إلى الحرب..

أي متابع جيد لحروب الكيان والظروف التي نشبت بسببها، سيخرج بيقين وحيد، وهو أن هدف "الردع" الصهيوني لم يكن في يوم خيار الأوقات الصعبة بل كان - بالأساس - مطلب ضرورة البقاء

2024-06-23

“إنها الحرب..

قد تثقل القلب

لكن خلفك عار العرب

لا تصالح.. ولا تتوخَّ الهرب”.

أمير شعراء الرفض العرب- أمل دنقل- في نبوءته العابرة للأزمان والشخوص والأماكن “لا تصالح”.

 

بعنف وحماس جنوني بدأت حكومة العدوّ الصهيوني دق طبول الحرب. الجنون الآن هو الحاكم الأول للكيان المرتعش فاقد الثقة بفعل حرب استنزاف هائلة وجد نفسه قد وقع فيها، وبعد 9 شهور من حرب “اللا – هدف” التي يخوضها نتنياهو وجيشه في غزّة، فإن المهووس قد قرر أن يفتح جبهة حرب أخرى في لبنان وأمام حزب الله، عله يصادف نصرًا من نوع ما، يستطيع تعويمه وإبقاءه على كرسي السلطة، وكذلك يرمم صورة الكيان التي تمزقت في أنفاق غزّة وعلى يد أبطال المقاومة فيها. هذا الاتّجاه ليس غريبًا تمامًا على العقيدة الصهيونية شديدة العدوانية ولا عن نتنياهو، فالتاريخ حافل بمثل هذه الحماقات والمجانين.

 

أي متابع جيد لحروب الكيان والظروف التي نشبت بسببها، سيخرج بيقين وحيد، وهو أن هدف “الردع” الصهيوني لم يكن في يوم خيار الأوقات الصعبة بل كان – بالأساس – مطلب ضرورة البقاء. في هذه النقطة سيظهر أن كلّ الحروب العربية – الصهيونية كانت حروبًا بالتوقيت الصهيوني، عدا حرب 1973، والتي تكفل صلح السادات الأسود بإفشالها وتبديد ثمارها، ثمّ تكفلت تطوّرات الحرب ذاتها بكسر الجيوش العربية، وانتهى القتال فعلًا بمفاوضات فك الاشتباك بين الجيشين المصري والصهيوني على بعد 101 كيلومتر من العاصمة المصرية، ثمّ جرت مفاجأة الكيان في معركة طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لكن الفارق أن الكيان، ورغم كلّ ما توفر له من حلفاء ودعم وتغطية، لم يتمكّن من رتق الجرح الذي أصابه على أطلال غزّة.

 

هذا الوقت الذي بلغت فيه الأطراف الفاعلة في المنطقة اللحظة الحرجة لصدام واسع يقتضي أولًا الالتفات إلى خطاب سماحة السيد حسن نصر الله يوم 19 حزيران الجاري، الذي جاء استباقًا لنية عدوان صهيوني، مكشوف وسافر، محذرًا العدوّ من هذا السيناريو، والشاهد أن عددًا من المسؤولين بالكيان خرجوا ببالونة اختبار عن إنهاء العدوان على غزّة بإعلان نجاح الجيش الصهيوني في كسر الذراع العسكري لـ “حماس”، قبل أن يحشد قوته لضربته التي يريدها في لبنان.

 

الذهاب إلى حرب عدوانية جديدة بالنسبة للعدو صار قدرًا واقعًا. هو لا يتحمل فكرة الهزيمة من الأصل، وصدقت المقولة الشهيرة إن “الحرب الحاسمة لـ”إسرائيل” هي الحرب الأولى وليست الأخيرة”، وطوفان الأقصى مثلت ضربة قاضية لجذر فكرة بقاء هذا الكيان، وإذا ما كان البعض لا يزال يجادل بأن الكيان استطاع الاستمرار في الحرب بزخم واندفاع لمدة تقترب من 9 شهور، فإن هذا القول تجنٍّ على الحقيقة وافتراء على الواقع، فميدان القتال الذي اختاره العدوّ هو مدينة غزّة المحاصرة الصغيرة، المقطوعة عن كلّ محيطها، وطول أيام القتال في هذا الظرف يُحسب لغزّة، لا عليها.

