التحرير عام 2000 ودوره المفصلي في تشكّل محور المقاومة

في المقابل؛ كانت التداعيات البنيوية الانهزامية التي أصابت الكيان المؤقت بانسحابه من الجنوب اللبناني من دون قيد أو شرط تحت ضربات المقاومة، في سابقة تاريخية أرخت لبداية مرحلة جديدة في تاريخ مجتمعات المنطقة، عمادها خيار المقاومة، وشعارها الاستراتيجي ""إسرائيل" أوهن من بيت العنكبوت"، فأعاد لنا التحرير التوازن النفسي؛ بحسب ما وصفه الصحافي الراحل طلال سلمان.

2024-06-01

قليلة هي الأروقة السياسية التي كتبت عن تداعيات تحرير العام 2000 على الجبهة السياسية الداخلية في الكيان المؤقت، فضلًا عن المسارات التي طُرحت لتتبنّاها شعوب المنطقة. ولا يغفل أن اشتغال المنطقة بالحروب الأميركية التي أُلبست أقنعة تنوّعت بين نشر الديمقراطية، ومحاربة الإرهاب، وغيرها من المفردات الزائفة التي لم تعد تنطلي على شعوب المنطقة، بعد أن ضاقت ذرعًا بالسياسة الأميركية وعقوباتها الاقتصادية ومشاريعها المهدّدة لأمن المنطقة واستقرارها من جهة، وبالاحتلال الصهيوني المستمر بحركته الاستيطانية التوسعية والقهر والظلم والتعسف والتهجير بأصحاب الحق والأرض والتهديد الأمني والاستراتيجي الدائم للمحيط اللبناني تحديدًا من جهة أخرى، حتّى أتى “طوفان الأقصى” ليعيد “تمفصل” محطات الصراع في منطقة غرب آسيا، بطوفان ميداني متصاعد.

 

قام الكيان “الإسرائيلي” على قاعدة الأمن والردع، والفكرة التي تحتاجها أي جماعات لتغطية مشروعها السياسي، وبُنيت على ذلك السردية “الإسرائيلية” عالميًا، واحتاجت إلى سردية للاعتراف بها إقليميًا، بالرغم من تطبيع الحكومات العربية المعلن وغير المعلن.

 

إذ جدير بنا في أجواء عيد التحرير المقاومة والتحرير أن نقف عند هذا المفصل التاريخي الذي أسسّ لمسار المقاومة خيارًا سياسيًا استراتيجيًا قابلًا لتحقيق التحرير، مقابل خيارات التسوية التي انتهجتها القوى التحررية وناضلت لها بعد اتفاقية “كامب دايفيد”، في العام 1978 على أعقاب النكسة العربية في العام 1967 التي أصابت المشروع التحرري النهضوي العربي برمته، وحتمية انتهائها كسابقاتها ولاحقاتها. وهذا ما عبّر عنه رئيس وزراء العدوّ الأسبق أرييل شارون متناولًا ما سمي بمبادرة السلام العربية في قمّة بيروت عام 2002 بالقول “إنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به”، فتغيّبت معها فلسطين القضية المحقة عن الساحة العالمية.

 

في المقابل؛ كانت التداعيات البنيوية الانهزامية التي أصابت الكيان المؤقت بانسحابه من الجنوب اللبناني من دون قيد أو شرط تحت ضربات المقاومة، في سابقة تاريخية أرخت لبداية مرحلة جديدة في تاريخ مجتمعات المنطقة، عمادها خيار المقاومة، وشعارها الاستراتيجي “”إسرائيل” أوهن من بيت العنكبوت”، فأعاد لنا التحرير التوازن النفسي؛ بحسب ما وصفه الصحافي الراحل طلال سلمان.

