“الهدهد” رسالة ردع أم انتقال حازم في مراحل القتال ومفاجآتها؟

هدهدت المقاومة في حلقتها الأولى. علا طائرها علوًّا قاهرًا، ودنا دنوًّا فاحصًا. ميناء حيفا البحري، مرفأ إسترتيجيّ، ومصنع عسكري "تجمّع الكْرَيوت"، والمجمّع الصناعي لشركة رفائيل ذو الامتداد الجغرافي الهائل لصناعة الهيمنة على المنطقة بأسرها، وبوارج ومطارات، ومقلاع داود والقبب الحديديّة، ومنشآت إستراتيجيّة عسكريّة واقتصاديّة، نفط ووقود، بتروكيماويّات ومحطّة كهرباء، وإجراءات تخضع للرصد المتقدّم، مراكز القيادة والتحكّم، ومواقع تكاد لا تحصى، منها ما كُشِفت، ومنها ما ادُّخِرت ليوم الإفصاح عنها عند حماقة العدو الصهيونيّ (للميدان والليالي والأيّام).

2024-06-19

شهدت مرحلة ما بعد طوفان الأقصى والحرب العالميّة على غزّة وتفعيل جبهات المساندة لفلسطين المحتلّة، انتقالات نوعيّة في الجملة بمسار الأحداث وأشكال الصراع ضد العدو الصهيونيّ. لن يكون آخرها ما سجّله يوم الثلاثاء 18 حزيران 2024، حيث بثّ الإعلام الحربي في “المقاومة الإسلاميّة- لبنان” رسالة ترقّب بعنوان “ترقبوا.. ما رجع به الهدهد”، ثم كان الفيديو الردعي رحلة الهدهد (الحلقة 1) وما حمله من صور دقيقة لأهداف ثابتة ومتحرّكة، واحدًا من إنجازات المقاومة غير مسبوق في تاريخ حروب منطقة غرب آسيا، بما حمله من دلالات ورسائل في أكثر من اتجاه.

 

من اللطائف، أنّ “إسرائيل” اختارت “الهدهد” طائرًا قوميًّا لها مقابل الحسّون الفلسطينيّ وتسعة أنواع أخرى من الطيور، في استفتاءٍ أجرته “مؤسّسة حماية الطبيعة”، بتاريخ 29 أيّار 2008، وشارك فيه 155 ألف إسرائيلي للفت النظر المخادع إلى ضرورة حماية الطيور -رغم أن العهد القديم يعتبر الهدهد طيرًا غير نظيف ويُحظر تناوله على اليهود (بحسب الصحف الصادرة بـ 30 أيّار)-، متزامنًا مع الذكرى الستّين لإنشاء ما يسمى “الدولة العبريّة”.

 

بينما اختارت المقاومة الإسلاميّة “الهدهد” بعد نحو ستّة عشر عامًّا من الصبر ومواجهة الفتن الداخليّة والخارجيّة ومراكمة القدرة والردع، طائرًا على طريق حماية الإنسان والإنسانيّة، رمزًا أصيلًا في هويّته ومهمّته، عميقَ التاريخ في قصص القرآن، والنبأ عنده اليقين.

 

هدهدت المقاومة في حلقتها الأولى. علا طائرها علوًّا قاهرًا، ودنا دنوًّا فاحصًا. ميناء حيفا البحري، مرفأ إسترتيجيّ، ومصنع عسكري “تجمّع الكْرَيوت”، والمجمّع الصناعي لشركة رفائيل ذو الامتداد الجغرافي الهائل لصناعة الهيمنة على المنطقة بأسرها، وبوارج ومطارات، ومقلاع داود والقبب الحديديّة، ومنشآت إستراتيجيّة عسكريّة واقتصاديّة، نفط ووقود، بتروكيماويّات ومحطّة كهرباء، وإجراءات تخضع للرصد المتقدّم، مراكز القيادة والتحكّم، ومواقع تكاد لا تحصى، منها ما كُشِفت، ومنها ما ادُّخِرت ليوم الإفصاح عنها عند حماقة العدو الصهيونيّ (للميدان والليالي والأيّام).

 

أمّا متلازمة كلّ ثانية من تلك الدقائق التسع في خلاصة المشاهد “للعدوّ والصديق”: أن من يملك القدرة على تصوير تلك المساحات يحترف أشكالًا من التدمير وإنزال دقيق الصليات، فلا أمن إلا في قبضة مقاوم بما يدرء العدوان ويوقفه، أو يردعه بما يناسبه، أو يعصف بالكيان كلّه عصفًا لا يقف عند حلقات أو يأبه لتسويات.

