الأبوّة في مجتمع المقاومة

يُحتفى اليوم حول العالم بعيد الأب، وتحضر صور الآباء على منصات التواصل. كلٌّ يوجّه كلمة لأبيه، أو لروح أبيه. وتمضي أيام الحرب، حيث يمكن للمرء أن يشاهد بوضوح شديد الصورة الأنقى عن مجتمعنا ككلّ، عن الأسرة المقاوِمة بكلّ تفاصيلها، وعلى رأسها الأب، ربّ الأسرة

2024-06-22

كلّما زفّت المقاومة شهيدًا أبًا، يصبح لأولاده في قلب بيئة المقاومة مكانة متميّزة ورفيعة، فيُحاول كلّ فرد بطريقته التعبير لهم عن عمق امتنانه لآبائهم، وعن عظمة الدّين الذي في رقابنا للشهداء الذين أيتموا عيالهم ومضوا إلى ربّهم مجاهدين. وكذلك يصبح لأبيه، أب الشهيد، مرتبة سامية في العين، فمشاهد آباء الشهداء تشكّل مدرسة متكاملة، سواء وهم يتلقّون نبأ استشهاد فلذات أكبادهم، أو وهم يسيرون في تشييع أغلى ما لديهم باعتزاز ممن ”ما رأوا إلّا جميلًا“ أو وهم يخاطبون جمع المهنئين، حامدين الله على نعمة أن يكون من صلبهم شهيد.

 

يُحتفى اليوم حول العالم بعيد الأب، وتحضر صور الآباء على منصات التواصل. كلٌّ يوجّه كلمة لأبيه، أو لروح أبيه. وتمضي أيام الحرب، حيث يمكن للمرء أن يشاهد بوضوح شديد الصورة الأنقى عن مجتمعنا ككلّ، عن الأسرة المقاوِمة بكلّ تفاصيلها، وعلى رأسها الأب، ربّ الأسرة. في هذه الأيام، تستحضر كلمة “الأب” نموذجين عن الأبوّة الأسخى: الأب الشهيد، وأبو الشهيد.

 

النموذج الأوّل يقدّم للعالم كلّه صورة عالية عن الفداء. فالمجاهد الأب الذي يمضي إلى ساحة القتال مؤمنًا بالله وبالحق، يودّع عند باب البيت أطفاله.. أطفاله الذين يعرفون أنّه قد لا يعود. اللحظات التي تجمعهم بأبيهم المقاتل قبل انطلاقه إلى الجبهة تشكّل خزّان مفاهيم ينقلها الوالد إليهم، بدون كلام، ويضعهم من خلالها على المسار الصحيح في فهم الحياة وفي النهج الذي اختاره، وجهّزهم لاختياره: نهج الثورة والفداء ونصرة المستضعفين والدفاع عن الحق وعن الشرف.

 

أمّا النموذج الثاني، والد الشهيد، فيعرّف العالم كلّه ثقافتَنا، عقيدتنا، روحَ المقاومة. بالصلابة التي تتفجّر حنانًا وعزّة، وبالفخر الذي لا يزيده الوجع إلّا رفعة، يتلو آباء الشهداء عند جثامين حبّات عيونهم كلمات تُدَرّس في معاني الصبر والعنفوان والعزّة وفي خوض المرء لأصعب الامتحانات في الدنيا: فقد الابن. نراهم في لحظات الوداع وهم يسكبون كلّ جميل أبوّتهم وردًا في روضة الشهيد.. يحادثون رفاقه.. يقفون كجبال راسخة، صخرها اليقين، وماؤها العذب دموع تغبط شهيدهم وتبارك له حسن الخاتمة.

 

وإلى جانب هذين النموذجين المشرًفين عن الأبوّة في بيئة المقاومة، لا شك تستوقفنا الكثير من النماذج الأخرى: الأب المجاهد الجريح الذي عاد من معركة الحق وقد قدّم خلالها كلّ معاني البذل، الأب الذي يغيب عن أسرة تدعو لعودته سالمًا من الجبهة، يشتاقهم ويشتاقونه، لكنّه وطّن نفسه على احتمال ألّا يلتقوا في الدنيا ثانية.. الأب الذي يجتهد في تربية أبناء مقاومين، يبذل كلّ ما أمكنه كي يراهم “رجالًا”، الأب الذي ينظر في عينيّ ابنه المجاهد ولا يسأله عن عمله، ولكنه بلمعة عينيه يخبره أنك بحمى الرحمن يا ولدي.. نماذج لا تحصى عن الأبوّة المقاومة، تحضر كلّها في “عيد الأب”، وتحتشد جميعها في الذهن فيما يلقي القلب التحية على السيد الأمين ويقول “دمتَ سالمًا يا أبانا..”.

 

 

المصدر: ليلى عماشا/ العهد