هل تقدم “إسرائيل” على مغامرة مع حزب الله؟

إذا كانت طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر شكّلت بداية انكسار الصهيونية وضربت إرادة البقاء للكيان الإسرائيلي، فإنّ أي مغامرة غير محسوبة النتائج مع حزب الله بفتح جبهة تصعيد شاملة ستكون مكلفة جداً على "إسرائيل" الهشّة.

2024-06-18

مضت ثمانية أشهر وفوهة النار التي فتحها حزب الله تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة مشتعلة دعماً وإسناداً للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في معركة طوفان الأقصى، بتكتيكات عسكرية عالية ومركّزة طالت كما شاهدنا خلال الأسبوعين الأخيرين، كريات شمونة والجليل والجولان وصفد وغيرها الكثير من المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، فيما تركّزت ضرباتها الأخرى على تدمير المواقع والتقنيات العسكرية الإسرائيلية على طول الحدود الشمالية مع فلسطين، ففرضت قواعد اشتباك جديدة ومعادلات ردع أربكت كلّ حسابات الساسة والعسكر في “إسرائيل” وجعلتها عاجزة متخبّطة في اتخاذ أي قرار وفتح جبهة مواجهة واسعة كما هي الحرب في قطاع غزة ، فيما لا تزال المقاومة الإسلامية ثابتة على مواقفها برفض أي عودة للهدوء طالما لم تتوقّف الحرب في قطاع غزة.

 

منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى، كتبت مقالي الأول فيها، وقد سجّلت فيه رأياً ورؤية لمآلات الحرب على قطاع غزة والتصعيد المتدحرج على الجبهة الشمالية مع حزب الله، واختتمته برؤية واضحة ثابتة، مفادها أن الهزيمة التي تنتظر “إسرائيل” في هذه الحرب ستكون هزيمة عسكرية وسياسية وأخلاقية وترافقها عزلة دولية وصراعات وتفكّك داخلي.

 

بعد ثمانية أشهر باتت هذه الرؤية تترسّخ أكثر فأكثر نتيجة حال الصراعات والفشل والعجز الكبير الذي تعيشه “إسرائيل” بسبب الإخفاق في تحقيق كل شعارات النصر المطلق والقضاء على حماس وتحرير الأسرى بالقوة العسكرية وكلّ الأهداف التي كان يردّدها نتنياهو بين الحين والآخر، وصولاً إلى دعوات الانتقام وتغيير قواعد الاشتباك مع حزب الله، بل باتت الهزائم تلاحقه ليس في غزة وحدها بل على الجبهة التي باتت ملتهبة وتتوسّع يومياً أكثر فأكثر في ظل تصعيد حزب الله من قوة النار ضد المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتركيز ضرباته على المنظومة والمواقع العسكرية الإسرائيلية.

 

حال “إسرائيل” هذه الأيام ليست كما كانت بداية شنّ الحرب على قطاع غزة، واقع لم تعد قادرة على إخفائه، لا يسرّ حليفاً أو صديقاً، تعيش طوفاناً من الاستقالات غير المسبوقة، حكومتها متصدّعة قابلة للانهيار في أي لحظة، قادتها متناحرون، الخلافات تعصف بهم في جميع المستويات وتحديداً بين ائتلاف حكومي متطرّف ومجلس حرب، ويلقي كل منهم مسؤولية الفشل على الآخر، “جيشها” غارق في وحل غزة ورفح ويتلقّى الصفعات تلو الأخرى، مستنزف في قطاع غزة كما هو في جبهة الشمال، اقتصادها يتراجع بشكل كبير، التظاهرات الداخلية متواصلة ضد نتنياهو وحكومته وتتزايد، قادتها العسكريون والسياسيون يعترفون ويقرّون بالفشل الكبير في تحقيق أهداف الحرب، تعيش عزلة دولية غير مسبوقة، وهذا الواقع ينسجم مع آخر تصريحات لرئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق تامير هيمان الذي قال “صورتنا كدولة قوية عسكرياً تتراجع ونواجه خطر العزلة والوجود.”

 

أما على الوجهة الأخرى وبرغم جرائم القتل والإبادة والتدمير والتطهير العرقي، المقاومة الفلسطينية باقية متجذّرة وممسكة بأوراق القوة لديها وتفرض شروطها في كلّ جولة تفاوض.

