بمناسبة اليوم العالمي للتصحر؛ الدكتورة ليلى صالح للوفاق:

الحرب الصهيونية على غزة سببت كوارث إنسانية وبيئية

خاص الوفاق: أصبحت "غزة" اليوم مقبرة جماعية مكشوفة دخلت شهرها الثامن، مما يؤكد أن الكوارث في غزة تتجاوز نواتج الحرب البشرية والمادية، وتجعل العالم اليوم يشهد أكبر كارثة بيئية معاصرة تهدد تلوث الأرض والبيئة أمام  تعنت "الكيان الصهيوني"

2024-06-17

 سهامه مجلسي

 

يعتبر الجفاف من أكبر التهديدات للتنمية المستدامة، ليس في البلدان المتنامية وحسب، وإنما بشكل متزايد في الدول المتقدمة كذلك. وفي الواقع، تشير التوقعات إلى احتمال تأثير الجفاف في أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم مع حلول 2050.

 

اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف هو يوم عالمي من أيام الأمم المتحدة يهدف لتعزيز الوعي بالتصحر والجفاف، كونهما من أكبر التحديات البيئية في أيامنا هذه. يُحتفل بهذا اليوم في 17 حزيران من كل عام، من أجل نشر الوعي بالمشكلة وبضرورة تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في البلدان التي تعاني من جفاف قاس أو تصحّر. ويشكّل هذا اليوم تحذيراً بالأخطار الموجودة وتذكيراً بالعمل المطلوب لمحاربتها. وبهذا الصدد أجرت صحيفة الوفاق حوارا مع الباحثة الاجتماعية الدكتورة ليلى صالح من لبنان وفيما يلي نص الحوار:

 

 

منطقة غرب آسيا تتعرض للتصحر بشكل خاص بسبب الظروف المناخية والجغرافية فماهي الحلول؟

 

التصحر تحدٍ بيئي كبير يتطلب جهوداً مستدامة وتعاوناً دولياً ومجتمعياً وإنسانياً لمواجهته. منطقة غرب آسيا تتعرض للتصحر بشكل خاص بسبب الظروف المناخية والجغرافية، فالمنطقة بالرغم من سيطرة المناخ المتوسطي المعتدل المسيطر على قسم من مناطقها الغربية الاّ أن المناخ الجاف الذي يسيطر على مناطقها الداخلية مع نقص المياه قياساً لاحتياجات المنطقة، وتقصير دولي وحكومي في تطوير خطط ومشاريع للري لحسن استخدام الانهار، أو الاستفادة من مياه الامطار والمياه الجوفية في التضاريس الصخرية التي تكثر على الساحل، يؤدي الى ندرة الموارد المائية التي تزيد من تحديات الجفاف والتصحر، فضلاً عن ما تتعرض له المنطقة من سرقة مياه من «الكيان المؤقت» الناتج عن الصراع العربي – الصهيوني المستمر منذ نشأت «الكيان المؤقت» 1948 وتوسع إشكالية توزيع المياه بين الدول، وأبرز نموذج لها في إشكالية «مياه نهر الوزاني اللبناني» التي ما تزال مشكلة عالقة مع الكيان الصهيوني .

ومع دخول عوامل بشرية، قصدية وغير قصدية زادت في تعقيد المشكلة وصعوبة معالجتها، وتتفاوت العوامل البشرية بين الاستخدامات المدنية، وجهود الجمعيات الأهلية في مواجهة هذا التحدي من تحوله إلى ظاهرة بيئية تهدد الأمن المعيشي أو الحياتي، فضلاً عن تأثيرها في التنمية المستدامة، لكل المجتمعات في المرحلة المعاصرة.

