من فجَّر أنابيب نورد ستريم الروسية؟

بعد 20 شهراً على وقوع الهجوم، صدرت أدلة جديدة تفيد بأن الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً وكالة استخباراتها "سي آي إي"، هي التي خططت ونفذت الهجوم على نورد ستريم باللجوء إلى أدوات أوكرانية.

2024-06-30

في 26 أيلول/سبتمبر 2022، سجل علماء الزلازل السويديون عدة انفجارات بفاصل 17 ساعة تقريباً الواحد عن الآخر قبالة جزيرة بورنهولم الدنماركية. وقد أدت إلى تدمير ثلاثة من أصل أربعة خطوط لنظام نورد ستريم، ما أدى إلى تصاعد أعمدة من غاز الميثان من البحر إلى الجو.

 

وقد أعلنت شركة غازبروم الروسية المالكة للأنابيب أن الانفجارات أدت إلى تسرب نحو 800 مليون متر مكعب من الغاز، وهو ما يعادل إمدادات الغاز الدنماركية لثلاثة أشهر. وسارعت فرق الصيانة في الشركة إلى وقف التسرب، ولم تستطع النجاح بذلك إلا بعد عدة أيام. ووفقاً لفرق التحقيق السويدية، فقد تم العثور على آثار متفجرات في موقع الانفجار، ما يؤكد أن الحادث كان متعمداً وبفعل فاعل ولم يكن ناجماً عن خلل تقني.

 

 

الرواية الغربية

بعد ذلك، عثرت فرق التحقيق الألمانية على آثار لمتفجرات على متن يخت شراعي، وكانت مماثلة لتلك التي تم العثور عليها في موقع الانفجار، ما دل على أن اليخت تم استخدامه في نقل المتفجرات. وقد قامت السلطات الألمانية بتقديم شكوى لمجلس الأمن.

 

وأكدت السلطات الألمانية أن المحققين دهموا اليخت الذي يبلغ طوله 15 متراً في كانون الثاني 2023، وعثروا على أدلة عديدة تفيد بأنه استخدم في نقل المتفجرات.

 

ووفقاً للمحققين الألمان، وبالتعاون مع محققين دنماركيين وسويديين، فقد تم استئجار اليخت في ألمانيا من قبل شركة مسجلة في بولندا. وقد عثر على متنه على آثار للمثمن، وهي المادة المتفجرة نفسها التي تم العثور على آثار لها في مكان الانفجار. وسارعت ألمانيا إلى إبلاغ الأمم المتحدة بأنه كان من الممكن للغواصين المدربين الغوص إلى عمق 70 – 80 متراً لربط المتفجرات بالأنابيب وتفجيرها.

 

في ذلك الوقت، سارع مسؤولون أميركيون وأوروبيون إلى اتهام موسكو بأنها هي من فجر الأنابيب، وهو ما علق عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه اتهام غبي، مشيراً بأصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وأوكرانيا بالتسبب بالحادث بغية الإضرار بالعلاقات والروابط الاقتصادية بين روسيا والدول الأوروبية.

 

وفقاً لما أعلنته وسائل إعلام غربية عام 2022 وعام 2023، فإن اليخت تم استخدامه من قبل مجموعة أوكرانية أو مؤيدة لأوكرانيا للقيام بالعمل التخريبي؛ ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2022، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن رومان تشيرفينسكي، وهو مسؤول المخابرات الأوكرانية السابق الذي خدم في القوات الخاصة للجيش الأوكراني، أدار فريقاً مكوناً من 6 أشخاص لتفجير خط نورد ستريم. ووفقاً للصحيفة، فإن تشرفينسكي كان على تواصل مع القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية الجنرال فاليري زالوجني الذي أشرف مباشرة على العملية.

