معضلة “إسرائيل” في غزة

تقترب الحرب الصهيونية على غزة من شهرها التاسع، ولا تزال غزة تشكل معضلة إسرائيلية مستعصية على الحل. وبقي شعار بيبي نتنياهو، "النصر المطلق "، شعاراً أجوفَ بات يتناوله الإسرائيليون بنوع من السخرية والتندّر في منصات التواصل الاجتماعي، ليس لأن أهداف نتنياهو وحكومته المعلنة، في العاشر من أكتوبر، لم تتحقق حتى الان فحسب، بل أيضاً لأن اليأس والعجز من تحقيقها باتا مسيطرَين على قناعات المستوى العسكري والجنرالات الحاليين والسابقين، بالإضافة إلى النخب والمعارضة وقطاع واسع من "المجتمع" الصهيوني أيضاً.

2024-06-29

لم يعد يتمسك بشعارات الحرب وأهدافها، الأقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، إلا حفنة من اليمين الإسرائيلي الشعبوي، ويتساوق مع هذه الحفنة نتنياهو، ليس عن قناعة، بل من أجل المحافظة على الائتلاف اليميني الحاكم، الأمر الذي دفع نتنياهو إلى نشر تصريحين متناقضين خلال 24 ساعة.

 

الأول خصّه حصرياً بالقناة الـ”14″، المحسوبة على جمهور اليمين، ويؤكد التزامه فقط المرحلة الأولى من مبادرة جو بايدن، وهدنة موقتة، من أجل الإفراج عن عدد من الأسرى، ثم العودة إلى الحرب للقضاء على المقاومة. والثاني تراجع فيه عن تصريحه، وأكد التزامه العلني، للمرّة الأولى، الورقةَ الإسرائيلية التي أعلنها بايدن.

 

مفهوم النصر الصهيوني المطلق في الحرب يعني النجاح في إخضاع المقاومة، الأمر الذي يقتضي قبولها كل شروط الاستسلام الإسرائيلية، والتي تبدأ بإعلان قيادة المقاومة الاستسلام والهزيمة في الحرب، مروراً بتسليم الأسرى من دون شروط، ونفي قيادة المقاومة إلى الخارج، وليس انتهاءً بنزع سلاح المقاومة وتفكيك خلاياها، وإنشاء إدارة مدنية عميلة للاحتلال، في مقابل وقف الحرب.

 

وعكست تصريحات قيادة مجلس الحرب الصهيوني، عند إعلان الحرب على غزة، تصميماً واضحاً على تحقيق نصر حاسم ينتهي بالقضاء على المقاومة، مرة واحدة وإلى الأبد، كي لا تشكل غزة أي تهديد على “إسرائيل” في المستقبل. وتناوب يوآف غالانت، وزير الأمن الصهوني، وبيبي نتنياهو وبيني غانتس، المؤتمرات الصحافية، التي تؤكد أن مصير المقاومة، قيادةً وعناصرَ، عسكريين وسياسيين (ولا فارق بين من يرتدي الزي العسكري وربطات العنق، بحسب غالانت)، هو الموت أو الاستسلام.

 

لا شك في أن حكومة نتنياهو كانت تُمنّي نفسها بإمكان تحقيق أهداف الحرب، وأن تنجح في إخضاع المقاومة تحت وطأة الضغوط العسكرية والإبادة الجماعية والحصار الاقتصادي وحرب التجويع والتكلفة المرتفعة وغير المسبوقة، بشرياً ومادياً، والرهان على الفوضى الداخلية في الشارع الغزي، وتحريك الجمهور الفلسطيني المنهَك من القتل والدمار والجوع في وجه المقاومة ومؤسساتها المسؤولة عن إدارة شؤون الناس، الأمر الذي يؤدي إلى فتنة داخلية، بيد أن سياسات الإخضاع والفوضى والاقتتال الداخلي فشلت، الأمر الذي اضطر نتنياهو إلى الاعتراف بأن خطط إنشاء أجسام من العائلات الفلسطينية مرتبطة بالجيش الصهيوني فشلت، ويجري البحث عن بدائل أخرى.

 

إن سياسة الضغط العسكري المكثّف لم تفشل فقط في إخضاع المقاومة، بل فشلت أيضاً في تحقيق مجرد نجاح جزئي في تنازل المقاومة عن شروطها المعلنة، منذ بدء الحرب، وهي إنهاء الحرب، ووقف إطلاق النار، وانسحاب كامل من قطاع غزة، وعقد صفقة تبادل مشرّفة للأسرى، بل ما حدث هو تراجع في المواقف الصهيونية، وتصدع في مجلس الحرب، بعد انسحاب بيني غانتس وغادي آيزنكوت من المجلس، وتعارض في المواقف والرؤى بين المستويين السياسي والعسكري، وتفاقم ظاهرة الانقسام العميق داخل “المجتمع الصهيوني”.