 

برزت المقاومة الإسلاميّة في خطوتها هذه مجدّدًا متعدّدة الأبعاد (الإنسانيّة، الأخلاقيّة، العسكريّة، السياسيّة، الأمنيّة، المجتمعيّة، الاقتصاديّة، الإعلاميّة،…) وتراتبيّة المستويات (الوطني، الفلسطيني، الإقليميّ) ومتفاوتة الأثر (إيجابًا وسلبًا) على أطراف الصراع (العدو وعملائه، والصديق وحلفائه).

 

أشار الفيديو الردعي “الهدهد” إلى الإقرار بجدّية تطوّر الحرب وتدحرجها في الجانب اللبناني، لم يكن استعراضيًّا إخراجه الفنّي بهذا النحو وهذا التوقيت، إنّما هو وظيفيّ وفق إستراتيجيّة ردعية تساند موجة النار القائمة لتحول دون وقوعها. لأن المطلوب هو إبعاد شبح الحرب أو تأخيرها أو كسب مقدّماتها من الحرب النفسيّة إلى لحظة وقوعها وخروجها عن قواعدها، كحرب فعليّة مفتوحة وشاملة، شديدة ضراوتها وغزارتها ونوعيّة أهدافها (حيث النبأ اليقين في الهدهد). فيكون “الهدهد” رسالة ردع تحول دون وقوع الحرب التي ترتفع أسهمها، وإذا ما وقعت يكون قد أدى ما عليه من محاولة الردع، ومن إسهامه في تحسين شروط مقدّماتها وتفعيل لوازمها في مخيال مقاوم يتنبّأ بالنصر قبل حصوله على إيقاع المفاجآت التي لم يشهد هذا “الكيان المستحيل” نظائر لها في كل مراحل فَرْضِه على مجتمعات وشعوب هذه المنطقة.

 

 

أمّا أهميّته في المستويات المختلفة وفق الأبعاد والنتائج، يمكن إيجازه بالآتي:

 

في المستوى الوطني: تأتي الخطوة بعيد زيارة المبعوث الأميركي “عاموس هوكشتاين” إلى لبنان ولقاءاته عددًا من المسؤولين اللبنانيّين بهدف تحقيق مطالب العدو الصهيونيّ، بينما يراكم حزب الله حضوره الميداني بتدرّج مدروس بعناية، عنوانه استكمال الإسناد نصرةً لغزّة حتى إيقاف الحرب وتمتين قواعد الردع مع لبنان وإبعاد الضرر عنه ما أمكن. وهذه الحلقة من “الهدهد” تؤكّد أسبقيّة المقاومة بالتقدّم على العدو(الأميركي-الإسرائيلي) بخطوة في ردعه، وهي تستعيد أسلوبًا سابقًا اعتمدته عام 2022 بمشهدية محدودة جدًا، وأنجزت فيها رسالتها بالصوت والصورة ما يكفيها مؤونة استعمال النار. وفي ذلك، تقول المقاومة للداخل اللبنانيّ، إن رسائل القوّة الصامتة تستعمل باحتراف عقلانيّ، شجاعٍ حكيمٍ وآمن، لا يرافقها تهوّر أو استخفاف؛ وأنّ السيادة تصان بالاقتدار وإحكام القبضة لا بالتزلّف أو المسكنة، وأنّ قوّة لبنان بقوّته وحكمته ومقاومته. وهي تبعث إلى مجتمع المقاومة برسائل الطمأنينة وتمنحه حزمة من المعنويات غير المسبوقة، وترسل إلى المحبطين أو البائسين في الداخل اللبناني إشعارًا من إشعارات الكرامة الوطنيّة بدلًا من تمترس هؤلاء خلف شعبويّات زائفة ورهانات خائبة وشعارات خاوية.

