بعد خروج معظم المستشفيات عن الخدمة.. مرضى دارفور يلجأون إلى “رحلات الموت”

يواجه آلاف المرضى في إقليم دارفور خطر الموت، بعد أغلقت أمامهم كافة منافذ تلقي العلاج، وصارت دولة جنوب السودان الوجهة الوحيدة المتاحة لهم في الوقت الحاضر، ويصلونها عبر طرق برية مليئة بالمخاطر.

2024-06-30

 

لم يتبق لأحمد فضل الله وهو أحد مرضى السرطان في إقليم دارفور غربي السودان، خياراً غير خوض ما يعرف بـ”رحلة الموت” إلى دولة جنوب السودان، والتي قطع خلالها آلاف الأميال عبر طرق برية وعرة، وكل ذلك في سبيل الحصول على العلاج اللازم، بعد أن توقفت كافة المستشفيات في منطقته نتيجة القتال الدائر لأكثر من عام بين الجيش وقوات الدعم السريع.

 

دخل فضل الله في مغامرة الانتقال إلى دولة جنوب السودان، بجسده النحيل المنهك بسبب انتشار مرض السرطان فيه، حيث مضى وقت طويل على انقطاع برنامجه العلاجي، ووجد نفسه مضطراً للسفر بالسيارات وعبر طريق ترابي غير مسفلت، وقطع مسافة تتجاوز الـ2000 كلم من مدينة الضعين ولاية شرق دارفور إلى العاصمة جوبا.

 

وهي رحلة قاسية حتى على الأشخاص الأصحاء، لكنه سلكها بعد أن فشل في الحصول على أبسط أنواع الرعاية الطبية في إقليم دارفور المضطرب، ويشتد ألمه مع تطاول الوقت، بينما تستمر المعارك العسكرية ولا صوت يعلو على الرصاص والمدافع في منطقته، وتنعدم المسارات الإنسانية، وبعد 5 أيام سيراً في الطرق الوعرة تمكن من الوصول إلى جوبا، وبدأ برنامجا علاجياً، وكاد أن يفقد حياته وفق ما يرويه إلى الميادين نت.

 

ويواجه آلاف المرضى في إقليم دارفور المصير نفسه، بعد أغلقت أمامهم كافة منافذ تلقي العلاج، وصارت دولة جنوب السودان الوجهة الوحيدة المتاحة لهم في الوقت الحاضر، ويصلونها عبر طرق برية مليئة بالمخاطر، مثل طول الطرق وانتشار عصابات النهب، بينما لا يستطيعوا السفر إلى شرق البلاد حيث توجد رعاية طبية نسبية، وذلك نتيجة لقيود أمنية وانعدام المسارات الآمنة.

 

 

اضطراب شامل

 

وتحول إقليم دارفور غربي السودان إلى بؤرة مضطربة ومنطقة كوارث شاملة تنعدم فيها الملاذات الآمنة، مما قاد إلى خروج العديد من المؤسسات العلاجية عن الخدمة، بينما تعاني المشافي التي ما تزال تعمل من نقص الأدوية والكوادر الطبية التي اضطرت إلى النزوح داخل وخارج الإقليم.

 

وتسيطر قوات الدعم السريع على 4 ولايات من أصل خمس في دارفور، وما تزال تقاتل للاستيلاء على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور وهي آخر معاقل الجيش في الإقليم

الغربي، الشيء الذي قاد إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية والصحية في المنطقة، إذ كانت تمثل مركزاً للنازحين ومرجعاً للخدمات العلاجية لكافة مواطني الإقليم.

 

 

ومع تراجع الخدمات العلاجية في إقليم دارفور، بدأ أحمد فضل الله مغامرة السفر براً إلى دولة جنوب السودان طلباً للعلاج من مدينة الضعين في ولاية شرق دارفور، وبعد ثلاثة أيام وصل إلى منطقة أبيي الحدودية، لكنه لم يجد أي رعاية طبية، فالمستشفيات جميعها هناك محدودة الإمكانيات، وأبلغه الأطباء أنهم يستقبلون الحالات الطارئة فقط، وعليه التوجه إلى العاصمة جوبا.

 

كان الإرهاق يتملك فضل الله، ولم يعد بمقدوره مواصلة الرحلة، لكنه آثر على نفسه مع شدة الألم الذي أحال جسده إلى نار مشتعلة، وسلك مجدداً طريق الموت من منطقة أبيي الحدودية إلى العاصمة جوبا التي وصل إليها بعد 4 أيام عبر طرق وعرة وغير مسفلتة، ووصل إلى وجهته بعد عناء واستنزاف مالي كبير، حسب ما يرويه بحزن إلى الميادين نت.

 

ويقول: “كان معي في الرحلة عدد من الأشخاص يعانون أمراضاً مختلفة، وقد توفي أحدهم داخل السيارة نتيجة للتعب والإرهاق الذي أصابه من جراء طول الطريق وصعوبته، بينما عاد آخرون من منطقة أبيي الحدودية بآلامهم إلى إقليم دارفور مجدداً، فلم يتمكنوا من المواصلة إلى العاصمة جوبا بسبب التكاليف المالية. لقد رأيت الموت بعيني، لكن كتبت لي النجاة”.