 

أما وقد فشل الصهيوني في تحقيق أي هدف، أو شبه هدف، فإنه سيتّجه إلى ميدان جنوب لبنان، فيما يتصوره نتنياهو نصرًا حاسمًا بعد معركة سريعة، واهمًا بأنها مغامرة طموحة تستحق التكاليف، وهو في ذلك أقرب إلى وضعية مقامر طماع يوشك على الإفلاس فيضع كلّ أمواله في دورة ضياع جديدة، وستضيع بحسابات العقل والمنطق، وأكثر من ذلك، بحسابات الضمير الذي وقف ليعاين بانشداه وذهول تامّين هول الفظائع المروعة التي ارتكبها العدوّ في غزّة، ويرجو من الله أن يشفيه بثأر عظيم من حثالة البشرية وأدرانها ومرضها الخبيث، الضمير الجمعي للأمة سيرفض تجاوز غزّة دون عقاب، لأن النسيان هنا هو الجريمة بذاتها، أو أدق تعبير عن حالة القتل العمد للإنسان، بينما الذاكرة المتيقظة هي الشاهد الأول على أن الأمة لا تزال حية، وهي حية وتنبض.

 

ما هو يقيني في مسألة الكيان هو إنه يرفض فكرة الهزيمة لأنه لا يملك دفع ثمنها، هو أصلًا روج وجوده بأنه “ملجأ آمن” لكل يهودي على هذه الأرض، وبالتالي فإن كسر هذه الأسطورة سيجعل من كلّ فكرة زائفة تدور حول الكيان افتراضات قابلة للدحض والتشكيك، لذا فإنه سيتّجه إلى فتح جبهة لبنان، مستفيدًا من الفراغ الانتخابي الأميركي، الذي يحرر نتنياهو من الرضوخ لمطالب وضرائب المصالح الأميركية المتشابكة – والعارية – في المنطقة، ومدفوعًا أكثر بالرغبة المحمومة لدى حكام العار العرب، الذين لا يتصورون حربًا تنتهي بنصر المقاومة، لأنها ستعني فورًا نهاية قريبة لعروشهم الذيلية التابعة.

 

في ما يخص حزب الله، وما يمكننا من قوله بثقة تامة فإن هذا الطريق الجبار والذي يقترب من العام الـ 42، لا يستطيع نتنياهو ولا الكيان ولا أميركا كسره أو إخضاعه.

 

لم يكن الحزب يؤسس جماعة مقاومة ولا ميليشيا عسكرية ولا جيشًا صغيرًا بل كان يؤسس تيار مقاومة، فبيئة مقاومة، ثمّ درعًا جهاديًّا ثوريًّا لهذه البيئة الروحية الخالصة، كان يؤطر ذلك النور الإلهي الذي فاض على بقعة شريفة من الأرض العربية، فزادها رفعة وسموًا، وقبل كلّ شيء، رسخ حزب الله لنظرية استراتيجية مبتكرة وجديدة تمامًا للمقاومة وهي “المفاجآت”، وهي التي تقض مضجع العدوّ اليوم. من كان يعرف فعلًا قبل طوفان الأقصى أن الحزب يمتلك هذه الترسانة المخيفة من الصواريخ، الثقيل منها والخفيف، والمسيرات والقذائف الموجهة والطائرات وإمكانيات التجسس المتطورة والإعاقة الإليكترونية، ربما بأكثر مما لدى جيوش الشرق الأوسط مجتمعة، وما الذي قد يفاجئ به رجال الله في الميدان جيش القش الصهيوني المهزوم في غزّة؟

 

لم يتعلم الكيان الغبي شيئًا على الإطلاق من مواجهاته مع الحزب، الحرب الخاطفة والنصر الحاسم السريع وانهيار الجبهة بغارات جوية تستهدف الرأس. تصلح مع جيوش عربية بليدة. نظرية الأمن الصهيوني حطمها ببهاء البطل الأسطوري أحمد قصير، في لحظة من نهار، فقط. وبالنظر إلى تاريخ مواجهات حزب الله والكيان الهش، يمكننا الخروج بنتيجة مجردة وهي أن حزب الله ليس عصا غليظة قادرة على كسر عظام الكيان في جغرافية لبنان، فقط، لكنّه سيف ساطع من نور ونار، يستطيع تمزيق أحشائه في معقل الصراع الأساس، أي فلسطين نفسها.

 

 

المصدر: أحمد فؤاد/ العهد

الاخبار ذات الصلة