون جنسية دولة أوروبية إضافةً لجنسيتهم الأصلية، وهم يستطيعون رفع دعاوى امام محاكم الدول الأوروبية التي يحملون جنسيتها ضد من سبب لهم الضرر في حياتهم أو رزقهم أو أهلهم، كما أنهم يستطيعون رفع دعاوى على الصهاينة الذين يحملون جنسية هذه البلدان”.

 

ويشير الدكتور طي أنه هناك بلدان تحاكم أي إنسان يرتكب جريمة ضد الانسانية وجريمة حرب أياً تكن جنسيته وأينما ارتكبها، لكن وفق شروط معينة منها أن يكون مقيماً في دولة المحاكمة أو يمر بها”. وخارج إطار القضايا في المحاكم المختلفة، يستطيع الفلسطيني رفع الشكاوى إلى منظمة الأمم المتحدة، مثلاً منظمة حقوق الانسان يجب مدها باستمرار بالمعلومات والوثائق وكل ما يحصل من فظائع وجرائم، لكي تبقى القضية موثّقة، وهناك أماكن أخرى يمكن رفع الدعاوى فيها”.

 

 

دعاوى ضد الأشخاص

 

 

 

من الطبيعي رفع الدعاوى القضائية ضد الأشخاص وليس ضد العدو الصهيوني بمعنى كدولة بل ضد الأشخاص، يعني رفع دعوى ضد  رئيس وزراء العدو الصهيوني ” بنيامين نتنياهو” وضد غالانت وقادة العدو حتى الجنود الصهاينة المشاركين في هذه الإبادة بمختلف رتبهم العسكرية، إلاّ الجنود المجبرين على تنفيذ القتل من قبل قيادته فله حكمُ آخر، ويؤكد الدكتور طي أن الجنود الصهاينة نراهم يتفننون في قتل الفلسطينيين ويتباهون بذلك فقد تم تصوير جنود الجيش الإسرائيلي بالزي الرسمي في 5 كانون الأوّل 2023 وهم يرقصون ويهتفون ويغنّون “لتحترق قريتهم، لتمحَ غزّة”؛ وبعد يومين، في مناسبة منفصلة داخل غزّة في 7 كانون الأول 2023، يرقصون ويغنّون ويهتفون “نحن نعرف شعارنا: لا يوجد مدنيون غير متورّطين” و”لمحو نسل عماليق”. وكذلك نسمع تصريحات من أعضاء بارزين في المجتمع الصهيوني-  بما في ذلك نواب سابقون ومذيعون إخباريون – تحريضاً واضحاً ومباشراً وعلنياً على إبادة جنس بشريّ، وحتى الشعب الصهيوني ينادي بإبادة غزة ولا فرق عندهم بين المرأة والطفل والجنين، فالشعب الصهيوني شعب مجرم إلاّ ما ندر”.
الفرق بين المحكمتين الدوليتين العدل والجنائية.

 

يميز الدكتور طي بين محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية فالأولى تحكم بالتعويضات ولها صلاحيات بالخلافات التي تنشب بين الدول فتُحدد هوية الظالم وأفعاله ومن صاحب الحق أو تحكم في مسألة الحدود المختلف عليها بين الدول، بينما المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة جزائية تفرض عقوبات على المدانين ولكنها لا تستطيع تنفيذها فهي لا تملك جيشاً أو شرطة لتنفيذ الأحكام ، فحينما لا يلتزم الطرف الذي صدرت الأحكام الجنائية ضده بقرارات المحكمة، يعود تنفيذ تطبيق الحكم إلى مجلس الأمن، وهنا نعود إلى الدوامة نفسها”.

 

ولكن يلفت الدكتور طي إلى أهمية صدور القرارات المدنية ضد العدو الصهيوني، وذلك عبر استثماره سياسياً ودبلوماسياً بمعنى أنه هناك دول ستحدد علاقاتها مع العدو الصهيوني وفق الحكم الصادر، فقد تقاطعه على عدة أصعدة اقتصادية وسياسية و…، فهذه الدول عندما تجد الحكم الصادر بحق هذا الكيان الصهيوني مستنداً على البُعد القانوني والأدلة وليس البُعد السياسي، حينها تستند على هذا الحكم لتحدد علاقتها مع الكيان الصهيوني ويمكن أن تقطع هذه العلاقات الاقتصادية أو السياسية … وتتخذ اجراءات ما”.