 

وباتت حكومة “إسرائيل” معزولة دولياً، ومنبوذة عالمياً، وملاحَقة قانونياً. كما فشلت “إسرائيل” في وقف حرب الاستنزاف في الجبهة الشمالية وجبهات أخرى في العمق (إيران، اليمن، العراق)، وباتت الحرب أقرب إلى التوسع من أي وقت مضى.

 

عكست تصريحات المتحدث باسم الجيش الصهيوني، دانيال هاغاري، مؤخراً، المعضلة التي تواجهها “إسرائيل” في غزة، والتي تتحول بالتدريج إلى مأزق استراتيجي، فلقد اعترف هاغاري بأن هدف القضاء على المقاومة لا يمكن تحقيقه.

 

كما عكست أقلام أبرز الكتاب الإسرائيليين نوعاً من الإحباط من تحقيق أهداف الحرب، الأمر الذي دفعهم إلى المطالبة بتحديث أهداف الحرب، لأن “إسرائيل “تغرق في حرب استنزاف في غزة على شاكلة الحرب الأميركية في فيتنام، والحرب الصهيونية على جنوبي لبنان، وأن “إسرائيل ” باتت في ورطة كونها لا تستطيع التعامل مع الواقع المفاجئ، والذي نشأ بعد السابع من أكتوبر، كونها لا تمتلك أيّ خطط استراتيجية للتعامل مع غزة.

 

إن المصطلحات، التي تردّدت على ألسنة القادة العسكريين والسياسيين في “إسرائيل”، لا تمتّ إلى الواقع بصلة. وأيقنت مختلف الأوساط الصهيونية بأن مصطلحات “النصر المطلق” و”تفكيك كتائب المقاومة” و”إلحاق الهزيمة بالمقاومة” هي مجرد أوهام، لأن المواجهة تجري مع مقاومة فلسطينية غير معزولة، بل تتمتع بنفوذ وتأثير كبيرين داخل المجتمع الفلسطيني، كما أنها ذات خلفية أيديولوجية متماسكة.

 

إن المعضلة الأكبر، التي تواجه “الجيش” الصهيوني في الحرب الجارية على غزة، أنها تحولت إلى النمط الذي تجيده حركات المقاومة، وهو نمط حرب العصابات التي تدور في بيئة مواتية للمقاومة، ووسط تعاطف كبير من حاضنتها الشعبية. وتقدّر الأوساط الصهيونية أن المقاومة بدأت استعادة بناء قدراتها العسكرية والبشرية، والاستمرار في التعرّف إلى خطط الجيش الصهيوني، الأمر الذي يؤدي إلى نجاحها في تنفيذ عمليات عسكرية ناجحة، وإيقاع الخسائر في صفوف القوات الصهيونية.

 

إن المأزق الصهيوني في غزة يتمثل بأن نظرية المقاومة تقوم على الصمود والصبر وتحمّل التضحيات والتكلفة العالية والنفَس الطويل والقدرة على امتصاص الخسائر، مهما كانت باهظة الثمن، بينما لا يستطيع “الجيش” الصهيوني، في المقابل، تحقيق نصر كلاسيكي، ولا يتمتع “المجتمع الصهيوني” بالقدرة على تحمل المواجهة المفتوحة وخوض معركة استنزاف طويلة، تؤثر فيه، بشرياً واقتصادياً ونفسياً، واستراتيجياً، الأمر الذي يضع “إسرائيل” بين خيارين، أحلاهما مُرّ.

 

الأول أن تتمتع بواقعية أكبر وتستجيب لصوت العقل الداخلي والعالمي، حتى تتمكن من مواجهة مأزقها في غزة، الأمر الذي يتطلب منها قبول صفقة مع المقاومة، حتى لو كان ثمنها إنهاء الحرب والانسحاب الكامل من غزة، وهذا يعني فشل الحرب على غزة. والخيار الثاني الاستمرار في حرب الاستنزاف في غزة، ولبنان، وجبهات أخرى، والاستعداد لسيناريو الحرب المفتوحة، الأمر الذي يعني الحكم على “إسرائيل” بمصير مجهول.

 

المصدر: الميادين/ وسام أبو شمالة

الاخبار ذات الصلة