زيارة بلينكن الثامنة.. رفع القناع عن وجه أميركا والأنظمة العربية

الآن هو الوقت المناسب لوقف إطلاق النار في الحرب في غزة، وحث حماس على قبول الاتفاق مع "إسرائيل". ومن الممكن أن يكون هناك وقف لإطلاق النار غدًا، أو حتى اليوم، إذا قالت حماس نعم للاتفاق"

2024-06-12

تختلف زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الثامنة عن سابقاتها من الزيارات، وإن اتفقت معها في النفاق وتوفير الغطاء للمجازر الصهيونية، إلا أن الاختلاف هذه المرّة يكمن في عدّة مستجدّات للدور الأمريكي المعلن، وكذلك توظيف أنظمة المنطقة بشكل مغاير، والأهم أنها تأتي في لحظة مفصلية خطيرة قد يترتب على أي خطأ فيا اندلاع المواجهة الشاملة التي حاول الجميع توقي نقطة الوصول إليها.

 

 

ومن جملة هذه الاختلافات التي تميز هذه الزيارة الخبيثة يمكن رصد ما يلي:

 

1- انتقال أميركا من نطاق الالتزام بأمن الكيان ودعمه لوجستيًا ومخابراتيًا وتسليحيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا، إلى المشاركة العملية بالمجازر. تتزامن الزيارة مع مشاركة أمريكية فعلية وعملية بالعدوان تتخطى نطاق الدعم السياسي وتمويل الكيان وإمداده بالأسلحة، حيث شاركت أميركا عمليًا بمجزرة النصيرات لتحرير أربعة أسرى صهاينة، عبر عملية إجرامية لا يمكن وصفها بالاحترافية ولا النوعية لما نتج عنها من مجزرة بشعة قتلت أكثر من 274 شهيدًا وقرابة 700 مصاب، وحملت في عنوانها دلائل فشلها، حيث عُدّل اسمها إلى عملية “آرنون” لتتخذ اسم قائد وحدة اليمام الاسرائيلي الذي قتلته المقاومة الفلسطينية “آرنون زامورا”.

 

هذه المشاركة الأمريكية كشفتها وسائل إعلام أمريكية عمدًا لتوصل رسالة اصطفاف أمريكي مع مجازر الكيان كعنوان لمرحلة جديدة، وقد أكدها مسؤولان أمريكيان لشبكة “سي بي إس نيوز” التي قالت إن الدور الأمريكي في العملية جاء بشكل رئيسي في شكل دعم استخباراتي. وأكد مسؤولان أمريكيان ذلك، لكنهما رفضا الكشف عن تفاصيل “حساسة” بشأن العملية. وهذه المجزرة باركها البيت الأبيض عندما هنأ مستشار الأمن القومي جيك سوليفان قوات الأمن الإسرائيلية على “العملية الناجحة”، وأشار بشكل غير مباشر إلى دعم الولايات المتحدة لجميع الجهود الرامية إلى إطلاق سراح الأسرى الذين ما زالوا محتجزين لدى حماس، بما في ذلك من خلال “المفاوضات الجارية أو وسائل أخرى”.

 

2- انتقال أميركا من نفاق التحفظ على دماء المدنيين إلى تحميل المسؤولية لحماس والمقاومة. فقد جاء العنوان العريض لزيارة بلينكن منحصرًا في الضغط على حماس لقبول مبادرة بايدن والادعاء الكاذب والمفضوح والمكشوف والذي يحمل كذبتين كبيرتين، وهما أن “اسرائيل” وافقت على الاتفاق، وأن الاتفاق هو نفسه الذي سبق أن وافقت عليه حماس من قبل، رغم إعلان نتنياهو رفض وقف إطلاق النار وأنه ماضٍ في عدوانه حتى القضاء على الحركة التي يتم التفاوض معها، ورغم اختلاف الورقة المقدمة لحماس عن تصريحات بايدن.

 

وبالتالي انتقلت أميركا بوقاحة لمخاطبة قادة المنطقة بأن السبيل الوحيد لوقف الحرب هو الضغط على حماس للاستسلام.

 

وهو ما أكدته تصريحات مستشار الأمن القومي جيك سوليفان قبل الزيارة بيوم واحد عندما قال: “الآن هو الوقت المناسب لوقف إطلاق النار في الحرب في غزة، وحث حماس على قبول الاتفاق مع “إسرائيل”. ومن الممكن أن يكون هناك وقف لإطلاق النار غدًا، أو حتى اليوم، إذا قالت حماس نعم للاتفاق”.

 

3- انتقال ملف التطبيع الصهيوني السعودي من شرط إقامة الدولة إلى مجرد وقف إطلاق النار. خلا برنامج الزيارة هذه المرة من زيارة السعودية، وهو ما يوحي بأن السعودية تنتظر نتائج هذه الزيارة ولا تعنيها في شيء، حيث تم بالفعل رسم الخطوط العريضة والتفاصيل للاتفاقية الأمنية الأمريكية السعودية، وهي الأولوية الأولى للنظام السعودي لإتمام التطبيع، رغم مساحيق التجميل السعودية التي حاولت الإيحاء بأن إقامة الدولة الفلسطينية هو العائق، وتحول الأمر الآن إلى مجرد التهدئة ووقف إطلاق النار بشكل مرحلي ومجرد وعود فضفاضة مؤجلة بالنظر في إقامة الدولة لتدشين مسار التطبيع.

