في ذكراه السنوية الثالثة والأربعين

الشهيد شمران.. القائد الثائر بوجه الاستكبار والحرمان

 كان الشهيد  الدكتور مصطفى شمران، كما وصفه الامام الراحل روح الله الخميني(قدس)"قائداً عظيماً ومجاهداً مسلماً واعياً. كان يُسطّر الملاحم في ساحات صراع الحق مع الباطل، سواء في إيران أو لبنان...لقد كان مجاهداً تقياً ومعلماً ملتزماً، وبلادنا الإسلامية بحاجة ماسة إليه وإلى أمثاله".

2024-06-23
فهو يُعد من الشخصيات المؤثرة في مسيرة الثورة الإسلامية والمقاومة في المنطقة، ويؤخذ في الاعتبار الجانب العسكري في شخصيته بشكل عام. إلا أن أداءه كان متعدد الأوجه، فبالإضافة إلى نشاطه في مجالات الجهاد والدفاع، نرى أيضاً دوره في المجالات السياسية والعلمية والاجتماعية. من أبرز مآثر حياة الشهيد الدكتور السياسية والاجتماعية تأثيره ودوره المتفرد في تأسيس التجمعات الطلابية ضد نظام الشاه البائد وخصوصاً الاتحاد الإسلامي للطلبة في أميركا في هذه المقالة القصيرة، وبمناسبة مرور ثلاثة وأربعين عاماً (21 حزيران عام 1981 م ) على استشهاده نحاول التعرف على الشخصية الاجتماعية له.
روحية التضحية بالنفس
من أبرز سمات الشهيد شمران في النشاط السياسي والاجتماعي كانت امتلاكه روحية التضحية بالنفس، فهو كان دائمًا يُكرس نفسه للمثل والقيم الدينية والثقافية السامية التي نبعت من الإسلام، ولم يكن جهاده وتضحيته من الرياء والشهرة، بل انسجاماً مع إرادة الله(عزوجل) وأهدافه المقدسة. في كتابات الشهيد الدكتور شمران هناك دائماً حديث عن حب الشهادة، وكان دائماً يحاول حماية الإسلام بالتضحية في ميادين الحرب والدفاع عن الحدود الإسلامية.
الاهتمام بمُثل الثورة الإسلامية
لقد اهتم الشهيد شمران دائمًا بمُثل الثورة الاسلامية في مقابلاته وخطبه وتصريحاته، ويظهر تحليل كتاباته ومقابلاته أنه اعتبر ركائز الثورة الإسلامية في الدين والروحانية، والقيادة والشعب وأكد أن أهداف الثورة الإسلامية تشمل العدالة الاجتماعية، والتخفيف من حدة الفقر، والاستقلال، والحرية، والتحول العقلي والروحي.
خادم الثورة
أمضى الشهيد الدكتور شمران سنوات عديدة من حياته في نشر التفكير الجهادي في المجتمع مع الإيمان بإحداث التغيير. لُقب بـ “خادم الثورة” بسبب الجهود التي بذلها لتعزيز وحماية وتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولم يكن  يهتم في خدمة المجتمع إلاّ برضا الله (عزوجل)، ويتفرغ للأعمال الخيرية وتقديم المساعدات. وقد ورد في مذكرات مختلفة أن الشهيد الدكتور كان يتعاطف مع المحرومين ويحاول دائمًا الدفاع عن حقوق الفقراء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلومين والمحرومين في المجتمع. يتحدث الحاج حسين خليل – نائب الأمين العام السياسي لحزب الله في لبنان – هذا الموضوع، فيقول:””لقد خدم بهذه الطريقة وعمل بجد ودون كلل، وكان يتمتع بشخصية علمية ودينية، وكان قريباً جداً من الفقراء والمساكين، وكان يهتم بالصغير والكبير”.
الاهتمام بالمواضيع الأخلاقية في العلاقات الاجتماعية والسياسية
كانت الأخلاق والروحانية في حياة مصطفى شمران متجذرة في  شخصيته، وهناك أمثلة كثيرة على تعاملاته الأخلاقية في جبهات الحرب، وفي البيئة الأسرية، وفي الساحتين السياسية والاجتماعية، مما يظهر ارتباط الأخلاق بالحياة العملية . وكان في نشاطه الاجتماعي مستسلماً لإرادة الله(عزوجل) ومشيئته، وشكر النعم، والعدل، وطلب الحق، وإنكار الظلم، والزهد، والتواضع، والحرية، وعدم التعلق بالدنيا، والصبر، والرضا، والإحسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعفو والغفران وإدانة النفاق.
طاعة ولي الأمر الشرعي
اعتبرت جهود الشهيد الدكتور شمران، وخاصة ًبعد انتصار الثورة الإسلامية، ومن أجل منع حدوث الانحرافات والمظالم والفجور في المواجهات السياسية الهادفة إلى السلطة، نموذجاً يحتذى به في طاعة الإمام الخميني (قدس)وقيادته وقد نجح في هذا الهدف وفي هذا الطريق، فإن معرفة ورؤية الشهيد شمران جعلته يتجاوز حدود الأنانية ويحقق التميز بطاعة قائد الثورة في ميادين الدفاع والنضال. فهو أعلن من أعماق قلبه: “أنا لا أقول إن الفقيه معصوم من الخطأ، ولكن أمة تثق بأمر الله(سبحانه وتعالى) إلى أمر الفقيه، فلا يسمح الله لذلك القائد أن يخطئ وبطريقة ما يمنحه البراءة.”
