على أعتاب عيد الأضحى

رسالة من حُجّاج غزة إلى الأمة الإسلامية

أغلق الاحتلال الصهيوني علينا كلَّ المنافذ التي تربطنا بالبيت العتيق، ومعها أغلقَ منافذ الحياة، ومنع عنَّا الماء، والغذاء، والدواء، فهل سمعتم بهذا يا إخواننا؟

2024-06-15

معذرةً، لم نأتِ للحج؛ لأن الاحتلال سرق أموالنا، و هدم بيوتنا، وبِتنا نعيش النزوح في خيام يطاردنا الاحتلال من مكان إلى مكان، وفي كل مرة ننصب خيمتنا، ونبحث عن أسباب الحياة من حولنا فنطلب الماء، ونجمع الحطب، كي نصنع لأطفالنا شيئاً من الطعام الذي يقتاتون به.

 

لبيك إنا مظلومون.. لبيك إنا مقهورون.. لبيك إنا متعبون.. بهذه العبارات يلهج لسان أهل غزة مع بدء موسم الحج، والذي يحرم منه سكان قطاع غزة بفعل حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، واحتلال المعابر.

 

قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النّاسِ بِالحَجِّ يَأتوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ﴾ [الحج: ٢٧]

 

أُذّن في الناس بالحج؛ فانطلقت وفود الحجيج من كل بلاد الإسلام صوب البيت العتيق في مشهد مَهيب يُذِّكر بتاريخنا المجيد يوم كنَّا خير أمة، يوم كنا أساتذةَ الدنيا وسادتَها، فَدينُنا لا يسمح لأحد أن يظلمَ أحداً، ولا لفئةٍ أن تبغيَ على فئة، كنا ننصر المظلومَ، ونُغيثُ الملهوف، ونُعين الضعيف، فعاشت البشرية في ظلِّ الإسلام حياةً وادعة مطمئنة.

 

واليومَ ترون ما نزل بأمة الإسلام من ضعف وهوان، رأيتم جميعاً ما يصنعه الاحتلال الصهيوني بأهلكم في غزة، بسلاح أمريكي، وغطاء دولي.

 

يا حجاج بيت الله الحرام…

 

هل فقدتم طائفة من إخوانكم المسلمين؟!!

 

نحن نثق أنكم بحثتم بكلِّ جِد عن إخوانكم المستضعفين المحاصرين في غزة، ولا زلتم تجِدّون في طلبهم.

 

نعم، قد بلَغَنا أذانُ الحج، ولكن حبستنا أعذارٌ وأعذار…

 

فقد أغلق الاحتلال الصهيوني علينا كلَّ المنافذ التي تربطنا بالبيت العتيق، ومعها أغلقَ منافذ الحياة، ومنع عنَّا الماء، والغذاء، والدواء، فهل سمعتم بهذا يا إخواننا؟

 

هل سمعتم عن إخوان لكم حاصرهم الاحتلالُ منذ ثمانيةَ عشرَ عاماً، وظل يُضيِّق عليهم كلَّ منافذ الحياة، لكنه منذ ثمانيةِ أشهر انتقل من التضييق إلى الخنق؛ فقطع عن إخوانكم في غزة كل عوامل البقاء.

 

ثمانيةُ أشهر والاحتلال يمنع دخولَ كلِّ مقومات الحياة إلى غزة، ودمَّر كل المرافق الأساسية فيها، التي من أبرزها آبارُ المياه وشبكاتُها، والمخابزُ، والمدارس، والطرق، والمصانع، والمتاجر، والمزارع، فصار الناس في القرن الحادي والعشرين يموتون جوعاً أو عطشاً، أو مرضاً؛ إذ لا علاج ولا مشافي؛ فقد هدمها الاحتلال، فالمريض أو الجريح ليس أمامه إلاّ العلاجات الأولية، وانتظار لقاء رب البرية؛ ليشكو إليه ألمَه وجرحه.

 

معذرةً، لم نأتِ للحج؛ لأن الاحتلال سرق أموالنا، و هدم بيوتنا، وبِتنا نعيش النزوح في خيام يطاردنا الاحتلال من مكان إلى مكان، وفي كل مرة ننصب خيمتنا، ونبحث عن أسباب الحياة من حولنا فنطلب الماء، ونجمع الحطب، كي نصنع لأطفالنا شيئاً من الطعام الذي يقتاتون به.

 

معذرةً، لم نأت للحج؛ لأن الاحتلال وَلَغ في دمنا حتى الثَّمالة، فقتل من فِلْذات أكبادنا ما يزيد عن ستة وثلاثين ألفاً معظمهم من النساء والأطفال، ولا زلنا نبحث عن نحو عشرة آلاف مفقود تحت ركام المنازل المدمرة، ونركض من مكان إلى آخر بحثاً عن علاج لجرحانا الذين تجاوز عددهم ثمانين ألف جريح.

