في خضم التحولات الجيوسياسية

ما هي التحديات التي تواجه هوية ألمانيا السياسية والإقتصادية؟

في خضم التحولات الجيوسياسية العالمية المتسارعة، تجد ألمانيا نفسها في مواجهة تحديات وجودية تمس جوهر هويتها السياسية والاقتصادية. فالبلد الذي طالما اعتبر نموذجاً للاستقرار والازدهار في أوروبا، يواجه اليوم اختبارات صعبة تهدد أسس نجاحه التاريخي.

2024-06-23

تأتي هذه التحديات في وقت يشهد فيه العالم تغيرات دراماتيكية في موازين القوى الدولية، وتصاعداً في التوترات الإقليمية، وتحولات عميقة في الاقتصاد العالمي. وسط هذه الاضطرابات، تجد ألمانيا نفسها مضطرة لإعادة تقييم مواقفها وسياساتها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

 

في ظل هذه الظروف المعقدة، تبرز أسئلة ملحة حول قدرة ألمانيا على التكيف مع الواقع الجديد، ودورها المستقبلي في أوروبا والعالم.

 

 

ألمانيا والركائز الأربع

 

منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية قبل خمسة وسبعين عامًا، استندت الدولة على أربع ركائز. واليوم، لم يعد أي منها أمرًا مسلمًا به.

 

الركيزة الأولى هي المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة منذ عام 1945. بدونها، لم تكن ألمانيا ولا أوروبا لتزدهر أو تنعم بالاستقرار.

 

الركيزة الثانية هي الاتحاد الأوروبي. من الناحية النفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، دمج الاتحاد الأوروبي ألمانيا الغربية بعد الحرب وفيما بعد ألمانيا الشرقية في الغرب.

 

الركيزة الثالثة هي – أو كانت – روسيا. خلال أواخر الستينيات، أصبحت ألمانيا مناصرة للانفراج مع الكرملين. كانت حريصة على إقامة علاقة خاصة مع موسكو، معتقدة أن العلاقات الاقتصادية الوثيقة ستؤدي إلى علاقات أكثر استقرارًا وربما تعزز “التغيير” في روسيا. كانت الطاقة عنصرًا رئيسيًا يدعم هذا التقارب.

 

الاعتماد على الطاقة الروسية، كان له اثر رجعي،حيث لعب دورًا رئيسيًا في تأخير ألمانيا عن تحديث اقتصادها. لم توفر مصادر الغاز الروسي الرخيصة والموثوقة أي حافز للابتعاد عن نموذج لم تكن فيه الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل قطاعات الكيماويات والصلب والسيارات، بحاجة للقلق بشأن إمدادات الطاقة الخاصة بها.

 

الركيزة الرابعة هي دعم ألمانيا الثابت للكيان الصهيوني. و العدوان الأخير على غزة يختبر هذه الرابطة الخاصة.

 

هذه الركائز الأربع لم تعد أمرًا مسلمًا به. وكيفية تكيف ألمانيا مع الحقائق الجديدة سيؤثر على الاتجاه المستقبلي للاتحاد الأوروبي.

 

 

تحديات مصيرية

 

سيستمر إلتزام الولايات المتحدة تجاه أوروبا ولكن بطريقة مختلفة. ستضطر أوروبا إلى تحمل مسؤولية أكبر بكثير عن دفاعها. ومع ذلك، لم تدرك ألمانيا بعد حتمية وضرورة هذه الحقيقة. إن “نقطة التحول” التي أعلن عنها المستشار أولاف شولتز بكثرة، والتي تم الإعلان عنها بعد الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، تعيقها البيروقراطية، ونزاع حول تحديث القوات المسلحة، ومناقشات غاضبة حول كيفية تمويل الأمن. الحكومة ليس لديها حتى الأموال اللازمة لتمويل اللواء الموعود المكون من 5000 جندي لليتوانيا كجزء من جهود الناتو لتعزيز هذا الجناح من التحالف.

