بين الأمن والتنمية الإقتصادية

آفاق التعاون الهندي – الروسي في آسيا الوسطى وأوراسيا

الوفاق: تنظر روسيا الى الدور المتنامي للهند في أوراسيا بتفاؤل سياسيًا واقتصاديًا على الرغم من التحفظات المحيطة بمشاركة الهند في الرباعي (QUAD)

2024-06-15

عند تحليل السياسة الخارجية الهندية، يميل المحللون السياسيون إلى دراستها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تم تعزيز مجال النفوذ الثقافي التقليدي و الإقتصادي. ومع ذلك، قد يؤدي الاهتمام الشديد بالمساحات البحرية في المحيطين الهندي والهادئ إلى حالة من قصر النظر، حيث يتم غالبًا تجاهل مناطق أخرى من “الجوار الممتد”.

 

إحدى هذه المناطق هي آسيا الوسطى، التي تعتبر ذات أهمية استراتيجية لأمن الهند. في السنوات الأخيرة، شهدنا تعزيز المشاركة السياسية من قبل الهند في العملية السياسية لآسيا الوسطى، مدفوعة بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في عام 2021. يتجلى هذا الاهتمام المتزايد في حوار الهند-آسيا الوسطى وأول قمة للهند-آسيا الوسطى التي عُقدت مؤخرًا في عام 2022. ومن المتوقع أن يعقد الاجتماع الثاني هذا العام.

 

 

الهيكل السياسي المتشابك

 

يتميز المشهد السياسي والاقتصادي اليوم في آسيا الوسطى بوجود عدد من الصيغ في المجالات السياسية والاقتصادية – منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، كومنولث الدول المستقلة (CIS)، منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، منظمة الدول التركية (OTS)، صيغ آسيا الوسطى +، وبعض الآليات الخاصة مثل الحوار الأمني الإقليمي لأفغانستان وآلية التنسيق الرباعية (QCCM). في نفس الوقت، لا توجد آلية توحد دول آسيا الوسطى الخمس – كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان، وأوزبكستان – ككيان سياسي واحد.

 

تفرض الصراعات الاجتماعية والاقتصادية بين دول المنطقة وجود صيغ متعددة، مما يمنعها من العمل بشكل ريادي للتكامل الإقليمي. علاوة على ذلك، يؤكد الهيكل السياسي الحالي الاهتمام الدائم من القوى الكبرى، التي تدرك الدور الاستراتيجي لآسيا الوسطى كمصدر للموارد الطاقوية، وطرق العبور.

 

أبرز مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي لعام 2023 الدور الاستراتيجي وأهمية دول آسيا الوسطى، خاصة في سياق التكامل الإقليمي والأمن الجماعي – تم الإعلان عن أن كومنولث الدول المستقلة ذو أهمية قصوى لأمن واستقرار وسلامة أراضي الاتحاد الروسي. تولي الوثيقة اهتمامًا كبيرًا للتعاون مع الهند، مع التركيز بشكل خاص على توسيع الروابط التجارية والاستثمارية والتكنولوجية بين البلدين. في ضوء الديناميكيات الجيوسياسية السائدة، يمكن القول إن الشراكة بين الهند وروسيا ستركز على عدة مسارات:

– أ) المشاركة في منظمة شنغهاي للتعاون؛

ب) تطوير ممر النقل الدولي الشمالي الجنوبي (INSTC)؛

ج) التعاون في التنمية الرقمية وشراكة الطاقة؛

د) المشاركة في القضايا المتعلقة بأفغانستان، ومع ذلك يمكن وصف التعاون الحالي بين الهند وروسيا في آسيا الوسطى بأنه “رفيع المستوى” لأنه يركز فقط على المشاركة داخل الهياكل متعددة الأطراف مع استبعاد المشاريع الاقتصادية المشتركة.

 

 

العوامل السياسية

 

تدعو روسيا إلى تعزيز نفوذ منظمة شنغهاي للتعاون، سواء من حيث نطاقها الجغرافي من خلال توسيع عضويتها أو مكانتها السياسية من خلال توسيع عدد المواضيع قيد النقاش. وبالتالي، دعمت البلاد انضمام الهند (وباكستان) في عام 2017 على الرغم من مخاوف الصين وترددها. تؤيد الهند وروسيا أفكارًا مماثلة فيما يتعلق بدور منظمة شنغهاي للتعاون كمنصة للحوار وأداة لتعزيز الأمن، لكن في نفس الوقت، تختلف أهمية الهيكل في حسابات السياسة الخارجية للبلدين. تعتبر روسيا منظمة شنغهاي للتعاون منصة مهمة من حيث الأمن، بينما ترى الهند أنها أداة للحفاظ على وجود سياسي في منطقة آسيا الوسطى و أوراسيا. ينبع هذا التباين من قيود المناورات السياسية في المنظمة التي تواجهها الهند والناجمة عن المواجهة السياسية مع الصين وباكستان. لا تشارك روسيا مخاوف الهند بشأن ما تعتقده الأخيرة “الدور المهيمن للصين” في منظمة شنغهاي للتعاون. علاوة على ذلك، تم التعبير عن بعض المخاوف بشأن احتمال تقليل فعالية المنظمة، خاصة داخل الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب (RATS)، بسبب الخلافات العميقة بين الهند وباكستان.

