“إسرائيل” و”عقدة الشمال”!

لم تبدأ المواجهة في الثامن من أكتوبر، هي تصاعدت في ظل الحرب الكونية على سورية. حاولت "إسرائيل" عبر دعم الإرهاب، وإطلاق المعركة بين الحروب تقليل الضرر، وصولًا إلى فرض شلل استراتيجي لقوى المحور، وهو ما لم يتحقق.

2024-06-17

لا حاجة للبحث كثيرًا حتّى نكتشف أن “تل أبيب” تعيش المأزق الأمني الذي كانت تراه يتنامى أمامها دون القدرة على منعه. ولطالما عبّر قادة الكيان عن الخطر الآتي من الشمال، غير المحصور بحزب الله فقط، ولو كان هو الرئيس، إنما بتموضع لمحور المقاومة يمتد على جغرافيا واسعة، تشكّل طهران وسورية ركيزتين فيه، وهي عقدة نتنياهو والمؤسسة الأمنية وكذلك العسكرية.

 

لم تبدأ المواجهة في الثامن من أكتوبر، هي تصاعدت في ظل الحرب الكونية على سورية. حاولت “إسرائيل” عبر دعم الإرهاب، وإطلاق المعركة بين الحروب تقليل الضرر، وصولًا إلى فرض شلل استراتيجي لقوى المحور، وهو ما لم يتحقق.

 

مع انطلاق عملية طوفان الأقصى، آثرت المقاومة في لبنان فتح جبهة الإسناد، لأهدافها المعروفة، دعمًا لغزّة ودرءًا لعدوان محتمل على لبنان.

 

طوال فترة المواجهة، أفرجت المقاومة عن بعض إمكاناتها، التي ساهمت في خلط كثير من الأوراق في “تل أبيب”، وهو ما يتجلى واضحًا من خلال التصريحات المتناقضة عندما يتعلق الأمر بـ”مستوطني الشمال”، أو الفارق بين التصريح عالي السقف والواقع على الأرض.

 

مع بروز عقَد في التوصل لاتفاق في غزّة ينهي الحرب، وهي عقد “إسرائيلية”، برز مشهد وواقع الشمال من جديد. ثمة تخبط حول اليوم التالي، وآخر حول ضرورة إنهاء المعركة جنوبًا، والتفرغ للشمال، كما تتحدث بعض التسريبات، لكن ثمة عقد لفتح جبهة، ولو كانت تصريحات الجنرالات تتحدث عن جهوزية لتوسيع المواجهة لكن بانتظار قرار سياسي. عقد تبرز، أبرزها حول أهداف أي مواجهة وضمانة تحقيقها، وهو ما لا يتوفر.

 

قبل أيام، يقول مسؤولون أميركيون لـ”إكسيوس”: “إن إدارة بايدن حذرت “إسرائيل” من أن غزوًا بريًّا للبنان حتّى وإن كان محدودًا قد يدفع إيران للتدخل، وإن هناك احتمالًا لتدخل ميليشيات سورية وعراقية ويمنية موالية لإيران وإن حربًا محدودة في لبنان خيار غير واقعي”. التصريح يوضح العديد من الحسابات، فهو يبين أن ثمة حربًا واسعة قد تقع، وأن حلفاء حزب الله سرعان ما سينخرطون فيها، وهو ما لا يمكن لا لواشنطن ولا لتل أبيب تحمله. يبين الأميركيون شيئًا من الواقعية التي فرضها الميدان سواء في غزّة، أو لبنان، أو اليمن، أو العراق، وكذلك الرد الإيراني الذي حرر طهران من الصبر الاستراتيجي.

 

لم تتمكّن “تل أبيب” من إيجاد حلول لمآزقها قبل السابع من أكتوبر، فكيف ما بعده في ظل عجز عن تحقيق ما رفعته من أهداف وعلى رأسها القضاء على المقاومة؟

 

شمالًا، يقر الإسرائيليون بتفوق لحزب الله، مرتبط بفهم لواقع “إسرائيل” وما يدور داخلها، وما يعاني منه جيشها. كما أنهم يقرون بصعوبة خوض حرب متعددة الجبهات، لكنّهم يحاولون مع واشنطن تغيير بعض الوقائع، فيما تبدي الأخيرة تردّدًا واضحًا، مرده إلى ما هو ماثل أمامها في اليمن وقبلها في العراق حيث هدأت الجبهة ضدّ قواعدها دون أن تقفل.

 

وعليه، ورغم زيارة مسؤولين إسرائيليين إلى واشنطن، وقدوم المبعوث الأميركي إلى لبنان والكيان مطلع الأسبوع الحالي، ثمة محاولة لتحصيل شروط تقي من الانفجار، لكن الشروط قد تصطدم بممانعة من قبل حزب الله، الذي يملك اليد العليا في المواجهة، ومن الصعب تقديم أي تنازل يعطي الكيان منجزًا يطمح اليه، على رأسه “الضمانات الأمنية”.

 

وعليه، إن عقدة الشمال آخذة بالتعمق، خصوصًا مع تصعيد حزب الله ضرباته النوعية، والكشف عن قدرات جديدة، خصوصًا بعد اغتيال قائد وحدة نصر الشهيد أبو طالب، وهو ما يعطي صورة عن أن قرار المقاومة يقضي بحتمية الرد على التصعيد بتصعيد يوازيه أو يتخطاه، وهو ما يؤكد أيضًا ما كان صرح به السيد حسن نصر الله سابقًا عن التوسيع مقابل التوسيع.

 

إن العقدة تكمن في أن المواجهة مع لبنان لن تكون محدودة، بل هي قابلة للتوسع مباشرة، وأن العقدة الأخرى تكمن في عدم نية حزب الله التراجع دون وقف إطلاق نار في غزّة، وهو ما يعد إحدى أهم المسائل التي تضع صانع القرار في “تل أبيب” أمام خيارات أحلاها مرّ.

المصدر: خليل نصر الله