 

ستبقى ركيزة الاتحاد الأوروبي لألمانيا. ومع ذلك، فإن الاتجاه غير واضح. شولتز، مثل سلفه أنجيلا ميركل، ليس لديه نظرة استراتيجية فيما يتعلق بالمزيد من اندماج الكتلة. كما أنه لا يربط مستقبل العلاقة عبر الأطلسي بمستقبل الاتحاد الأوروبي.

 

هذا الافتقار إلى بوصلة استراتيجية لأوروبا ودفاع القارة يؤثر على العلاقة مع روسيا. عندما أجبرت اميركا واوروبا ألمانيا على إنهاء اعتمادها على الطاقة الروسية، ارتفعت أسعار الطاقة في ألمانيا ودفعت برلين إلى الإسراع في الانتقال إلى الطاقات المتجددة. وفوق كل شيء، كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن نقاط الضعف الهائلة في الاقتصاد الألماني.

 

سمح الغاز الروسي الرخيص للصناعات كثيفة استهلاك الطاقة بتأجيل إزالة التصنيع. وبينما تسارعت الصين والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية في إعادة تجهيز صناعات السيارات وغيرها، توقفت ألمانيا. إنها الآن في سباق لاستعادة القدرة التنافسية. ومع ذلك، تُظهر دراسات لا حصر لها كيف أن البيروقراطية الضخمة واللوبيات القوية تخنق الابتكار والمرونة. الرقمنة البطيئة بشكل سيئ السمعة، بما في ذلك نقص الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، هي مجرد مثال واحد على ذلك. لقد أفسد الاعتماد على روسيا ألمانيا.

 

الركيزة الرابعة، علاقة ألمانيا بالكيان الصهيوني، يتم اختبارها على خلفية العدوان الصهيوني على غزة. المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الألمانية غالبًا ما تحمل شعارات معادية للكيان الصهيوني. والأهم من ذلك، كيف ستتفاعل برلين إذا وافق قضاة المحكمة الجنائية الدولية على دعم مذكرات الاعتقال لقادة الكيان الصهيوني؟

 

وما يسبق العدوان على غزة هو تزايد الخطاب المعادي للإسلام والمعادي للمهاجرين. كان قرار ميركل بمنح اللجوء لأكثر من مليون شخص فروا من الحرب في سوريا هدية لحزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف. لقد لعب ورقة معاداة المهاجرين، جنبًا إلى جنب مع التعاطف مع النازية الجديدة قبل انتخابات البرلمان الأوروبي.

 

هذا الخطاب أصبح مرتبطًا بالعنف السياسي. لا يكاد يمر يوم دون تعرض السياسيين المحليين للهجوم أو المضايقة. كما يتعرض السياسيون البارزون للاعتداء الجسدي واللفظي. خطاب حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف واليسار المتطرف يغذي الكراهية ويساهم في استقطاب للمجتمع لم يشهد له مثيلاً منذ عقود.

 

ركيزة الاتحاد الأوروبي تتعرض للهجوم من قبل حزب البديل من أجل ألمانيا. ملصقات حملة الحزب لانتخابات البرلمان الأوروبي تدور حول وجود ألمانيا للألمان. لندع جانبا حقيقة أن مرشحها الرئيسي اضطر للاستقالة بعد مزاعم التجسس لصالح روسيا والصين، هذه الانتخابات تكشف عن خطوط الصدع في بلد كان فيه دعم الاتحاد الأوروبي أمرًا مسلمًا به.

 

تقع المسؤولية على عاتق شولتز للقيادة. عدم قدرته على التواصل بشأن “أوروبا” يتسق مع عدم قدرته على قيادة ألمانيا خلال هذه الأوقات المضطربة. حتى لو كان هناك تفكير رغبوي بأن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه، فلا عودة إلى الوضع السابق. شولتز وائتلافه غير مستعدين لمواجهة هذا الواقع،وهذه أخبار قاتمة لأوروبا.