 

من المعروف على نطاق واسع أن الصين تنظر إلى منظمة شنغهاي كآلية لتوسيع التعاون الاقتصادي في آسيا الوسطى، ولكن بالنسبة للهند وروسيا فالموضوع أمني.

 

 

التعاون الاقتصادي

 

إن المحور الآسيوي في السياسة الخارجية الروسية مرتبط بعمق بصياغة شراكة “أوراسيا الكبرى”. لا تزال الأهداف مصاغة بطريقة طموحة – “تحويل أوراسيا إلى مجال قاري متماسك يتسم بالسلام والاستقرار والثقة المتبادلة والتنمية والازدهار”. يسعى المفهوم في المقام الأول إلى تحقيق أهداف اقتصادية، ويمثل تقدمًا متسقًا نحو شبكة من مناطق التجارة الحرة والتحالفات التجارية والاقتصادية الدولية.

 

في المسائل التجارية والاقتصادية، لدى روسيا والهند نقطتين رئيسيتين للتقارب – التعاون في إطار اتفاقيات التعاون التجاري للاتحاد الاقتصادي الأوراسي وتطوير ممر النقل الدولي الشمالي الجنوبي.

 

تظهر السياسة التجارية الهندية مستوى ملحوظًا من الحمائية، سواء من حيث التعريفات الجمركية ،ارتفع متوسط الرسوم الجمركية بموجب نظام الدولة الأولى بالرعاية (MFN) من 13.4 في المائة إلى 18.1 في المائة من 2016 إلى 2022. يمكن أن يكون خفض الرسوم الجمركية على الواردات الهندية بسبب اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بمثابة رافعة محورية لتعزيز الصادرات الروسية من منتجات الصناعة الكيميائية، وزيت دوار الشمس، والفحم. من ناحية أخرى، يمكن للهند زيادة صادرات الأدوية، والمنتجات الزراعية، والسلع الجلدية، والآلات والمعدات، والمنسوجات.

 

ومع ذلك، تخفف الحقائق العملية من التوقعات العالية. أولاً، وسط الضغوط الدولية، قد تشهد المفاوضات تأخيرات طويلة ويمكن أن تتلبد الآفاق بالمخاوف من المجتمع التجاري الهندي. ثانيًا، من المرجح أن يزداد العجز التجاري. ثالثًا، الشاغل الرئيسي هو عدم كفاءة طرق التجارة واللوجستيات الحالية. دون حل لمشاكل اللوجستيات، قد يكون تأثير الاتفاقية رمزيًا. علاوة على ذلك، أبرز التخريب على خط أنابيب الغاز نورد ستريم في سبتمبر 2022 ضعف البنية التحتية الحيوية للنقل، مما أدى إلى دعوات لتعزيز الضمانات الأمنية.

 

وعلى العكس من ذلك، من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة من شأنها أن تحفز تطوير ممر النقل الدولي الشمالي الجنوبي.

 

بعد الصراع الأوكراني، ظل الاهتمام بالمشاريع دون تراجع، كما يتضح من زيارة وزير الخارجية الهندي س. جايشانكار إلى إيران في يناير الماضي وتوقيع روسيا بعض الاتفاقيات الملموسة مع الجمهورية الإسلامية. علاوة على ذلك، تلقت مسألة إبرام اتفاقية تجارة حرة بين الهند والاتحاد الاقتصادي الأوراسي دفعة جديدة حيث أعلن الطرفان استئناف المحادثات.

 

ترى روسيا ممر النقل الدولي الشمالي الجنوبي كأداة لتقدم المناطق الوسطى والفولغا وبحر قزوين، مع دمج الموانئ الروسية مع الشرايين التجارية الدولية الرئيسية. من المتوقع أن يظهر الممر كبديل قابل للتطبيق لقناة السويس، مما قد يؤدي إلى خفض أوقات التسليم وتكاليف النقل بنسبة 30-40 في المائة. سياسيًا، تهدف روسيا إلى تهميش الجهات الفاعلة غير الإقليمية في منطقة بحر قزوين وإقامة توازن استراتيجي للمشاريع المنافسة مثل الممر الأوسط (TMTM) وممر النقل أوروبا-القوقاز-آسيا (TRACECA)، لموازنة الجهود اللوجستية في إطار مبادرة الحزام والطريق (BRI).

 

 

ارتياح روسي للدور الهندي

 

ترى روسيا الدور المتنامي للهند في أوراسيا بتفاؤل، سياسيًا واقتصاديًا. على الرغم من التحفظات المحيطة بمشاركة الهند في الرباعي (QUAD)، اعترفت روسيا بالهند كشريك حاسم داخل منظمة شنغهاي للتعاون ولاعب مهم في شراكة أوراسيا الكبرى. تغيب العلاقات السياسية العميقة بين الهند ودول آسيا الوسطى إلى حد كبير عن النخب السياسية الروسية، بينما يخصص الخبراء  اهتمامًا ضئيلًا نسبيًا لموقف الهند في آسيا الوسطى. ويُعزى ذلك إلى النفوذ التجاري والاقتصادي المتواضع للهند ووجود مجموعة ضيقة من الخبراء الروس في شؤون الهند. ومع ذلك، يتم الاعتراف بإمكانية الهند في تعزيز موطئ قدمها التجاري والاقتصادي في كل من المناطق الروسية وآسيا الوسطى.

 

المصدر: الوفاق