مجزرة النصيرات: كيف وظّف الإعلام الغربي المشهد.. وما الذي يغيره في مسار الحرب؟

بعد إعلان الاحتلال الإسرائيلي استعادته 4 أسرى لدى المقاومة، في إثر مجزرةٍ في مخيم النصيرات، انكبّ الإعلام الغربي على تغطية الحدث، بينما جرى الحديث عن دور أميركي. ماذا في تفاصيل التغطية الغربية؟ وما الدور الذي أدّته واشنطن؟

2024-06-09

بعد إعلان الاحتلال الإسرائيلي استعادته 4 أسرى لدى المقاومة الفلسطينية في إثر مجزرةٍ في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، انكبّ الإعلام الغربي على تغطية الحدث على أنّه “إنجاز” للاحتلال، في حين تغاضى عن الحديث عن المجازر التي ارتكبها بعد هذه العملية، والتي راح ضحيّتها مئات الشهداء والجرحى.

 

كما جرى الحديث في مختلف الوسائل الإعلامية عن دور أميركي في هذا الحدث، وعن كونه مرتبطاً بسياق سياسي داخلي إسرائيلي، بصورة كبيرة.

 

فماذا في تفاصيل تغطية الإعلام الغربي هذا الحدث؟ وهل تُغيّر هذه العملية فشل الاحتلال الإستراتيجي في قطاع غزة؟ وما الدور الذي أدّته الولايات المتحدة؟

 

 

شريك في المجزرة

بدايةً، كان الإعلام الغربي، كالعادة، شريكاً في المجزرة، ومنحازاً، عبر الصوت والصورة، إلى الأجندة الإسرائيلية، بحيث بالغ في الحديث والإضاءة على استعادة الأسرى، ووظّفها في سياقات متعددة تخدم السردية الإسرائيلية، مُتغاضياً عن مئات الشهداء وضحايا المجزرة، إذ حاول تبرير ذلك بأنّ ما حدث من مجازر وحشية إسرائيلية هو “نتيجة مؤسفة لعملية ضرورية”.

 

كما حاول بعض الوسائل الإعلامية الغربية، بصورة خبيثة، تعزيز السردية الإسرائيلية للجمهور، والتي تقول إنّ “استعادة الأسرى تكون عبر العمل العسكري، وليس من خلال التفاوض”.

 

 

حدث لا يُغير شيئاً

لكن المفارقة هي أنّ “جيش” الاحتلال، الذي تدعمه الولايات المتحدة، عسكرياً وميدانياً واستخبارياً، منذ بداية الحرب، لم يتمكن مع الدعم الأميركي، بقدراتهما وتفوقهما، عسكرياً واستخبارياً وتقنياً، إلا من استعادة 4 أسرى فقط من قطاع غزة، بعد أكثر من 8 أشهر على الحرب، وهذه وقائع لا يتطرق إليها الإعلام الغربي.

 

على هذا الأساس، يُمكن القول إنّ حدث اليوم لا يغير شيئاً في المعادلة الاستراتيجية، وإنّ الصورة الكلية للمواجهة ومواقف الاحتلال ما زالت كما هي، إذ إنّ هذا الاحتلال لا يزال يعيش حالة إنكار أمام الفشل الاستراتيجي الذي بات مثبتاً. وما يحدث، وما سيحدث، هما عملية إدارة أضرار لهذا الفشل الذي سيلاحقه طويلاً.وللدلالة على ذلك أكثر، فإنّ الاحتلال فشل في تهجير الفلسطينيين إلى خارج القطاع، وفشل في فرض حكم يلائمه فيه، وأهدافه التي أعلنها لم يتحقق منها شيء، بينما بات ثابتاً اليوم أنّه لن يستطيع تحقيقها، باعترافٍ من قادته ومسؤوليه وحلفائه.

