حرب المستحيلات

كل ما ناضلنا في سبيله، على مدى عقود، أصبح ممكن التحقيق. تعلّمنا الدروس، التي غفلنا عنها على مدى عقود، أن النصر إرادة وإيمان قبل كل شيء، فالنصر العظيم يحتاج إلى مؤمنين عظماء، مؤمنين بأنفسهم وبعدالة قضيتهم.

2024-06-30

أيّ محاولة لمقاربة معركة طوفان الأقصى، في أي مرحلة من مراحلها، تضعنا أمام خيارات مستحيلة. لو أنك تحدثت، يوم السادس من تشرين الأول/أكتوبر عن إمكان اقتحام المقاومة الجدارَ الـذي يفصل قطاع غزة عن سائر فلسطين، وأن الجنود الصهاينة سيفرّون أمام المقتحمين، أو يستسلمون لهم، فكلمة مستحيل ستكون أقل ما يمكن أن تسمعه، فالبعض سيتهمك بالجنون، أو بأنك أسير لأوهام غير قابلة للتحقيق.

 

الرد نفسه كان يمكن أن تحصل عليه لو قلت إن المقاومة يمكن أن تصمد ثمانية أشهر، أو أن جبهات المقاومة سوف تتوحّد، فتنضم إليها جبهة اليمن وجبهة العراق. هل كان يمكن أن نتخيل علَم فلسطين يخفق في شوارع عواصم الغرب ومدنه، وأن طلاب الجامعات الأميركية سيقودون حركة احتجاجية ضد سياسة بلادهم الداعمة لـ”إسرائيل”، وأن مشاهير العالم سيرتدون الكوفية الفلسطينية في حفلاتهم ومهرجاناتهم. الإجابة الوحيدة عن كل هذه التخيلات: مستحيل.

 

لكن المستحيل حدث، ببساطة مستحيلة هي الأخرى. كل ما ناضلنا في سبيله، على مدى عقود، أصبح ممكن التحقيق. تعلّمنا الدروس، التي غفلنا عنها على مدى عقود، أن النصر إرادة وإيمان قبل كل شيء، فالنصر العظيم يحتاج إلى مؤمنين عظماء، مؤمنين بأنفسهم وبعدالة قضيتهم وبحقهم في النصر وقدرتهم عليه.

 

وهم مؤمنون يحبون الحياة بعزة وكرامة ومستعدون للموت في سبيل تلك الحياة. تعلمنا أن كل الدروس، التي قرأناها في كتبنا المدرسية، وسمعناها في خطابات السياسيين وخطب وعاظ السلاطين، بشأن قدرة العدو وجبروته، وعجزنا عن مواجهته والجنوح للسلم، كانت دروسا كاذبة، متآمرة على وعينا وإمكاناتنا وقضيتنا. تعلمنا يوم الـ7 من أكتوبر أن “إسرائيل” ضعيفة مثل دولنا المرتبطة بالمعسكر الاستعماري، وأنها غير قادرة على الصمود وحدها أمام ثلة صغيرة من شبان لا يملكون أسلحة معقدة ولا تقنيات خارقة، يكتفون ببنادق بدائية وإرادة فولاذية، وثقة بالنفس وعدالة القضية.

 

هم يحبون الحياة، “ما استطاعوا إليها سبيلاً”، يفجرون دبابة من المسافة صفر، ويعودون إلى بيوتهم ليحتضنوا أطفالهم، ويشاركوا في إعداد الطعام، وإسعاف الجرحى، وقد يصلّون على أحبائهم الشهداء، أو يستشهدون أنفسهم بعيداً عن ساحة المواجهة بقصف أعمى مجرم، أو برصاصة من قناص جبان.

 

يصمدون مثل أكثر من 37 ألف مستحيل، لا ينظرون إلى الخلف إلا لوداع بيت ألفوه والمضي نحو خيمة أخرى تجمع من تبقى منهم، يتأكدون من الأسماء، يكتبونها على أذرعهم في انتظار لحظة لقاء الله، عيونهم شاخصة نحو الشمال، وقلوبهم تهوي نحو الأرض ينتظرون السقوط لتحتضنهم فلسطين.

 

غير مسموح لهم أن ينتصروا لأن الشقيق قبل العدو يخشى بأسهم، وقوة المثل التي يضربونها تهز عروشاً قامت على نظريات الرعب، والانحناء. والهزيمة مستحيلة، فكيف يهزم الأبطال، وكيف تمحو من العقول والقلوب بندقية تلوح في الهواء مطلقة زخات من الرصاص تزلزل الكرة الأرضية بمن فيها؟ كيف تمحو أبا عبيدة من ذاكرة أطفال تعلموا منه دروس العزة والبطولة، كيف ينسون “الياسين 105” ومنظر عربة “النمر” وهي تحترق، وفدائياً يقفز منتشياً بالنصر يهتف “ولعت”. والتسوية مستحيلة، فهي هزيمة العدو وحلفائه على جميع الجبهات، من إدلب وشرقي الفرات، حيث أبطال الجيش العربي السوري يمزجون دمهم بكل ذرة من تراب وطنهم، إلى اليمن الذي لقن العالم درساً في القوة والتحدي، مروراً بالعراق الذي تناضل مقاومته لطرد الغزاة الذين يستبيحون أرضه. وهل تقبل طهران أقل من هزيمة مذلة للعدو الذي حاصرها، وأداته الإرهابية التي اغتالت خيرة قادتها وضباطها وعلمائها؟

 

 

هل يقبل حزب الله أقل من نصر مبين يعيد ترتيب استراتيجيا المنطقة، بحيث تكون يد المقاومة هي العليا؟

 

كل مستحيلات الأرض اجتمعت في غزة، لكن أطفالاً يمكن أن يزينوا خيمتهم بمناسبة العيد ساخرين بزينتهم من كل جبابرة الأرض، وأقمارهم الاصطناعية التي تعد ابتسامات الطفولة التي تلتمع في عيونهم وترتسم على شفاههم. تجتمع البوارج لتطفئ ضحكة طفل، أو حلم شاب يخرج من تحت الأنقاض رافعاً يده بإشارة النصر. عجوز في قرية جنوبية تخبر مراسلة صحافية بأنها باقية في أرضها، ولا توجد قوة في الأرض يمكن أن تجبرها على الرحيل، وهي التي شهدت كل حروب المقاومة. تخرج المراسلة لتستشهد بدورها، وأم تهتف في جنازة ولدها “في طريق القدس.. نحنا كلنا فدا فلسطين”.

 

هذا نحن، منتصرون على كل المستحيلات، مؤمنون بالحياة والوطن والنصر والشهادة. نحب الحياة لكننا لا نخشى الموت. تعلمنا درسنا في مدرسة المقاومة، وها نحن نجتاز الامتحان بنجاح.

 

 

المصدر: عماد الحطبة/ الميادين