 

إذا كان الحال الذي تعيشه “إسرائيل” في حربها مع حركة حماس وفصائل المقاومة طيلة ثمانية أشهر أوصلها إلى هذا الحد، فالسؤال الذي يطرح نفسه، هل “إسرائيل” قادرة على أن تخوض حرباً وتفتح مواجهة شاملة مع حزب الله على الجبهة الشمالية؟

 

وفق كل المعطيات وحسابات المنطق، فالمعادلة معقّدة أمام “إسرائيل” وهي تعيش هستيريا الزوال، في وقت باتت فيه الجبهة الشمالية مشتعلة أكثر بفعل تكثيف حزب الله ضرباته بالطائرات المسيّرة وراجمات الصواريخ ، فلا سلطة ولا سيطرة لـ “إسرائيل” أمام فوهة النار المفتوحة وتوسّع نطاق الاستهدافات المركّزة والحرائق المشتعلة والخسائر المباشرة التي توقعها ضربات حزب الله في صفوف “جيش” الاحتلال الإسرائيلي ومستوطناته، والتي أدخلت خلال الضربات الأخيرة أكثر من 200 ألف مستوطن إسرائيلي إلى الملاجئ، فيما لا يزال عدد مثلهم وأكثر غير قادر على العودة لمستوطناتهم بفعل الضربات المستمرة المكثّفة.

 

من يحكم في “إسرائيل” الآن من اليمين المتطرف لديه رغبة كبيرة في فتح جبهة حرب ضد حزب الله في لبنان، وينظر إلى تلك الجبهة على أنها تمثّل تهديداً استراتيجياً كبيراً على مستقبل كيانها ويجب القضاء عليها، لكن السؤال الأهم، هل “إسرائيل” قادرة على تنفيذ هذه الرغبة وتطبيق هذا السيناريو بتغيير قواعد الاشتباك في ظل هذه المعطيات وفي مثل هذا التوقيت الذي باتت فيه مستنزفة في قطاع غزة وتدفع فاتورة خسائر كبيرة فاقت كل تقديرات وحسابات المؤسسة الأمنية والعسكرية في “إسرائيل”؟

 

إذا كانت حركة حماس التي لا تمتلك أيّاً من مقوّمات الجيوش ولا أسلحتها المتطوّرة قد سجّلت نصراً على “إسرائيل” في عملية طوفان الأقصى بقدراتها المتواضعة، وما زالت صامدة توقع المزيد من الخسائر في صفوف “جيش” الاحتلال الإسرائيلي وهي تدخل الشهر التاسع في حرب متواصلة ضد قطاع غزة، فكيف ستكون الحال إذا فتحت الجبهة مع المقاومة الإسلامية في لبنان على مصراعيها، خاصة وهي تمتلك قدرات عسكرية تفوق ما تمتلكه حماس وفصائل المقاومة في غزة أضعافاً مضاعفة، من حيث البناء والقدرة العسكرية والصاروخية الدقيقة القادرة على إصابة أهدافها بدقة عالية، وهو ما يجعل قدرتها في الوصول وضرب أهداف استراتيجية تشل “إسرائيل” على كلّ الأصعدة عسكرياً واقتصادياً.

 

الجبهة الشمالية منذ فترة وجيزة تشهد اتساعاً في أهداف المقاومة الإسلامية، وسجّلت نجاحاً أمنياً وعسكرياً في ضرب واستهداف منظومات الدفاع والاستخبارات الإسرائيلية والمستوطنات المحاذية للحدود مع لبنان، وقوة النار المتصاعدة أفرزت مشهداً استثنائياً في المواجهة المستمرة يحول دون عودة 45% من سكان مستوطنات الشمال بشكل نهائي حتى لو توقّفت الحرب الدائرة وفق آخر استطلاعات للرأي.

 

واقع بات يضغط على أعصاب قادة الاحتلال الإسرائيلي بشكل لافت، وفي ظلّ هذا الواقع تشكّل إدراك عسكري إسرائيلي وقناعة صدرت على لسان خبراء عسكريين وأمنيين كثر، مفادها أن “إسرائيل” باتت بفعل الحرب الدائرة كياناً هشّاً، عاجزة وما عادت قادرة على خوض حروب كبيرة، وهم يطالبون بتغيير شامل في العقيدة الأمنية المبنية التي تخوض حروباً على أساس القوة والردع والسرعة.

 

نجاح حزب الله في جرّ “إسرائيل” إلى حرب استنزاف لا ترى نهاية لها، فرض قواعد اشتباك جديدة على الجبهة الشمالية ونقل “إسرائيل” من مرحلة الردع إلى مرحلة العجز، وأفرز واقعاً جديداً جعل أيادي قادتها مكبّلة في قدرتها على اتخاذ قرار المواجهة الشاملة على أكثر من جبهة في آن واحد، فيما سجّل عجز وفشل إسرائيلي في خلق أي تهديد لردع حزب الله برغم الاستهدافات التي تنال من عناصره وكوادره، والتي كان آخرها اغتيال القيادي طالب عبد الله “أبو طالب”، وهذا ما ذهب إليه رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق جيورا آيلاند في تصريح حديث، والذي قال: “حزب الله لا يردعه قتل مقاتليه أو ضرب منصات صواريخه، حيث يعرف كيفية تعويض الفراغ بسرعة”.

