كيف تقرأ روسيا ازدواجية المعايير التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية؟

تنطبق القيود الأمريكية أيضا على الأشخاص الذين يساعدون في عمل المحكمة الجنائية الدولية، وتشمل العقوبات رفض إصدار التأشيرات، وتجميد الأصول في الولايات المتحدة، ومنع المواطنين والشركات الأمريكية من التعامل مع المتهمين.

2024-06-08

يوماً بعد يوم تصبح العنجهية الأمريكية أكثر وضوحاً للعالم، فتكشف الأحداث العالميّة مستوى الانحطاط السياسي في تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية مع القضايا التي يمكن أن تمس نفوذها في العالم، فهي ذاتها بالأمس التي كانت قد أيدت ودعمت قرار المحكمة الجنائية الدولية عندما أصدرت أوامرها بشأن اعتقال الرئيس فلاديمير بوتين على خلفية الحرب في أوكرانيا، رغم أن الأخير بشهادة الغربيين انفسهم، لم يرتكب في أوكرانيا، واحداً بالمئة مما ارتكبه نتنياهو في غزة، وطالبت دول العالم بتنفيذ مذكرة الاعتقال بحق بوتين، واليوم عندما جاءت قرارات المحكمة بملاحقة نتنياهو، نرى الإدارة نفسها والمسؤولين الأمريكيين أنفسهم يفرضون عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وينفون قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي بتجويع الفلسطينيين وإبادتهم، لكن السؤال المطروح هنا كيف سيكون رد الدب الروسي على ازدواجية المعايير التي تتبعها الإدارة الأمريكية تجاه روسيا والعالم؟

 

 

ما هو مشروع القانون الأمريكي

 

وافقت لجنة القواعد في الكونغرس الأمريكي على مشروع قانون، والذي ينص على فرض واشنطن عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية لاتخاذها إجراءات ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وتم دعم الوثيقة من قبل تسعة مشرعين، ويؤكد نص مشروع القانون المقدم بمبادرة من الجمهوريين على أن إدارة واشنطن يجب أن تفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية إذا حاولت هذه الهيئة “التحقيق أو احتجاز أو اعتقال أو استدعاء أي شخص تحت حمايتها إلى العدالة، و”تشمل هذه الفئة الأمريكيين، ويتضمن ذلك العسكريين، وكل من يعمل لحساب الحكومة الأمريكية، ومواطني الدول المتحالفة مع واشنطن”.

 

وتنطبق القيود الأمريكية أيضا على الأشخاص الذين يساعدون في عمل المحكمة الجنائية الدولية، وتشمل العقوبات رفض إصدار التأشيرات، وتجميد الأصول في الولايات المتحدة، ومنع المواطنين والشركات الأمريكية من التعامل مع المتهمين.

 

كما تم التأكيد على ضرورة إدانة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، بعد إصدار مذكرة توقيف لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، وكان المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، قد أعلن أنه قرر توجيه الطلب بإصدار مذكرات اعتقال بحق كل من رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين، بنيامين نتنياهو ويواف غالانت، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 

 

الرد الروسي

 

اعتبرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إقرار مجلس النواب الأمريكي قانون العقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية، بسبب كيان الاحتلال الإسرائيلي، هو تجسيد حي لـ “القانون الأمريكي”، وقالت زاخاروفا مستهزئة “يوجد قانون روماني، وقانون عام، ويوجد قانون على الطريقة الأمريكية”.

 

في حقيقة الأمر لطالما اعتاد العالم على أن يكون الرد الروسي على أي مسألة متناسق مع حجمها، فهل يذكر أحد أن قامت روسيا يوما بتهديد دولة ما أو حتى استخدام العقوبات أو الحصار ضد دولة ما؟

 

إن روسيا غالباً ما تتخذ خطوات كهذه ردا على خطوات مماثلة من الدول الغربية، وفي كثير من الحالات تفعل ذلك أملاً في إعطاء المجال للطرف الآخر إعادة النظر في الإجراءات التي اتخذتها تلك الدول ضد روسيا، لهذا فإن الرئيس بوتين، وبعد أن تمت محاصرة روسيا وفرض عقوبات غير مسبوقة، لم يهدد، وإنما حذر ونبه إلى ما تنزلق إليه الأمور، حتى يعيد بعض قادة الدول الغربية النظر في سعيهم إلى “هزيمة روسيا استراتيجياً”، ومحاولة “السيطرة عليها”، وأن يحاولوا رؤية العواقب المدمرة التي يمكن أن تلحق ببلادهم حال استمرارهم في هذه المحاولات الفاشلة.

 

 

بلطجة عالمية

 

هذه ليست معايير مزدوجة من قبل الإدارة الأمريكية، لكنها – وبكل وضوح- “بلطجة عالمية”، تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية في إطار دعمها منقطع النظير وغير المشروط للكيان الصهيوني في حرب الإبادة على قطاع غزة، التي تقترب من دخول شهرها التاسع.

