لماذا صوتت هنغاريا ضدّ الاعتراف بدولة فلسطينية؟

فاجأ موقف رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان العديد من العرب؛ عندما رفضت حكومته الاعتراف بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

2024-06-04
كان الجمهور العربي المتحمّس بغالبيته لفلسطين يتوقع أن يتخّذ أوربان، وهو صديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الداعم للفلسطينيين خلال عملية “طوفان الأقصى”، “الموقف الشجاع” نفسه الذي اتّخذه في موضوع الصراع في أوكرانيا عندما أعلن انحيازه إلى روسيا ومعارضته لانضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي.

كانت لي الفرصة بطرح الموضوع على دبلوماسي هنغاري مبديًا التساؤلات آنفة الذكر، وقد أوضح لي موقفه المنتقد لموقف حكومته، إلا أنّه ألمح إلى العزلة التي تعيشها بلاده حاليًا في نادي الدول الأوروبية والغربية نتيجة موقفها المؤيد لروسيا في الكثير من القضايا، ومنها قضية الصراع في أوكرانيا. والجدير ذكره؛ أن هذا الموقف جعل حكومة أوربان عرضةً لهجمات عنيفة من حكومة الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى. هذا الأمر جعل هنغاريا تشعر بأنّها في موقف ضعيف، لا يمكّنها من اتّخاذ موقف يجعلها على طرف نقيض مع “إسرائيل”، ما سيؤلّب عليها اللوبيات اليهودية في مختلف أنحاء العالم، ويزيد من عزلتها.

 

الجدير ذكره، أيضًا، أن بودابست وفي مقابل موقفها الحاد ضدّ أوكرانيا اتّخذت مواقف متناقضة؛ بل ومؤيدة لـ”إسرائيل” في الكثير من الأحيان وسيلةً لاكتساب عطف اللوبيات اليهودية لاختراق العزلة التي يحاول القادة الغربيون فرضها عليها. وما يزيد من حساسية وضعها هو محاولة الاغتيال التي تعرض لها رئيس وزراء سلوفينيا بسبب اتّخاذه مواقف وصفت على أنها منحازة إلى روسيا، ما رجّح أن تكون عناصر أوكرانية هي التي حاولت القيام بالاغتيال. وهذا ما يجعل هنغاريا تخشى أن تقوم عناصر أوكرانية بزعزعة الاستقرار في البلاد. من هنا؛ علاقة جيدة مع الكيان الصهيوني تتيح لهنغاريا تحييد العناصر الصهيونية الفاعلة والمقرّبة من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي.

 

ما يزيد من حساسية بودابست وحرصها على عدم تحدي الكيان الصهيوني هو الاتهامات الصهيونية لها بتورطها، خلال الحرب العالمية الثانية، بتصفية اليهود عبر تسليمهم إلى السلطات النازية التي نقلتهم إلى مراكز الاعتقال، وأبادت عددًا كبيرًا منهم يقدّره بعضهم بنحو 400 ألف يهودي. هذا يجعل السلطات الهنغارية تقع عرضة للابتزاز الصهيوني بالدرجة نفسها الواقعة فيها ألمانيا.

 

ومن العوامل التي جعلت بودابست تصوّت ضدّ الاعتراف بدولة فلسطينية هو عدم جدوى هكذا اعتراف، في ظلّ الفيتو الذي تفرضه الولايات المتحدة على الاعتراف بفلسطين دولةً عضوًا في الأمم المتحدة. فالمعروف أن القرار في الجمعية العامة قد نال تأييد الغالبية الساحقة من الدول الأعضاء. لكن على الرغم من ذلك، لم يُعترف بدولة فلسطينية نتيجة المعارضة الأميركية. من هنا؛ فإنّ موقفًا هنغاريًا مؤيدًا لقيام دولة فلسطينية لم يكن ليحدث فرقًا في عمليةٍ كان الهدف الأول منها معنويًّا أكثر منه فعليًا وعمليًا. والجدير ذكره؛ أن خطوة مماثلة حصلة قبل 35 عامًا حين أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية قيام دولة فلسطين، وذلك خلال مؤتمر الجزائر في العام 1988. وعلى الرغم من مسارعة عشرات الدول إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفتح سفارات لها في عواصمها، إلا أن هذا لم يؤدِ إلى قيام دولة فلسطينية.

 

كما جدير بالذكر أنه ليس هنالك حتّى إجماع على موقف فلسطيني موحّد بين الفصائل الفلسطينية، وهذا ما يثبط من عزيمة بعض الدول لاتّخاذ موقف حاسم بدعم القضية الفلسطينية. من هنا؛ الخطوة الهنغارية قد تكون مفهومة من وجهة نظر السياسة الواقعية على الرغم من أنّها قد تكون مخالفة لمعايير حقوق الإنسان وحق الشعوب بتقرير المصير.

 

 

جمال واكيم

 

أ.ش

المصدر: العهد