 

ولعل موقع السفارة الأمريكية في مصر قد ألمح لذلك في إفادته الصحفية بخصوص زيارة بلينكن، حيث قال نصًا: “يناقش الوزير بلينكن مع الشركاء ضرورة التوصل إلى وقف إطلاق نار يضمن الإفراج عن كل الرهائن، كما يشدد على أهمية قبول حركة حماس بالاقتراح المطروح على الطاولة، وهو اقتراح شبه مماثل لذلك الذي دعمته حماس الشهر الماضي. ويناقش الوزير بلينكن كيف يفيد اقتراح وقف إطلاق النار الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، كما يشدد على أنه سيرفع المعاناة عن سكان غزة ويتيح زيادة هائلة في المساعدات الإنسانية ويسمح للفلسطينيين بالعودة إلى أحيائهم. ويضيف الوزير أن الاتفاق سيتيح إمكانية التوصل إلى الهدوء على حدود إسرائيل الشمالية حتى تتمكن الأسر اللبنانية والإسرائيلية من العودة إلى منازلها، كما سيهيئ الظروف المواتية للمزيد من التكامل بين إسرائيل وجيرانها العرب ويعزز أمن إسرائيل على المدى الطويل ويحسن من الاستقرار عبر المنطقة”، حسب تعبيره.

 

ولعل ما كشفه “روبرت سوتلوف”، من كبار خبراء معهد واشنطن، من توجهات أميركا في حال فشل الضغط على حماس والمقاومة، بدأ يتحقق عمليًا، حيث قال سوتلوف الذي حاول صياغة معلوماته في شكل توصيات:

 

– زيادة الدعم المباشر لـ”إسرائيل” إذا اضطرت إلى استئناف العمليات العسكرية، مثل توفير معلومات استخباراتية متخصصة، ربما كانت واشنطن مترددة في مشاركتها سابقًا، وتعزيز التعاون في مواجهة التحديات القانونية الدولية المختلفة التي تواجهها “إسرائيل”.

 

– معاقبة “حماس” من خلال إجراءات تشمل ضمان اعتقال وتسليم قادة “حماس” المقيمين في قطر ودول أخرى، فضلًا عن تقديم المساعدة لجهود مكافحة الأنفاق على طول الحدود بين مصر وغزة.

 

– وفي حين ستبقى بعض هذه التفاهمات سرية، إلّا أنه يجب الإعلان عن بعضها الآخر للتأكد من أن “حماس” تفهم ما هو على المحك. ويُظهِر دعم الولايات المتحدة الضمني للعملية الإسرائيلية الحالية في رفح.

 

وكانت المشاركة الأمريكية الأخيرة في مجزرة النصيرات خير دليل على دخول هذه السياسات حيز التطبيق العملي، ومع ما يتواتر من تقارير تفيد بتهديدات لقادة الحركة بالاعتقال وتلويح بالخروج من الدوحة، فإن الأمور تكاد تنفذ بشكل حرفي.

 

 

موقف المقاومة ومحورها الراسخ:

 

وفي مقابلة هذا العدوان الشامل والتواطؤ العربي المخزي، شدّدت حركتا المقاومة الإسلامية، حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، على ضرورة تضمن أي اتفاق وقفًا دائمًا للعدوان الإسرائيلي، وانسحابًا شاملًا من غزة، وإعادة الإعمار، وإنهاء الحصار، وصفقة تبادل جادة.

وحرصت المقاومة أن تأتي هذه التأكيدات في لقاء جمع رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية، والأمين العام للجهاد الإسلامي زياد النخالة، في العاصمة القطرية الدوحة، وكذلك تم الحرص على الإشادة بجبهات الإسناد.

 

ووسط جميع التهديدات بشن عدوان على لبنان، تؤكد يوميًا المقاومة الإسلامية في لبنان موقفها الراسخ باستمرار الإسناد، وجهوزيتها الشاملة والإفراج تباعًا وتدريجيًا عن خياراتها التسليحية النوعية وإيلام العدو وإيصال رسائل نارية جادة بجهوزيتها لخوض المواجهة الكبرى لو اتجه العدو لذلك.

 

كما يؤكد اليمن يوميًا صمود موقفه وجرأته ومدى ما يقدمه من إسناد نوعي يهدد مصالح الكيان ويستهدف راعيه الأمريكي بشكل مباشر.

وبالتالي فإن هذه الزيارة الخبيثة ستقشل كما فشلت سابقاتها في انتزاع تنازلات من حماس ومحور المقاومة ككل، وربما تنجح فقط في شيء وحيد، وهو كشف حجم الخيانة العربية الرسمية.

المصدر: ايهاب شوقي/ العهد

الاخبار ذات الصلة