 

 

رحلات قسرية

 

وتفاقم تدهور الأوضاع الصحية في دارفور بعد انتقال الحرب إلى مدينة الفاشر في شهر أيار/مايو الماضي، فقد كانت تضم مستشفيات مرجعية يقصدها كل سكان الإقليم، لكنها خرجت عن الخدمة بسبب العمليات العسكرية، بما في ذلك مستشفى متخصص في علاج الأطفال، كما اضطرت منظمات معنية بالدعم الطبي تعليق أنشطتها مثل منظمة أطباء بلا حدود الفرنسية.

 

وغادر المرضى مستشفيات الفاشر العاصمة التاريخية لإقليم دارفور إلى مدينة الضعين شرقي الإقليم طلباً للعلاج، لكن المشافي في تلك البلدة تعاني شحاً في الأدوية، ونقص في الأطقم الطبية التي اضطر غالبيتها إلى النزوح من نيران الحرب، لذلك يحول الأطباء المرضى إلى دولة جنوب السودان لتلقي العلاج.

 

وخاض الطيب حمدان المغامرة نفسها، حيث كان يتلقى العلاج في المستشفى الجنوبي في مدينة الفاشر، لكن المشفى تعرض إلى عمليات قصف مدفعي عشوائي مطلع حزيران/يونيو الجاري؛ مما أدى إلى خروجه عن الخدمة، الأمر الذي دفعه للمغادرة إلى الضعين شرقي الإقليم، فوجد المنطقة تعيش وضعاً صحياً شديد التدهور، وتكدس آلاف المرضى من دون علاج.

 

ويقول حمدان في حديثه إلى الميادين نت: “نعاني ألماً في البطن، واضطررت للسفر إلى جنوب السودان عن طريق المعبر الحدودي، وقد واجهت مخاطر كبيرة، فهناك انتشار لأعمال النهب وسماسرة الطريق، إلى جانب أن الرحلة مكلفة مالياً حيث تبلغ تذكرة الشخص الواحد 100 ألف جنيه نظير الوصول إلى النقطة الحدودية فقط، كذلك فهي مليئة بالمخاطر والإرهاق”.

 

ويضيف: “لقد شهدت معاناة بالغة عاشها الأشخاص الذي رافقوني على الرحلة نفسها إلى دولة جنوب السودان، خاصة المرضى وهم غالبية المسافرين، فهي مغامرة قاتلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. بلغت مأساتنا ذروتها”.

 

 

مغامرات متواصلة

 

وبرغم المخاطر يستمر مواطنو إقليم دارفور في مغامرات السفر البري إلى دولة جنوب السودان. ويقول عمر أبكر، أحد موظفي وكالات السفر في حديث إلى الميادين نت، إنهم يسيرون رحلتين من مدينة الضعين بولاية شرق دارفور إلى الحدود الجنوبية يومياً، وهناك تزايد كبير في أعداد المسافرين وغالبيتهم من المرضى.

 

ويضيف: “نشهد حركة كبيرة ورغبة متزايدة للسكان من مختلف أنحاء إقليم دارفور نحو جنوب السودان، بعضهم مرضى طالبين للعلاج وآخرين يريدون اللجوء إلى دول الجوار هرباً من أعمال العنف، فالجميع يسارعون إلى المغادرة الآن قبل حلول فصل الخريف، فإذا هطلت الأمطار ستغلق الطرق البرية، فرغم مخاطرها لن تكون متاحة”.

 

وأطلقت اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان قبل أيام نداء إنسانياً إلى المجتمع الدولي من أجل إنقاذ الوضع الصحي في إقليم دارفور مع تنامي استهداف المراكز الطبية وأطقم المنظمات الإنسانية العاملة في المجال الطبي، وشددت على أن مواطني الإقليم لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات العلاجية في ظل تصاعد الأعمال القتالية.

 

ويقول الصحافي المقيم في مدينة الضعين محمد صالح البشر إلى الميادين نت، إن المرضى في إقليم دارفور يعانون بشدة، فهناك العشرات يموتون بسبب عدم وصولهم إلى العلاج، طوال الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب لم تصل أي أدوية إلى دارفور، فبعد توقف العديد من المشافي لم يعد هناك خيار غير السفر إلى جنوب السودان.

 

ويضيف صالح: “هذه الرحلات مكلفة للغاية، وتفوق مقدرة سكان إقليم دارفور الذين توقفت أعمالهم ومصالحهم بسبب الحرب، وهذه المعاناة سوف تتفاقم بسبب احتمالات تفشي الأمراض والوبائيات خلال فصل الخريف، إلى جانب الأمراض المزمنة الموجودة أصلاً، فضلاً عن احتمال تزايد حالات سوء التغذية خاصة وسط الأطفال، مما يستوجب تدخل المنظمات الدولية وفتح المسارات لوصولها”.

 

وقادت الحرب المحتدمة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ منتصف نيسان/أبريل من العام 2024، إلى انهيار شبه كامل في القطاع الصحي، حيث خرجت أكثر من 75 بالمئة من المؤسسات الطبية عن الخدمة، بينما تعاني التي ما زالت تعمل من شح في الأدوية ونقص الكوادر الطبية التي اضطرت للنزوح داخلياً، ولجأ بعضهم إلى الخارج.

 

مرتضى أحمد