 

وأكدت صحيفتا ديرشبيغل و”زد دي اف” الألمانيتان ما نشرته واشنطن بوست، وأضافتا أن المجموعة تكونت من 5 رجال وامرأة، وأنهم صعدوا على متن اليخت أندروميدا في مرفأ مدينة روستوك الألمانية في السادس من أيلول/سبتمبر، مستخدمين جوازات سفر مزورة، وعادوا إلى روستوك في 23 أيلول/سبتمبر، أي بعد 17 يوماً، وهي المدة التي تم استغلالها لحيازة المتفجرات ونقلها وتفجيرها بالأنبوب.

 

ووفقاً للتحقيقات، فقد تم رصد اليخت أندروميدا في جزيرة كريستيانسو الدنماركية القريبة من موقع الانفجار بين 16 و18 أيلول/سبتمبر، علماً أن اليخت رسى لمدة قصيرة في مرفأ كولوبرزيغ البولندي في 19 أيلول/سبتمبر قبل أن يعود إلى روستوك في ألمانيا.

 

وفي 27 أيلول/سبتمبر 2022، أي بعد يوم واحد على الانفجار، نشرت صحيفة ديرشبيغل الألمانية خبراً مفاده أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية “سي أي أي” سبق أن حذرت السلطات الألمانية قبل أسابيع من التفجير من احتمال تعرض خطوط النفط والغاز في بحر البلطيق لعمليات تخريبية.

 

وفي حزيران/يونيو 2023، نشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية خبراً بالاستناد إلى مصادر استخباراتية مفاده أن الولايات المتحدة الأميركية كانت على علم بخطة أوكرانية لتفجير خط نورد ستريم قبل ثلاثة أشهر من وقوع الحادث، ما يثبت تورط الولايات المتحدة في الهجوم على الرغم من أن الصحيفة أشارت إلى أن الاستخبارات الأميركية حذرت الجنرال زالوجني من عواقب القيام بتفجير خطوط نورد ستريم.

 

 

واشنطن خططت ونفذت الهجوم

 

لكن بعد 20 شهراً على وقوع الهجوم، صدرت أدلة جديدة تفيد بأن الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً وكالة استخباراتها “سي آي إي”، هي التي خططت ونفذت الهجوم على نورد ستريم باللجوء إلى أدوات أوكرانية، وذلك بهدف إضعاف مكانة الاتحاد الروسي في سوق الطاقة الدولية وضمان احتكار الغاز الطبيعي المسال الأميركي في أوروبا.

 

ومنذ كانون الأول/ديسمبر حتى كانون الثاني/يناير 2022، أي قبل أشهر من وقوع الهجوم على نورد ستريم، أصدر الرئيس الأميركي جو بايدن ونائبة وزير الخارجية فيكتوريا نولاند تهديدات عدة بعرقلة عمل “نورد ستريم-2” في حالة “الغزو الروسي لأوكرانيا”.

 

وفي الوقت نفسه، أطلق البيت الأبيض عملية لتدمير خطوط أنابيب الغاز. ووفقاً لآخر التحقيقات، فقد تم تنفيذ الهجوم من قبل فرقة العمل التابعة لوكالة المخابرات المركزية بالتعاون مع أجهزة المخابرات والوحدات العسكرية لدول الناتو الأخرى، بما في ذلك في شكل تدريبات مشتركة في بحر البلطيق.

 

وفي الفترة من 29 آب/أغسطس إلى 12 أيلول/سبتمبر 2022، جرت تدريبات في منطقة جزيرة بورنهولم، حيث تمر خطوط أنابيب نورد ستريم. وقد ضمت هذه التدريبات مجموعة تابعة للبحرية الأميركية “المارينز” بالتعاون مع البحرية السويدية التي قدمت سفينتي إنزال سويديتين هما “كيرسيج” و “غاستون هول”، إضافة إلى مروحية الإنزال “ارلينغتون”. وفي الوقت نفسه، وفي الفترة الممتدة من 9 إلى 23 أيلول/سبتمبر 2022، جرت مناورات لحلف شمال الأطلسي الناتو على السواحل الشمالية 2022 في المنطقة نفسها، على الرغم من أن المناورات كان المفترض أن تُجرى في الجزء الشمالي من بحر البلطيق وخليج فنلندا.