 

 

تأثير حكم المحكمة على الرأي العام الغربي

 

 

يلفت الدكتور طي إلى التأثير الكبير للمظاهرات الحاصلة اليوم في بلدان مختلفة في الغرب  على مجريات الأمور، فالحكومات تخاف على نفسها في الانتخابات فنجد الرئيس الأميركي “بايدن” يقوم بضربة على الحافر وضربة على المسمار كما يقول المثل، فهو يدعم العدو الصهيوني بشكلٍ كامل ولكنه يعارضه أحياناً في الاعلام، ويقدم لمؤيدي القضية الفلسطينية كلاماً بينما يمد العدو الصهيوني بالسلاح ،هذا كله بسبب المظاهرات الحاصلة في بلده”.

 

ويؤكد الدكتور طي أنه :” عندما يصبح المتظاهرون ضد العدو الصهيوني أكثرية يصبح حينها تأثير وازن ويستطيع تغيير المواقف لحكوماته ويدفع السياسيين إلى اتخاذ مواقف متلائمة أو موافقة للرأي العام، إذا  قرارات المحكمة القانونية ولو لم تنفذ فهي تخلق رأياً عاماً مؤيداً للقضية والحق الفلسطيني مستندين بذلك إلى القرارات القانونية الصادرة عن المحكمة والتي بينت الحق للمخدوعين وكذلك الزيف الاسرائيلي، وهنا يتغير الرأي العام في هذه الدول والذي يمكن أن يُترجم في الانتخابات مما يسبب خوفاً لحكومات هذه الدول على مصيرهم، فعندما يصبح هناك أغلبية تؤيد الفلسطينين في أي دولة من الدول فتصبح حكومة هذه الدولة أمام مأزق فهي إما أن تغير موقفها المتضامن مع العدو الصهيوني أو تسقط انتخابياً وسياسياً. والجدير ذكره أن الانتخابات في هذه البلدان تخضع للرأي العام الذي تحركه وسائل الاعلام والعلاقات العامة وهناك مركبات مالية وإعلامية تُشكل الرأي العام الذي ينتخب الرئيس والحكومات”.

 

وشدَّد الدكتور طي على أنَّ العدو قلق لأن القضية ستكون مؤثرة على الرأي العام العالمي وصُناع القرار، وأن القرار الذي ستتوصل إليه محكمة العدل الدولية قد يكون محرجًا للولايات المتحدة، نظرًا لأنه ذو بُعد أخلاقي وإنساني، كما أنَّه يفضح كيان الاحتلال الصهيوني في ارتكابه إبادة لفئة معينة من المجتمع”.

 

ويختم الدكتور طي حديثه بالقول:” هناك صراع في العالم، فهناك من يؤيد العدو الصهيوني ويدافع عنه رغم كل ما يفعله من مجازر وقتل وتدمير ويحاولون إعطاء التبرير له، وهناك  ما يجري على أرض الواقع والذي يراه الناس وتساهم به وسائل الاعلام الجماهيرية وبالتالي لمن الغلبة في هذا الصراع . من الطبيعي أن تكون الغلبة للواقع الملموس وليس للنظرية التي تطرح بدون مستندات وأدلة، وقد عمل العدو الصهيوني منذ مدة طويلة جداً على تزييف التاريخ أمام هذه الشعوب التي كانت مؤيدة لهم، ولكن الآن هناك تحول، إلى أي مدى بلغ هذا التحول، وما هي نسبة المؤيدين وكم تُمثل هذه التظاهرات الجارية الآن في العالم من الناس، المستقبل يخبرنا بذلك، ولكن نلاحظ تصاعد نسبة المؤيدين لفلسطين وعندما يصبحون أغلبية في مجتمعاتهم، يمكن أن يحصل تطور في القضية الفلسطينية على صعيد تغيير موقف الدول بناءً على التطور الحاصل في الرأي العام الداعم لفلسطين في انتخابات هذه الدول” .

 

أ.ش

 

المصدر: الوفاق/ خاص