 

 

ما هي خطورة التصحر على المجتمعات البشرية؟

 

أن التصحر هو تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة نتيجة لعوامل مختلفة ومتداخلة، باختصار لهذه العوامل أن تشمل التغيرات المناخية والأنشطة البشرية. وخطورة التصحر على المجتمعات البشرية تكمن في فقدان الإنتاجية الحيوية للأرض، مما يهدد سبل العيش للسكان المحليين، ويدفعهم للهجرة، فتكون نتائجها كارثية في إفراغ الأوطان، أو التبعية الاقتصادية في الموارد المعيشية وارتداد هذه التبعية على سياسات تَحَكُم الدول أو المؤسسات والشركات المنتجة، وتتلازم ظاهرة التصحر والجفاف في مسار بيئي مما قد يجعلهما يشكلان ظاهرة واحدة، فندرة المياه تهدد بظاهرة التصحر فضلاً عن دخول عوامل أخرى.

 

 

اليوم العالمي لمكافحة التصحر وحماية البيئة، هل هو فرصة لزيادة الوعي وتحفيز العمل؟

 

اليوم العالمي للبيئة يمثل فرصة هامة لزيادة الوعي وتحفيز العمل لمكافحة التصحر وحماية البيئة، والذي يُحتفل به في 17 حزيران من كل عام، حيث يهدف الى زيادة الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة واتخاذ خطوات فعّالة للحد من التدهور البيئي، بما في ذلك التصحر، وأبرز الأهداف التي ينشدها المتعلقة بالتصحر تشمل:

 

1- حملات مدنية وأهلية وبرامج حكومية لرفع توعية الجمهور بالمخاطر والتحديات المرتبطة بالتصحر، وإدخال هذه التوعية مادة أساسية في التربية المدنية والاجتماعية في المناهج الدراسية لكافة المراحل العمرية بأساليب توعوية تحفيزية.

 

2- تشجيع العمل لحث الحكومات والمجتمعات على تنفيذ السياسات والإجراءات التي تساهم في مكافحة التصحر، واعتبارها أولوية في خطط وزارة العمل، وأحد معايير تراخيص المؤسسات الصناعية وغيرها التي تتضارب مع الأنشطة الداعمة لمنع التصحر والجفاف.

 

3- تحفيز الابتكار بدعم البحث والتطوير في مجالات الزراعة المستدامة واستخدام المياه، من قبيل مشاريع معالجة المياه، أو إعادة تدويرها بما يحمي البيئة، فضلاً عن دعم الزراعة الحديثة والمثمرة وفق دراسات مبنية على منهجية علمية تلائم الظروف المناخية واحتياجات كل مجتمع، بما يعزز الموارد الطبيعية في كل بلد .

 

4- تعزيز التعاون الدولي بين الدول لمواجهة التصحر كجزء من الجهود العالمية لتحقيق التنمية المستدامة  فالتصحر بحسب مختصين في الشأن البيئي ودراسات علمية لا يعني غزو الكثبان الرملية للأراضي فقط، وإنما يعني التدهور المستمر للنظم البيئية للأراضي الجافة نتيجة الأنشطة البشرية والتقلبات المناخية، التي لا تحدها الحدود الجغرافية للدول، وتعتبر واحداً من أخطر التحديات الإنمائية في عصرنا هذا، نظراً لتأثيره الشديد على رفاه الإنسان وعلى البيئة.

 

ونلحظ بأن منظومة الأمم المتحدة، تعمل جنباً إلى جنب مع الشركاء، والجمعيات المدنية والأهلية على المساعدة في تسریع العمل المناخی ومساعدة الدول في الحد من تغير المناخ وتحقيق أهداف اتفاقية باريس من الطاقة المتجددة في قضايا مثل الأمن الغذائي والوظائف والمياه الصالحة للشرب حيث تعمل الأمم المتحدة على تعزيز عالم أكثر استدامة وازدهاراً للجميع.

 

وقد “جمعت قمة العمل المناخي، التي انعقدت في عام 2019، ممثلي الحكومات والشركات والمجتمع المدني التي أسفرت عن مجموعة من المبادرات لتعزيز العمل المناخي، وتمضي هذه المبادرات المؤلفة من ائتلافات المشاركين من القطاعين العام والخاص قدماً وتؤتي ثمارها.