 

في رؤية أوسع: يعيش الاحتلال حالة من التخبط، بحيث انهار ردعه، إذ تُضرب أسلحته التي لطالما تفاخر فيها كل يوم. وهو مهان ومذلول في جبهة شمالي فلسطين المحتلة، كما يعيش حالة من الإنكار محاولاً الفصل بين غزة وجبهات الإسناد من دون جدوى.

 

في السياق العالمي: بات الاحتلال كياناً منبوذاً، إذ انقلب الرأي العام عليه، بحيث أصبح لا يعاديه فقط، بل يؤيد المقاومة في إطار تحول استراتيجي لم نشهده من قبل. وهو ينتظر أحكاماً في المحاكم الدولية، في وقتٍ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على التغطية على سيئاته وجرائمه.

 

والأهم من ذلك، هو أنّ هذه العملية لا تُجيب عن الأسئلة الكبرى للاحتلال: كيف سيستعيد أسراه؟ كيف سيعيد مستوطني الشمال؟ كيف يرمم الردع؟ كيف يستعيد السمعة عالمياً؟ كيف يحقق نصراً ويُعيد الثقة بـ”الجيش”، وتالياً بالكيان، المعتمد على الثقة بـ”الجيش” والمؤسسة الأمنية؟

 

النفاق الأميركي والمشاركة في المجزرة

وفيما يتعلق بالدور الأميركي، نحن أمام معطيين مهمين علنيين. الأول هو ليس المشاركة الأميركية العلنية فقط، وإنّما التخطيط أيضاً. وبالتالي، يؤكّد ذلك المسؤولية الُمباشرة والمعلنة عن المجزرة. ومن يدري، ربما يُكشف في وقتٍ لاحق، أنّ للجنود الأميركيين دوراً مباشراً على الأرض أيضاً.

 

أمّا المُعطى الثاني، فهو زيف العناوين الإنسانية التي ترفعها الولايات المتحدة، وثبوت أنّ الرصيف البحري لا يتعدى عن كونه مركزاً عسكرياً أمنياً في خدمة الاحتلال، كما ظهر اليوم السبت، وكان محور العملية، بحيث اعتمدت عليه بصورة كبيرة، وفق الرواية الإسرائيلية.والأخطر والأكثر إدانة هو أنّ الولايات المتحدة فعلياً استخدمت ووظفت أدوات المساعدات الإنسانية في خدمة أغراض عسكرية وأمنية إسرائيلية، وهي التي كانت تنافق دائماً بشأن اتّهامات لدول وجماعات وأفراد بشأن ذلك، إذ كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتهم المقاومة باستخدام المستشفيات، في الوقت التي تستخدم أدوات المساعدات الإنسانية في غرض عسكري ذهب من جرائه عشرات الشهداء.

 

 

السياق السياسي الداخلي

لا بد من الإشارة أيضاً إلى جزئية تطرق إليها بعض المتابعين عن كون حدث استعادة الأسرى مرتبطاً بسياق سياسي داخلي إسرائيلي بصورة كبيرة، وأنها جزء من إدارة المعركة السياسية الداخلية، بالنظر إلى حالة الانقسام والاستقطاب الشديدين، وحالة تراشق الاتهامات والمسؤوليات عن الفشل الذي تحدثنا عنه، إذ ربّما تكون محاولة لإنقاذ مجلس الحرب من الانهيار.

 

والدليل على ذلك، هو التعاطي الإعلامي الإسرائيلي الذي سارع إلى توظيف الحدث محاولاً رسم مشهدية غير حقيقية ومتباينة عن السائد طوال أشهر العدوان، للتغطية على الإخفاقات العسكرية والأمنية. وحتى مسارعة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى لقاء الأسرى لتجيير الأمر في مصلحته السياسية الموقتة.

 

هناك سياق سياسي آخر مرتبط بملف المفاوضات، وهنا يتحدث البعض عن أنّ هذه المشهدية، التي يُحاول رسمها، تأتي أيضاً في إطار محاولة لإرباك قرار المقاومة في ظل الضغوط الأميركية من أجل قبول الطرح الإسرائيلي لصفقة التبادل.

المصدر: الميادين