 

هشاشة “إسرائيل” انكشفت في ظل جبهة ساخنة مشتعلة تنزف منذ ثمانية أشهر وما زالت مع قطاع غزة، وجبهة أخرى مساندة لها في الشمال مع حزب الله آخذة في التوسّع تدريجياً، لكن وأمام واقع من يحكم “إسرائيل” اليوم نتنياهو وشركاؤه المهووسون بدرجة كبيرة في استمرارهم في الحكم، يكابرون بتكرار دعواتهم إلى ضرورة فتح حرب واسعة وشاملة مع حزب الله، وهي دعوات ترفضها إدارة بايدن المتورّطة فيما يجري في المنطقة، لكن رفضها يأتي لأغراض انتخابية بحتة.

 

إذا كانت طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر شكّلت بداية انكسار الصهيونية وضربت إرادة البقاء للكيان الإسرائيلي، فإنّ أي مغامرة غير محسوبة النتائج مع حزب الله بفتح جبهة تصعيد شاملة ستكون مكلفة جداً على “إسرائيل” الهشّة، المتناحرة، المفكّكة، وستفتح حرباً واسعة لن تستطيع الإدارة الأميركية احتواءها أو السيطرة عليها.

 

الحرب في قطاع غزة بلغت مداها، وباتت بلا أفق ولا استراتيجية وفشلت في تحقيق الأهداف، وقادة عسكريون في “جيش” الاحتلال أقرّوا بذلك، وبعد أسبوعين ستنتهي العملية البرية في رفح وفق التقديرات الإسرائيلية وستسقط شمّاعة النصر المطلق التي ردّدها نتنياهو، لكن أكثر ما يؤرق “إسرائيل” بعد تسعة أشهر لأهمّ تداعيات الحرب على غزة، أن السابع من أكتوبر كتب تاريخاً جديداً وجرّأ أطرافاً كثيرة ومنها حزب الله والقوات المسلّحة اليمنية على جعل “إسرائيل” ومصالحها مرمى للرماية، وبات فعل الطوفان قابلاً للتكرار سواء من المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية، وقد تحدّث قادة الاحتلال في “إسرائيل” بصراحة مراراً وتكراراً أنه لم يبقَ أمام حزب الله سوى دخول قوة الرضوان واقتحام مستوطنات الشمال كما حدث في طوفان الأقصى.

 

“إسرائيل” بعد ثمانية أشهر من الحرب مع حماس وحزب الله ، تعيش وضعاً كارثياً على كل المستويات، داخلياً وخارجياً ، تعيش الرعب والتخبّط بعد فقدان الأمن والردع ووصلت إلى مرحلة العجز، وخروجها من هذه الحرب من دون تحقيق هدف، يعدّ هزيمة ثانية ساحقة لها بعد هزيمة السابع من أكتوبر، لذلك هي تبحث عن مخرج من هذه الحرب، بما يضمن لها استمرار وجودها في المنطقة في وقت باتت فيه معظم دول العالم آمنة لليهود إلا فلسطين ولبنان واليمن ودول محور المقاومة الأخرى، وفي اعتقادي أن الهدف الذي تسعى إليه “إسرائيل” الآن هو أن تحصل على الأمن والأمان فقط.

 

الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية غير مهيّأة لحرب استنزاف طويلة، خاصة في ظل نموذج الحرب مع حركات مقاومة مثل حماس وحزب الله، والمعروف أن الاستراتيجية العسكرية في “إسرائيل” تعتمد على الحروب القصيرة الخاطفة، لذلك هي مستنزفة وتدفع الثمن كبيراً في وحل غزة، ولن تستطيع فتح جبهتين في آن واحد وكل يوم تزيد فيه المقاومة الإسلامية من الضغط العسكري في الجبهة الشمالية، يعني مزيداً من الإذلال والانكسار لـ “إسرائيل” و”جيشها”.

 

وبالتالي “إسرائيل” لا تملك ولا تستطيع فتح جبهة واسعة وشاملة مع حزب الله لأنها تعلم جيداً قدرات المقاومة الإسلامية التي تدير المعركة منذ ثمانية أشهر بحكمة واقتدار وحزم، وتدفع “إسرائيل” الثمن في ظل انعدام القوة الداخلية الإسرائيلية لخوض مثل هكذا مواجهة شاملة، وأخرى خارجية باتت معادية لها أكثر من أي وقت مضى.

 

 

المصدر: شرحبيل الغريب/ الميادين