 

 

ما هي ارتدادات الحرب على غزة من تعرض منطقة غرب آسيا لتهديد ظاهرة التصحر؟

 

أننا نشهد اليوم تعرض منطقة غرب آسيا لتهديد ظاهرة التصحر، من ارتدادات الحرب على غزة، أمام صمت عالمي ودولي، وإن كان في إطار الضغط على إيقاف هذا التهديد من منطلق بيئي إنساني، إن لم نقل حقوقي.

قد يعتبر البعض أحداث غزة  استثنائية فهي نواتج حرب قائمة، الاّ أن ما حصل من كوارث إنسانية وبيئية، زاد تفاقمها الحصار المطبق، واستمرار القصف والهدم الكبير لأحياء على رؤوس ساكنيها، وعدم السماح برفع الانقاض، بحيث أصبحت “غزة” اليوم مقبرة جماعية مكشوفة دخلت شهرها الثامن، يؤكد أن الكوارث في غزة تتجاوز نواتج الحرب البشرية والمادية، وتجعل العالم اليوم يشهد أكبر كارثة بيئية معاصرة تهدد تلوث الجو والأرض  أمام  تعنت “الكيان الصهيوني” على مرأى العالم المدعوم من الأمم المتحدة في استمرار الحرب، بالرغم من التحركات الإنسانية العالمية “تظاهرات طلابية ونخبوية من كبريات الجامعات الأمريكية والبريطانية والعربية” المطالبة بتوقف الحرب في غزة، وإنهاء دعم الكيان الغاصب في توحشه المنقطع النظير، الذي لم يشهد له سابقة في تاريخ البشرية.

 

 

تعرضت غزة لتدمير البنية التحتية الحياتية من مستشفيات ومدارس ومؤسسات فما هو تأثيره على البيئة؟

 

في غزة، المحاصرة، من “القوات الصهيونية” التي شهدت إبادة، جماعية ممنهجة، وتعرضت لتدمير البنية التحتية الحياتية من مستشفيات ومدارس ومؤسسات وغيرها، وطالت المجاعة سكان غزة، ناهيك عن تفشي الأمراض وانتشار الأوبئة، الناتج عن عوامل كثيرة لا يسع ذكرها، تأتي ظاهرة فقدان المياه النظيفة، فضلاً عن الجفاف في مقدمة العوامل، بفعل القصف المستمر والحصار.

 

وتأتي سردية منع دخول المساعدات الإنسانية، والأدوية والمواد الغذائية، التي لها سرديات يطول عرضها، من سياسة إذلال للشعب في غزة لإرغامهم على الاستسلام، واستخدام هذه المساعدة الإنسانية وسيلة ضغط، فضلاً عن الغدر والمخادعة، التي هي سمة الكيان وسياسته، في استغلاله وتوظيف مكره والتخفي في حادثة “تحرير أربع أسرى في النصيرات” بدعم الاستخبارات الأمريكية وتوظيف الذكاء الاصطناعي، حيث أعلن عن عملية مباغتة في مخيم النصيرات بتخفي جنود “الكيان” بلباس نازحين في شاحنة المساعدات الإنسانية التي عبرت عبر الرصيف البري الذي اصطنعته أمريكا لهذه الغاية، وبعيداً عن مقاربة هذه العملية المدعومة دولياً سياسياً وعسكرياً،  الاّ أنه نتج عنها استشهاد 274 فلسطيناً، بينهم 64 طفلاً، وإصابة 698 في مجزرة ارتكبتها قوات  الاحتلال، وأظهرت صور فضائية حللها مركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة، أن 35 بالمئة من المباني في قطاع غزة قد دمرت أو تضررت خلال الهجوم الصهيوني على القطاع الفلسطيني. وقد استخدم المركز في تقييمه صوراً عالية الدقة التقطتها الأقمار الصناعية وتم جمعها في 29 فبراير، وقارنها بصور ملتقطة قبل وبعد اندلاع الحرب،. وخلص إلى أن 35 بالمئة من مجمل المباني في قطاع غزة أي 88868 مبنى تضررت أو دمرت بالكامل.