 

وبذلك تراكم المقاومة في إنسانيّتها وأخلاقيّاتها تجاه المجتمع اللبناني ككلّ، وهي تدفع بما امتلكته من معلومات وبما حازته من وثائق وبما أوتيت من قوّة فداءً ووقايةً عن الشعب اللبناني كلّ مكروه دون أن تحرق المراحل أو أن تتنازل عن السيادة. كما تعزّز المقاومة في ذلك من قوّتها العسكريّة والأمنيّة، وترفع المعنويات تجاهها وتؤكّد الثقة الوطنيّة بقدراتها لا سيّما مهارة رجالها وكفاءة وفعالية عمليّاتها الاستخباريّة ووسائلها التكنولوجيّة. وفي ذلك تفوّقٌ إعلاميّ تنجزه المقاومة مقابل العدو الصهيونيّ والمفاوض الأميركيّ في إطار الحرب النفسيّة الصادقة، وما يترتّب -على كل ما تقدّم- من حماية اقتصاديّة للثروة المائيّة واستباقًا ردعيًا لأي تهور عدوانيّ، وهي بمجمل ذلك تتهيّأ للأسوأ، وتعمّق وحدة وتماسك مجتمع المقاومة حولها وترسّخ بصيرته وصموده، وتزيد من يأس مناوئيها وخصومها في الاجتماع السياسي اللبناني.

 

في الجانب الفلسطيني والإقليميّ والدوليّ: لا تزال مجريات الحرب في “رفح” جارية، والعمليات القتاليّة تتصاعد في الضفّة، والسجال القتاليّ على حرب النقاط في جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلّة يتطوّر ولم ينخفض (العمق والامتداد، نوعية الأهداف، الوسائل والوسائط القتاليّة، القدرات التدميريّة، … إلخ). ثمّة مقاومة ومجتمعها، واحتلال إسرائيلي، بينما تبثّ مشاهد “الهدهد” الأملَ في عيون الصامدين والمقاومين لا سيّما في غزّة، فإنّها تزيد من إحباط التجمّعات السكانيّة لدى “الكيان” لا سيّما في المنطقة الجغرافيّة التي شملتها تلك المشاهد، وتساهم في كي الوعي لدى بعض قادة الاحتلال وبعض جمهوره، فتتراجع الثقة نسبيًّا بجيشهم وقياداتهم على المستويات العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة؛ وتعيد تلك المشاهد إنتاج آرائهم تجاه الحرب على لبنان.

 

جاءت مشاهد “الهدهد” على توقيت المبعوث الأميركي بين مراحل الحرب في رفح وتاريخ إجراء الانتخابات الرئاسيّة في الولايات المتحدة الأميركيّة (5 تشرين الثاني 2024)، ما يجعل من رحلة “الهدهد”، دقيقة التوقيت، تعيد الصدارة لفشل الإبادة الجماعيّة الغربيّة بأيدٍ صهيونيّة عن إحراز أهداف الحرب على غزّة، وبالتالي تعزّز من تراجع الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة مع عجز “الكيان المستحيل” عن حماية أمنه ومع التداعي الذي يعانيه. وتبقى الكرة الآن في ملعب المستوطنين وقادتهم على حدٍّ سواء، وهو اختبار جديدٌ من نوعه يشمل كل مكوّنات “الكيان المستحيل”، يحضّ هذا النوع من اختبار الحرب النفسيّة على الهجرة منه، ويعمّق الانقسام داخل مستعمراته (مغتصباته). إذ ثمّة، من يخلص إلى نتيجة قاطعة داخل هذا “الكيان” مفادها أن “الهدهد” من جديد، يضيف إلى طوفان الأقصى وجبهات الإسناد ما يكشف عن ضحالة الاحتلال وأمنه الموهوم، فتتلاشى مع سلب الأمن كلّ سرديّته، فيتهافت موقعه ودوره الوظيفي في منظومة الهيمنة العالميّة والسيطرة الإقليميّة.

 

ألقت المقاومة حلقتها الأولى على جنرالات وخبراء “الكيان المستحيل” وإستراتيجييه، من مسلسل يتبع لها فيه بيانه، ويمنحها الأمين العام لحزب الله بمناسبة مرور أسبوع على ه “أبي طالب” وعدَه وشكرَه للمقاومين ولجمهور المقاومة الأوفياء المضحّين وأشرف الناس، ويفاقمها وعيده للعدو وحلفائه، ويضع نقاطه على حروف الردع والقتال ملمحًا إلى مفاجآته الجديدة. حيث ستجول الهدهد جولتها الجديدة لكن هذه المرّة من حنجرة وإصبع السيد نصر الله فيعيد المراقبون والملحلّلون قراءتهم للحدث، وما النصر إلّا من عند الله.

 

 

المصدر: عبد الله عيسى/ العهد