 

علاوة على ذلك يخرج الرئيس الأمريكي جو بايدن على الملأ ليقول إن الولايات المتحدة لا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وهو نفسه الذي شدد على أن الحرب التي تشنها قوات الاحتلال في قطاع غزة “ليست إبادة جماعية”، أما وزير خارجيته أنتوني بلينكن، فقال إن الإدارة الأمريكية مستعدة للعمل مع الكونغرس على فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية بسبب طلب المدعي العام إصدار أوامر اعتقال بحق قادة إسرائيليين بشأن حرب غزة.

 

ولم يعد الأمر مثيراً للدهشة لأن بايدن هو نفسه الرئيس الذي قال إنه ليس شرطا أن تكون يهوديا لتصبح صهيونيا، وأعلن أنه لا يخجل من الاعتراف بأنه صهيوني، بل طالب بتشريع قانون يجرّم معاداة الصهيونية مثل معاداة السامية؛ وبلينكن هو نفسه الذي سافر إلى الأراضي المحتلة في بداية الحرب وقال إنه لم يحضر بصفته وزيرا للخارجية، ولكنه قدِم بصفته يهوديا وأسلافه ضحايا لمعاداة السامية، ولا مزيد من الاندهاش، لأن قائد مشروع قرار معاقبة الجنائية الدولية هو السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، وهو نفسه الذي طالب بمنح كيان الاحتلال الإسرائيلي القدرة على ضرب قطاع غزة بقنبلة نووية.

 

لكن الأمر المثير للدهشة حقاً هنا أن الإدارة الأمريكية تلك هي ذاتها التي يصرح رئيسها في الوقت نفسه بأنه يطالب كل الأطراف بضرورة وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، ويستعرض مقترَحا على مراحل لإنهاء الحرب ويقول إنه مقترح إسرائيلي، ثم تمر الأيام ويكتشف العالم أنه مجرد كلام فارغ لا أكثر ولا أقل، وليس سوى محاولة أمريكية لتبييض صورتها التي تشوهت في كل أرجاء المعمورة، بعد أن تمرغت صورتها كبلد ديمقراطي يحافظ على حقوق الإنسان والحريات، وغيرها من الشعارات الزائفة التي سقطت خلال 8 أشهر فقط.

 

 

أدلة دامغة

 

عندما يتعلق الأمر بالدول المناهضة للسياسة الأمريكية يصبح الأمر مختلفاً وكثيرة هي الأدلّة الواضحة على الازدواجية التي تتبناها الإدارة الأمريكية في هذا الشأن من بينها ردود فعل المسؤولين الأمريكيين تجاه المحكمة الجنائية الدولية من محاكمة جرائم الحرب في العراق على الرغم من وجود أدلة واضحة ودامغة على ارتكاب جرائم حرب خلال الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، إلا أن الولايات المتحدة رفضت قبول أي محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، واستمرّت في حماية جنودها من المساءلة القانونية الدولية.

 

بالإضافة إلى ذلك، تستخدم الولايات المتحدة قوة نفوذها السياسي لتقويض سلطة المحكمة الجنائية الدولية وتحجب التحقيقات التي تستهدف مصالحها الجيوسياسية، حيث قامت في عام 2018، بفرض عقوبات اقتصادية على المحكمة الجنائية الدولية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب في محاولة لمنعها من التحقيق في الجرائم التي ارتكبتها في أفغانستان، ما يظهر استخدامها للضغوط السياسية لتجنب المساءلة القانونية.

 

وحديثًا، صرّح الرئيس الأمريكي جو بايدن بعدم اعتراف بلاده بالمحكمة بعد أن جرّمت الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الصهيوني بحق الفلسطينيين في غزة ما يكشف عدم جديّة الولايات المتحدة في التزامها المزعوم بقيم العدالة الدولية وحقوق الإنسان، ويظهر السجل الأسود لبلاد العم سام وتفضيلها حماية مصالحها السياسية على الالتزام بالقوانين الدولية وتحقيق العدالة العالمية.

 

 

مكافأة الجزار

 

وفي إجراء يكشف حجم استهتار أمريكا بالقانون الدولي، وعدم مبالاتها بأرواح عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، التي أزهقها نتنياهو، وجه الكونغرس الأمريكي دعوة للقاتل نتنياهو إلى إلقاء كلمة امامه، الأمر الذي يعتبر بمثابة إعلان واضح أن أمريكا شريكة مباشرة في جرائم إلابادة التي يرتكبها نتنياهو في غزة.

 

-ليس هذا فقط، فقد قدمت أمريكا مكافأة لنتنياهو على جرائمه واحتقاره للعدالة الدولية، عندما قررت لجنة المخصصات في مجلس النواب الأمريكي أن تضع مقترحاً لميزانية الدفاع لعام 2025 بقيمة 833 مليار دولار، يتضمّن أموالاً لشراء مزيد من طائرات “أف – 35” والمساعدات لـ”إسرائيل”، لمواصلة دورها الخبيث والشرير في المنطقة، دون اعتناء حتى بالرأي العام الأمريكي الذي رفض تبعية أمريكا العمياء لنتنياهو، الذي لا يقيم وزنا للمصالح الأمريكية، ويحتقر كل أمريكي، حتى لو كان بايدن.

المصدر: موقع الوقت