 

 

“التصحر” حاضراً في أنشطة الحكومة في غزة قبل “طوفان الأقصى”

 

اوضحت الدكتورة صالح بالرغم من حصار قطاع غزة وأولويتهم في المواجهة العسكرية، فقد كان “التصحر” حاضراً في أنشطة الحكومة في غزة قبل “طوفان الأقصى”، واضافت الخبيرة البيئية المهندسة منار أبو عيشة، بأنهم نجحوا في إكمال المرحلة الأولى العام الماضي، على أن تبدأ المرحلة الثانية في شهر فبراير/شباط من هذا العام، بحيث نجعل من فلسطين كلها خضراء ونحاول أن نحد من عمليات التصحر في الأرض الفلسطينية. وبدورها، أشادت بمشروع وزارة الزراعة القائم على الحد من ظاهرة التصحر في قطاع غزة من خلال مشروع “تخضير فلسطين”.

 

وأكدت على أهمية مثل هذه المشاريع والتي من شأنها أن تساهم في إنعاش القطاع الزراعي، وتعمل على تلطيف درجة حرارة الجو من خلال زيادة نسبة الأوكسجين، كما تقلل من ظاهرة التغير المناخي”. كما ذكرت بأن التصحر في قطاع غزة ينجم عن عدة عوامل أبرزها تلوث التربة جراء الحروب الإسرائيلية من خلال القصف بالقذائف التي تحتوي على مواد ثقيلة وتستقر في الأراضي الزراعية، فضلاً عن عمليات التجريف المتبعة من جانب قوات الاحتلال منذ سنوات.

 

 

 “الكيان الصهيوني” يستهدف المناطق الحدودية بقنابل فسفورية للقضاء على الاشجار المعمِرة الأكثر انتشاراً في المنطقة

 

وقالت الدكتورة صالح في شمال فلسطين على خط الحدود اللبنانية الفلسطينية، يستهدف “الكيان المؤقت” قصف المناطق الحدودية بقنابل فسفورية محرم استخدامها بموجب القوانين الدولية لحماية البيئة، ناهيك عن أضرارها البيئية، فهي تقضي على بيئة الاشجار المعمِرة  المثمرة “الزيتون” الأكثر انتشاراً في المنطقة، فالقصف الإسرائيلي يؤدي إلى تدمير بنية التربة وقوامها من خلال المواد الثقيلة أو عناصر أخرى، بحيث تصبح التربة غير صالحة لنمو النباتات، وإن نمت فيكون إنتاجها ضعيفاً جداً، كما أن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى زيادة عمليات التصحر، هلاك الأشجار الذي يؤدي إلى تقليل نسبة الأوكسجين في الجو بينما يزداد غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يؤدي في حالة زيادته إلى ما يعرف بالتغير المناخي (عبارة عن تغير كل العوامل الجوية في منطقة ما). ومما يجعل هذه المناطق عرضة للتصحر وصعوبة المعالجة بمشاريع تشجير، بفعل الاعتداءات الصهيونية للمنطقة بشكل دائم.

 

كل ما عرضناه برغم كل الجهود والأنشطة لمواجهة التصحر في غزة، فإن مقدمات التصحر حاضرة، وأمام الصمت الدولي لتصحر كارثي يفتقد لأدنى مقومات العيش، في غزة، باستمرار الحصار والقصف والمجازر اليومية، في يوم البيئة العالمي، نرفع الصوت بالكلمة بحدها الأدنى، فإذا لم تتحرك الامم المتحدة لأسباب حقوقية إنسانية نادت بها مجاميع النخب الأوروبية والأمريكية في حق أهل الارض بالمقاومة، ووقف الحرب، ومقاطعة اقتصادية  للشركات العالمية  الداعمة  “للكيان” للضغط عليها، فلتتحرك الامم المتحدة لحماية البيئة من خطر التصحر، إذا كانت الأرض والبيئة أهم قيمة عندهم من الإنسان!

 

المصدر: الوفاق/ خاص