يشعر بآلام المحرومين
 تميز الشهيد الدكتور شمران بالرقة والحساسية المفرطة، فكان يتألم من صميم قلبه لآلام المحرومين ويشاركهم عناءهم بعواطفه المستفيضة. وقد كتب هو في مذكراته مصوراً تلك الفترة من حياته، فقال:”عندما كنت عائداً تحت جنح الليل المظلم، شاهدت شخصاً فقيراً يرتجف من البرد القارس وسط ثلوج الشتاء، غير أنه لم يكن بإمكاني أن أعد له مكاناً دافئاً، فقررت أن أقضي تلك الليلة مثله أرتعش من البرد بعيداً عن المأوى، وقد فعلت؛ فقطعت الليل حتى الصباح وأنا أرتجف من شدة البرودة لدرجة أنني أصبت بالمرض الشديد، وما أجمله من مرض”. و”عندما رسب أحد زملائي في الامتحان أخذت أذرف الدموع بحرارة لدرجة أنه شعر بالألم الشديد، فأخذ يهدئ من روعي قائلاً: ليس مهمّاً، لا تحزن إلى هذه الدرجة”.
فحيثما كان الألم والعناء والعمل والمسؤولية والمشاكل والمخاطر، كان الشهيد الدكتور حاضراً؛ فكان يركب الخطر وسط التظاهرات العارمة وأمام اطلاق الرصاص وفي مواجهة الدبابات وفي خضم المسؤوليات الكبرى، وكان دائماً ما يعرض نفسه للخطر من أجل إنقاذ حياة زملائه.
لم يكن يشارك في مراسم الأفراح والمسرات، وكانت سعادته الكبرى في إسعاد الآخرين وتحمل آلامهم، لدرجة أنه كان يشعر بالضيق والقلق عندما تسترعيه الضرورة لحضور أحد الأفراح، لأنه كان دائم التفكير في شقاء البائسين والمحرومين من مثل هذه المتع والمباهج.
النضال المستمر ضد الظلم والاستبداد
ومن صفات الشهيد الدكتور شمران هو النضال ضد الظلم والاستبداد والجرائم ضد الإنسانية. لقد ناضل طوال حياته ضد الظلم والاستبداد الداخلي والخارجي، ولم يقتصر ذلك على إيران فحسب، بل في لبنان ومصر أيضًا. ويشير في هذا الصدد “مهدي أمير كمالي”  القائم بأعمال سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان؛ بالقول”هاجر الدكتور شمران إلى مصر ولبنان بهدف الانضمام إلى حركة العدالة بسبب الحساسيات الخاصة التي كانت لديه تجاه قضايا الإنسان منذ طفولته ومراهقته ومن أجل محاربة الظلم والاستبداد في كل مكان، فهو تجاوز كل العلاقات والتبعيات والأوضاع وانتقل من أفضل مناطق العالم وأكثرها تقدماً إلى إحدى المناطق الجغرافية المنسية أي جنوب لبنان، وأتى إلى المحرومين والمظلومين والذين ليس لديهم أحد إلا الله (سبحانه وتعالى)، لتقديم يد العون لهم ومساعدتهم للتحرر من العدو الداخلي والخارجي”.
وفي هذا الإطار قال الامام الخميني (قدس) في تأبينه: ” فقد شعبنا المحب للشهيد جندياً (الشهيد شمران) صنع ملحمة على جبهات المعركة مع الباطل، سواء في لبنان أو في إيران، ورفاقه. وكان شعارها عز الإسلام وانتصار الحق على الباطل”.
لم يحد النضال من أجل الحق والدفاع عنه في مواجهة الطواغيت في قاموس الشهيد شمران أي زمان أو مكان، بل فرضته الحاجة إلى أمثاله، فتخلى طوعاً وبإرادة واعية صادقة همها التقرب الى الخالق بخدمة عباده عن شهوة الشهرة وبريق الأضواء، وعن الخيارات الواسعة المفعمة بالترغيب والاغراءات، ليكون قريباً من ميادين الجهاد وأبطالها بالدم والفكر والقلم والسيف والبندقية وبالصبر والأناة.
وقد كتب الدكتور الشهيد شمران عن هذا الموضوع في مذكراته، فقال: “لقد كنت أحيا حياة ًرغدة في أمريكا، وكنت أملك شتى الإمكانات، ولكني طلقت اللذائذ ثلاثاً وذهبت إلى جنوب لبنان حتى أعيش بين المحرومين والمستضعفين وأتذوق فقرهم وحرمانهم وافتح قلبي لاستقبال آلام وهموم هؤلاء البؤساء. لقد أردت أن أظل دائماً في مواجهة خطر الموت تحت القنابل الصهيونية، جاعلاً لذتي الوحيدة في البكاء وأنا أبث السماء آهاتي الحارقة في سكون الليل وظلمته، وحيث إنني عاجز عن مد يد العون لهؤلاء المظلومين المسحوقين فيمكن أن أواسيهم بالحياة بينهم كما يعيشون فاتحاً أبواب قلبي لاستقبال حزنهم وشقائهم.
المصدر: الوفاق