 

معذرةً، لم نأتِ للحج؛ لأن الاحتلال يَشن علينا حرباً دينية، فهو يمطرنا بصواريخ الموت التي أفسد بها علينا ركن الصوم، ومنعنا من صلاة التراويح، والقيام، والاعتكاف، بل هدم بها مساجدنا، إذ زاد عدد المساجد التي هدمها الاحتلال على 800 مسجد، وحرمنا فرحة عيد الفطر، وشعيرة الأضحية من خلال منعه لدخول الأنعام، وأخيراً يمنعنا من أداء ركن الحج؛ ليتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ كَفَروا وَيَصُدّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ وَالمَسجِدِ الحَرامِ الَّذي جَعَلناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فيهِ وَالبادِ وَمَن يُرِد فيهِ بِإِلحادٍ بِظُلمٍ نُذِقهُ مِن عَذابٍ أَليمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، كل ذلك أمام صمت هذا العالم المتحضر!! ولو كنا نعيش في الجاهلية الأولى؛ لأبىٰ أهلها ما يفعله يهود بنا.

 

معذرةً، لم نأتِ للحج؛ لأننا نرابط على أرضنا، و ندافع عن عِرضنا، ونحمي مسرى نبينا(ص)، فلا يزال أبطالنا المجاهدون في كل ميادين العزة و الشرف، والبطولة يدافعون عن أرضنا، وعرضنا ، وديارنا، ويطلبون حرية شعبنا، و كرامة أمتنا في صورة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، يخرجون لعدونا من بين ركام منازلنا، ومن باطن أرضنا، ومن أزقة مخيماتنا.

 

 

رسالتنا إلى العالم

 

نعم، نعيش الوجع، ولكننا لن نعيش الذل، هدم الاحتلال بيوتنا؛ لكننا لن نفقد البوصلة نحو قدسنا، وأرضنا المحتلة، دمر مساجدنا، ولكننا لن نترك صلاتنا، وركوعنا، و سجودنا، ولن نترك له مسرى نبينا صلى الله عليه وسلم، مَزَّق الاحتلال مصاحفَنَا، ولكنه لن ينالَ من كتاب ربنا في صدورنا، قصف مآذننا، لكنه لن يُسكت تكبيراتنا، اقتلع أشجارنا، لكنه لن يقتلع حب الأرض من قلوبنا، قطع اتصالنا بالعالم من حولنا، لكنه لن يقطع اتصالنا بربنا، أطفأ مصابيح بيوتنا، لكنه لن يُطفئ نور قلوبنا، شابَ لهول المشاهد شعرُنا، ولكن لم تَشِب عزائمُنا، نال الجوع من أبداننا، ولكن لم يخلُص إلى إيماننا ويقيننا، يئِسَ العدو في قتلنا، ونحن لا نزداد إلا ثقة في نصر ربنا.

 

سلامُنا إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم المجاهد الشهيد.

 

يا حجيجَ بيت الله الحرام، اقرئِوا حبيبنَا السلامَ، وأخبروه أن غزة لم تشهد الحج هذا العام…

 

أخبروه عن عذرنا، أخبروه عن جُرحنا، أخبروه عن وجعنا، أخبروه عن حالنا…

 

أخبروه أن الطائفة المنصورة التي بَشَّر بها في بيت المقدس، وأكنافه لم تُعطِ الدنية في دينها، و لا زالت على عهدها وبيعتها…

 

أخبره أن اليهود قد دنسوا مسراه، وسَبّوه في ساحاته، فقامت غزة تنتصر له، وتدافع عن حائط براقه، وقدمت في سبيل ذلك فِلْذاتِ أكبادها، وأرواحَ رجالها، وكلَّ ما تملك من مساكنَ وأموالٍ بحبٍ، وطيبِ نفس في سبيل الله تعالى.

 

أخبروه شِكايتنا على كل من تآمر علينا، وعلى كل من خذلنا، وعلى كل من جلس وادعا في بيته يتفرج على دمنا، وأشلاء أطفالنا، وصرخات نسائنا ثم تركنا.

أخبره أن غزة تحبه بكل ما فيها من بشر، وحجر، وشجر، وبحر، نعم تحبه، وتربي أبناءها على حبه، ولن تُسقط رايتها، ولن تُسلِّم لعدوها.

 

واللهُ على ما نقول شهيد والله حسبنا، ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

عن حجاج غزة
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
4 ذو الحجة/1445هجرية
10 يونيو 2024 ميلادية

المصدر: الوفاق/ وكالات