 

وقد شاركت في المناورات الفرقاطة “شليسفيغ هولشتاين” والكشافة “أوستي” وكاسحة الألغام “بادبيفنسن” والغواصة البحرية الألمانية “يو-32” وكاسحة الألغام الفرنسية “كرويكسدوسود”، إضافة إلى وحدة الغواصين الأميركيين الذين يعملون من سفينة “فيرسايتيس” التابعة للبحرية اللاتفية، علماً أن الشكوك تحوم حول الغواصين الأميركيين بأن يكونوا هم من قاموا بتركيب العبوات الناسفة والصواعق على أنبوب نورد ستريم.

 

وقد ذكرت وسائل إعلام ومواقع أوروبية أنه بالتوازي مع المناورات جرى رصد تحركات لعدد من السفن المدنية، مثل الناقلة البريطانية “بريتيش أركايفير” وناقلة الصب البنمية “سفي 7” وسفينة الصيد البولندية “غراند تي” التي انحرفت عن مساراتها بين 20 و24 أيلول/سبتمبر، وتم رصدها قرب موقع الانفجار.

 

وأضافت أنه في الوقت نفسه، قامت وكالة المخابرات المركزية بعملية تغطية لصرف انتباه الرأي العام عن المنظمين الحقيقيين ومنفذي الهجوم الإرهابي الذي نفذته الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وذلك بإدارة فريق من المخابرات الأوكرانية هدفه جذب الانتباه إلى أوكرانيا لإبعاد الشبهات عن الولايات المتحدة والناتو.

 

أما مجموعة المخابرات الأوكرانية، فقد كانت بقيادة العقيد رومان تشيرفينسكي مباشرة الذي كتبت صحيفة واشنطن بوست تفاصيل عن دوره كما ذكرنا آنفاً. وقد تألفت المجموعة التي شكلها تشيرفينسكي من الغواصين الأوكرانيين أ.بورغاميسترينكو، أو.فارافا، ر.رودنكو، س.كوزنتسوف، وامرأة تحمل علامة النداء “ماريشا”، وأشرف على العملية نائب رئيس بعثة الاستخبارات المركزية في السفارة الأميركية في أوكرانيا ك. سميث. وقد أدت صحف غربية مثل ديرشبيغل دوراً في عمليات التمويه عبر الترويج لرواية استئجار المجموعة الأوكرانية ليخت اندروميدا وقيامهم هم بتفجير نورد ستريم.

 

 

أهمية خطوط نورد ستريم

والجدير ذكره أنه تم بناء نورد ستريم 1 ونورد ستريم 2 من قبل شركة غازبروم التي تملكها الدولة الروسية بهدف نقل الغاز إلى ألمانيا وعدد آخر من الدول الأوروبية، وذلك لضخ 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا. وتقع خطوط الأنابيب الفولاذية الأربعة المغطاة بالخرسانة، والتي يبلغ طولها نحو 1200 كيلومتر (750 ميلاً)، وقطرها أكثر من متر واحد، على عمق ما بين 80 و110 أمتار.

 

وقد تم إطلاق العمل بنورد ستريم 1 في العام 2012 فيما تم الانتهاء من بناء نورد ستريم 2 في أيلول/سبتمبر 2021 من دون إطلاق العمل به بعدما ألغت ألمانيا التصديق عليه قبل أيام من انطلاق العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا في شباط/فبراير 2022.

 

وتمتلك شركة غازبروم الروسية 51% من نورد ستريم 1 و100% من نورد ستريم 2، فيما تمتلك شركات “إي أون انرجي” الألمانية و”ونترشال ديا” و”انجي” الفرنسية و”داتش غاسوني” الهولندية و”شيل” البريطانية حصصاً تتراوح بين 9 و15% من نورد ستريم 1. والجدير ذكره أن تمويل مشروع نورد ستريم 2 وحده كلف أكثر من مليار يورو.

 

المصدر: جمال واكيم/ الميادين