 

غوصًا في الجبهة الداخلية للكيان المؤقت؛ خلّف تحرير العام 2000 مسارًا سياسيًا انحداريًا لحزب “العمل” بالرغم من أنه الحزب الذي أسسّ لقيام الكيان المؤقت، إلّا أن تداعيات التحرير، ثمّ هزيمته في عدوان تموز 2006، وما فرضته من معادلات ردع، خلّفت غيابه بالرغم من كونه حزبًا وازنًا في الساحة السياسية الداخلية للكيان، وسقط معه أي تأييد سياسي صهيوني لحلّ “الدولتين” – إن كان موجودًا – في مقابل صعود تيار يميني متطرّف ناتج عن شعورهم بالهزيمة المدوّية ما لبثت أن حفرت عميقًا في وعي جنود الاحتلال. يسترجع الكاتب وليد شرارة في حوار سياسي “مشهدية وقع الهزيمة على الكيان الصهيوني بتعليق “إسرائيلي” عن رمزية دخول حزب الله إلى مراكز “إسرائيلية” كانت ما تزال تعمل فيها الحواسيب في منطقة بنت جبيل، ما يدلّل على هروب الجنود الخائفين، بأنها ستحفر عميقًا في وعي كلّ طفل “إسرائيلي” إزاء مشهد يوازي مشاهدة كلّ طفل “إسرائيلي” أحذية الجنود المصريين الهاربين التي كانت رمزًا للهزيمة العربية.

 

تداعيات انتصار خيار المقاومة ما لبثت أن انفجرت في “انتفاضة الأقصى” بمؤشرات ظهرت في تظاهرة في غزّة، حين رفعت يافطة مركزيّة “اليوم لبنان وغدًا فلسطين”، فنشطت عمليات المقاومة المسلحة النوعية، أبرزها قتل عالم نووي في 2001، وعملية “زقاق” ضدّ مستوطني “كريات أربع” عام 2002 وواجهت المقاومة معارك “أيام الندم” و”أيام الغضب” عام 2004، حتّى أُرغم الكيان على الانسحاب من غزّة تحت ضغط المقاومين عام 2005.

 

بالرغم من أن العدوّ حوّل غزّة إلى سجن صغير يمكن احتواؤه بسياسة عسكرية عرفت “بجز العشب” في معادلة الرعب، وإن كان نجح في تطويع السلطة الفلسطينية وتحويلها لأداة أمنية تنسيقية لخدمة الاحتلال، وإطلاقه لحركة استيطان واسعة للسيطرة على كامل فلسطين، إلّا أن ما غفل عنه الكيان المؤقت وداعموه هو أن هذا التحرير عام 2000 وقابليته لتحقيق التحرير والنصر أسس لخيار الاقتدار المقاوم الذي عملت جبهات المقاومة على الإعداد له في كلّ الظروف والبيئة المضطرة التي عاشتها المنطقة، فضلًا عن الحصار الاقتصادي الذي شكّل جبهة ثانية للتحدي والمواجهة لقوى محور المقاومة.

 

لقد بدأت ملامح تغيير في مرحلة “الصبر الاستراتيجي” نشهدها مع عمليات تطال العمق الاستراتيجي للكيان، في عدوان “الجرف الصامد” في ٢٠١٤، ومعركة “سيف القدس”، في ٢٠٢١، التي توجّت بمعركة “طوفان الأقصى” ٢٠٢٣، والتي أخرجت تداعياتها قوى المقاومة من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” بتوازن ردع لحماية المدنيين في جبهة لبنان، إلى قوة مساندة غيّرت وجهة المعركة، وتوسّعت لتفتح جبهات مساندة متناغمة بين قوى محور المقاومة من لبنان وغزّة واليمن والعراق وسورية وإيران.

 

صحيح أنه من المبكر الحديث عن انتصار محور المقاومة في معركته ومناقشة حيثيات الانتصار، لكن ممّا لا شك فيه أن الصمود الأسطوري لمجتمع المقاومة، في غزّة تحديدًا، وثبات الجبهات المساندة لا سيما الجبهة اللبنانية، ودخول الرد الإيراني المباشر على الجبهة ردًا على ضرب القنصلية الإيرانية في دمشق وتداعياتها قد فرض معادلات توازن ردع استراتيجي في المحيط الإقليمي، بعدما كان الكيان يمثل القوّة المتفوقة الإقليمية الوحيدة في منطقة غرب آسيا، حيث تمكّن محور المقاومة من فرض إرادته في المنطقة، وهو أول إنجازاته بعد فشل المشروع الإبراهيمي الاقتصادي وبعد سقوط قوة الردع “الإسرائيلي” في ٧ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وعجز جيش الكيان المدعوم أميركيًا وغربيًا بكلّ قوته عن ترميمه.

