“غوسبل” سلاح مدمر بمفاعيل نووية.. فمن يحاسب؟!

الاستخدام الإسرائيلي المتكرّر والروتيني لتقنيات الذكاء الاصطناعي في إبادة الشعب الفلسطيني في غزّة يستوجب وضع أطر قانونية محاسِبة ورادِعة دوليًا لضبط وتنظيم استخدامات التكنولوجيا الناشئة

2024-06-01

تلتف جيوش الغرب عادة على القانون الدولي. تبتكر طرقًا غير تقليدية مواربة لتجنيب جنودها وجنرالاتها عواقب الحروب التي تشنها، لتضيع المسؤوليات، ويتحقق الافلات من العقاب أمام المحاكم الدولية، لا سيما المحكمة الجنائية الدولية. اتّبع جيش الاحتلال الأميركي هذا الأسلوب مرارًا وتكرارًا، أولًا حينما استعان بشركات خاصة “بلاك ووتر” وسواها لتأمين مصالحه في العراق، وثانيًا حينما ابتكر تنظيم “داعش” وكلفه بإحلال الإرهاب في سورية والعراق، وبكل الفظائع الدموية، التي تدعه بعيدًا عن المساءلة الشعبية أمام الرأي العام، وعن الوقوف في قفص الاتهام والمحاسبة القضائية الدولية من جهة ثانية.

 

لجيش الاحتلال الإسرائيلي أيضًا باع طويل في الالتفاف على القوانين والمحاكم الدولية، والتنصل من مجازرها صبرا وشاتيلا شاهد على ذلك، وقانا وجنين وغزّة وكلّ شبر من فلسطين.. حتّى قتل الأطفال والصحفيين (الإعلامية الشهيدة شيرين أبو عاقلة نموذجًا..)، تملص منه، لعدم ملاحقة ضابطه وجنوده.. ما دفعه للتمادي في ابتكار سبل الالتفاف على مبادئ القانون الدولي، إلى حد سيتبجح غدًا بعد الحرب بعدم مسؤولية جيشه عمّا جرى في غزّة وأن “الذكاء الصناعي” هو المسؤول عن إبادة أهل القطاع.

 

ليس إدخال الذكاء الصناعي بعالم الأسلحة هو الخطر بحد ذاته، مكمن الخطورة في موضع آخر في الترخيص للآلة باتّخاذ قرارات القتل والإبادة الجماعية دون مراجعة بشرية أو حتّى مع تقييم سريع (20 ثانية للهدف)، هذا ما فعلته “إسرائيل” باستخدامها تطبيقات للذكاء الصناعي منها تطبيق “غوسبيل” من أجل توليد أهداف للقتل، في حرب الإبادة الجارية على غزّة، ما سرّع العمليات القاتلة، فكانت النتيجة دمارًا شاملًا وقتلًا عشوائيًا وانتقاميًا دون حسيب أو رقيب، وتسوية مناطق سكنية واسعة النطاق في القطاع بالأرض دون أي مراعاة للقوانين الدولية والإنسانية ولمبدأ سلامة المدنيين في الحروب.

 

 

هذه النتائج المدمرة في غزّة خلّفها استخدام جيش الاحتلال بدوافع انتقامية بعد 7 أكتوبر للذكاء الاصطناعي، دون ضوابط، ما تسبب بكوارث بشرية، فنجم عنه:

 

1. استخدام مفرط للقوة أفضى لدمار يفوق ما يمكن أن تحدثه 6 قنابل نووية.
2. الحد من دور الإرادة الإنسانية في انتقاء الأهداف دون مراعاة للهوامش الكبيرة بالأخطاء أو الأضرار الجانبية التي ستلحق بالآخرين.
3. الثقة في الإحصاء الآلي لكون الآلة مجردة من الإحساس ويمكنها أن تقوم بالتدمير والوحشية ببرودة.
4. التحيز الآلي، الإفراط بالاعتماد على الأنظمة حتّى يصبح لها تأثير كبير للغاية على الأمور، وعندها لا يتم الاعتماد على القرارات الإنسانية.

 

إزاء ذلك من المسؤول؟ سيما أننا اليوم أمام تحدي دولي جديد قد تصبح آلة القتل التي تمتلكها جيوش اليوم في المستقبل القريب بأيدي عصابات الجريمة المنظمة وأفراد. فمن يحول دون استخدامها أو يضع ضوابط لهذا الاستخدام؟ خصوصًا وأن مفاعيلها التدميرية وازت بل فاقت القنابل النووية بأضعاف مضاعفة كما حصل في غزّة، فإذا لم يتم اليوم محاسبة وملاحقة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في غزّة، قد يتكرّر هذا النوع من الحروب اللإنسانية مجددًا.

 

هذه التطورات الناجمة عن دخول سلاح جديد ضمن دائرة تهديد السلم والأمن الدولي الذي يعتبر من مسؤولية منظومة الأمم المتحدة، أثارت قلق أمينها العام، أنطونيو غوتيرش، فعبّر عن خشيته من أن تصبح “قرارات الحياة والموت” مرتبطة “بحسابات تجريها الخوارزميات بدم بارد بعيدًا عن احترام القانون الإنساني الدولي”، بعدما كان مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظومة أدان استخدام “إسرائيل” الذكاء الاصطناعي “للمساعدة في عملية اتّخاذ القرارات العسكرية” باعتبار أن ذلك “قد يساهم في جرائم دولية”.

 

وكانت بدأت قبل سنوات على المستوى الأممي، مناقشات في أروقة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن مخاطر الذكاء الصناعي واستخدامها العسكري من قبل الجيوش بغية تحديد قواعد دولية جديدة وسن قوانين جديدة تضبط استخدام الذكاء الصناعي والأسلحة ذاتية التشغيل. فبينما أيّدت أكثر من 150 دولة في ديسمبر الماضي، قرارًا للأمم المتحدة حول “تحديات ومخاوف جدية” في مجال الذكاء الاصطناعي وأنظمة السلاح الذاتية التشغيل، برزت “إسرائيل” في موقع المعرقل والمعيق لهذا التقدم، كما كان للاتحاد الأوروبي سبق الريادة بوضع السياسات التي تحكم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الدولية، كما يتضح من “قانون تنظيم الذكاء الاصطناعي” الذي اقترحته المفوضية الأوروبية في 2021.

 

من هنا فإن الاستخدام الإسرائيلي المتكرّر والروتيني لتقنيات الذكاء الاصطناعي في إبادة الشعب الفلسطيني في غزّة يستوجب وضع أطر قانونية محاسِبة ورادِعة دوليًا لضبط وتنظيم استخدامات التكنولوجيا الناشئة. تاريخيًا أفضت المخاوف من الاستخدامات العسكرية للطاقة النووية، كما حصل في ناكازاكي وهيروشيما اليابانيتين، إلى إنشاء وكالة الطاقة الذرية، كما كان التفلّت من ضوابط الحروب وتعريض المدنيين للخطر أحد دوافع تأسيس المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الدولية الخاصة. فهل تكون حرب غزّة الحالية واستخدام جيش الاحتلال المفرط للقوة باعتماده برامج الذكاء الاصطناعي مدخلًا لتأسيس وكالة دولية جديدة تعنى بالحد من الاستخدام العسكري القاتل والفتاك للذكاء الاصطناعي، لما يشكله من مخاطر على البشرية جمعاء؟!

 

أ.ش

المصدر: العهد