معضلة “اليوم التالي” الإسرائيلية: السلطة البديلة والقضاء على حماس

الحل العسكري سيتطلب كثيرًا من الوقت والموارد، ومن شأن ذلك التقليل من قدرة الجيش الإسرائيلي على العمل في ساحات أُخرى ويتم على حساب تحديات أمنية ملحّة أُخرى، وكل ذلك في ظل تفاقُم عزلة إسرائيل الدولية، فضلًا عن الأثمان الداخلية: المدنية، والاقتصادية، والاجتماعية، التي ستكبدها إدارة القطاع، عسكريًا، للمجتمع الإسرائيلي.

2024-06-14

تشكّل مسألة “اليوم التالي” للحرب على غزة النقطة الأكثر جدلًا في غرف صناع القرار لتأثيراتها المباشرة على مسار الحرب الجارية دون أفق منظور، حتى الآن. منذ طرحت الإدارة الأمريكية ضرورة وجود رؤية مستقبلية لكيفية انتهاء الحرب ومصير غزة في اليوم التالي لها، توترت الأجواء تدريجيًّا بين الإدارة الامريكية والحكومة الإسرائيلية؛ فالأخيرة لم تقدم أو لا تملك خطة واضحة، كما رفضت الرؤية الأمريكية التي تنص على انسحاب الجيش الإسرائيلي بعد تحقيق أهداف الحرب وإدارة السلطة الفلسطينية “المستحدثة” للقطاع. ومع استمرار الحرب، بقيت المسألة عالقة، وارتفع حسّ التوتر حول “اليوم التالي” ليطال المؤسستين السياسية والعسكرية الإسرائيلية، كما داخل الائتلاف الحاكم نفسه.

 

 

أبرز عناوين الخطط الإسرائيلية

 

يمكن إيجاز أبرز ما ورد في الطروحات الإسرائيلية حول خارطة الطريق لما بعد الحرب في غزة في العناوين التالية:

 

– تعزيز السلطة المدنية بالتوازي مع العمل العسكري (تامير هايمان).

 

– السبيل إلى تدمير قدرات “حماس العسكرية يمرّ من خلال حرمانها من قدرتها على العمل المدني والحكومي في القطاع”. (غابي سيبوني)

 

– من الممكن تقليص نفوذ حماس بشكل كبير بين الجمهور الذي تدعي أنها تمثله وتقوده، وذلك من خلال إلغاء “سلطة النفوذ” و”الفيتو” التي كانت تتمتع بهما وما زالت تحتفظ بهما، عبر جهود عسكرية ومدنية محلية وسياسية ودعم من السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي. (أودي ديكل)

 

– سلطة متعددة الجنسيات تستلم المهام بعد الجيش الإسرائيلي، إشراف دولي إقليمي وغير إقليمي، مجموعة الاتصال الدولية، شرطة دولية لإدارة غزة مؤقّتًا، إزالة سيطرة حماس على الحكم المدني، بدء الإعمار، تتوج بانتقال إلى حكم فلسطيني محلي ومسؤولية أمنية عند توفر الشروط، مع الاحتفاظ بحق القيام بعمليات أمنية ضد حماس. (دايتون وآخرون)

 

– الاحتلال الكامل لغزة وحكم إسرائيلي عسكري. (نتنياهو وغوفمان)

 

– حكم بديل قوامه سلطة مدنية (وزير الدفاع غالانت)

 

 

ثغرات “اليوم التالي” في غزة

 

أولًا: في الجانب العسكري

 

– الحل العسكري سيتطلب كثيرًا من الوقت والموارد، ومن شأن ذلك التقليل من قدرة الجيش الإسرائيلي على العمل في ساحات أُخرى ويتم على حساب تحديات أمنية ملحّة أُخرى، وكل ذلك في ظل تفاقُم عزلة إسرائيل الدولية، فضلًا عن الأثمان الداخلية: المدنية، والاقتصادية، والاجتماعية، التي ستكبدها إدارة القطاع، عسكريًا، للمجتمع الإسرائيلي.

– الطريق إلى السيطرة العسكرية لا تزال طويلة مع اضطرار الجيش للتحرك مجددًا في الأماكن التي احتلها و”طهّرها” جزئياً.

– فرض حُكم عسكري لن يشكل بديلًا نظريًا، وتجربة الماضي تثبت أنه لا يمكن تثبيت حُكم عسكري من دون مواجهة عسكرية إضافية على شاكلة الانتفاضة الأولى، أو سيرورة سياسية تفضي إلى نقل الصلاحيات إلى سلطة فلسطينية مجددة، على غرار التفاهم الذي تم التوصل إليه في أعقاب الانتفاضة الثانية.

– الانجراف إلى احتلال طويل الأمد لغزة أو الحكم الإسرائيلي العسكري فيها بعد انتهاء الحرب خيار مرفوض من وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت، الذي يراه “أمر خطير وسيئ لإسرائيل” لما فيه من استنزاف للقدرات العسكرية والأمنية في القطاع بدلًا من التركيز على التهديدات الاستراتيجية الأخرى، ناهيك عن صعوبة توفير الجيش الإسرائيلي قوة عسكرية خاصة، ويتطلب فترة أطول لخدمة الاحتياط في الجيش (غالانت).

– تكلفة الحكم الإسرائيلي العسكري بحد ذاتها مشكلة حيث ستبلغ سنويًّا 20 مليار شيكل، أي ما يقارب 5 مليار دولار ونصف.

 

 

ثانيًا: في البديل المدني

 

– موافقة إسرائيلية على إرساء سلطة فلسطينية محسّنة في القطاع، هي مخاطرة بالنسبة للكيان، خاصة لجهة تحديد الأطراف الفلسطينية التي تريد السيطرة على غزة، وما هي الطريقة التي ستسيطر من خلالها، ومدى قدرتها على الصمود أمام حماس والفصائل المتجذّرة في القطاع.

 

– عائق علاقة السكان الاندماجية بحماس، وبعمق، فهناك “كثيرون من المدنيين يعملون ضد “إسرائيل”، مع أنهم ليسوا أعضاء في التنظيم العسكري”. كما يحتاج بناء البديل الكثير من الوقت.

 

 

خلاصة

 

تشير السيناريوهات الإسرائيلية لروية “اليوم التالي” للحرب في غزة، على اختلاف أوجه طرحها، إلى وجود اتجاه واحد منسق تحت سقف “السلطة البديلة والقضاء على الحركة”، لكنها تؤكد انتفاء الواقعية والمنطق فيها؛ ما يجعلها تفتقر للنجاعة. وحتى لو تغيّرت بعض الظروف العسكرية الحالية لن يرتفع مستوى النجاعة لدرجة تتغير معه وجهة مصير غزة، لأن المشكلات عميقة ومعقّدة وترتبط بشبكة من العوامل المؤثرة التي أثبتت الحرب أن الكيان لا يملك فيها زمام السيطرة. وتجدر الإشارة إلى أنّ المحور الصهيو- أمريكي يستثمر “اليوم التالي” من جهة، و”المفاوضات” من جهة أخرى، في المشاغلة لاستمرار الحرب ورفع وتيرة الضغط التراكمي على حركة حماس. وتفيد الرؤية الإسرائيلية بما فيها من تخبّط وتعثّر دخول الكيان في مرحلة من الوهن الاستراتيجي.

المصدر: الخنادق

الاخبار ذات الصلة