 

في المحصلة؛ أُعيدت القضية الفلسطينية التي تمثل المبادئ الرئيسة الاستراتيجية لدولة إيران الصاعدة، إلى الصدارة الإعلامية بعدما عمل الكيان المؤقت منذ عقود طويلة على مخطّط إزاحتها عن جدول الاهتمام العالمي. وهذا بتأكيد صحيفة “يديعوت أحرونوت” “الإسرائيلية”، أنّ كلّ مؤشرات نزوح عشرات آلاف المستوطنين من شمالي فلسطين المحتلة يمثّل “شهادة عجز لـ”إسرائيل” على مرّ أجيال”، واصفةً الأمر بـ”الخزي”، وتحدّثت الصحيفة نفسها عن “تفكّك “المجتمع” “الإسرائيلي” والشعور العام بالضياع بين أفراده”، مؤكدةً أنّ تأهيل الأضرار التي أصابت الاقتصاد الإسرائيلي، وتلك الناجمة عن سحق الردع وانهيار الثقة بين الحكومة والمستوطنين “سيتطلب أعوامًا”.

 

كما دخلت المنطقة في مرحلة تشكّل محور للمقاومة يتحضّر لما ستنفتح عليه المنطقة من خيارات تحررية، بعد المأزق الذي وقع فيه جيش العدوّ “الإسرائيلي” بشخص بنيامين نتنياهو وحزبه اليميني المتطرّف، بالرغم من دعمه اللوجستي من أميركا والحلف الغربي. فهو يخشى مسار صفقة تتضمن كيانًا سياسيًا فلسطينيًا يتعارض ومخطّطات الضم والاستيطان التي يعمل عليها، في وقت استنفد فيه الخيارات العسكرية كلها للقضاء على حركة حماس. فقد خرج رؤساء البلديات والمجالس المحلية وغيرهم من ممثلي الجمهور اليهودي، مستوطنو الجليل والشمال، في حملة احتجاج ضدّ سياسة الحكومة الرامية إلى الاستمرار في حرب الاستنزاف مع حزب الله في لبنان، وتتهم رئيس الوزراء بالاستخفاف بأوضاعهم؛ حيث إن نحو ١٠٠ ألف مواطن منهم مشردون عن بيوتهم. وهدّد رئيس المجلس لبلدة المطلة ديفيد أزولاي، والذي يعد مبادرًا أساسيًا للحراك ضدّ الحكومة، بالانسلاخ عن “إسرائيل” وإقامة “دولة” مستقلة في الجليل. كلها مؤشرات إلى انقسامات وخسارة الكيان لمنطقة الشمال بكلّ خصوصيتها الاستراتيجية والأمنية والزراعية، بعدما فرضت المقاومة تهجيرها قسرًا، فضلًا عن نجاح حماس السياسي في إفشال كلّ محاولة تفكيك قضية الأسرى عن وقف الحرب، ونجاح المقاومة الإسلامية في لبنان بربط وقف الحرب في غزّة بوقف المساندة من جبهة لبنان.

 

هذه الوقائع كلها تنذر بأن نواتج “اليوم التالي” للحرب تؤشر إلى فرضية واقعية بانهيار الهيكل البنيوي لهذا الكائن سياسيًا بانهيار حزب اليمين المتطرّف بهزيمة مدوّية، وبانهيار اقتصادي وأمني من الصعب ترميمه في ظلّ معادلات استراتيجية جديدة تفرضها مرحلة الردع الاستراتيجي التي ظهرت بعد 17 أيار2024.

 

 

د. ليلى صالح

 

أ.ش