إيران من الإرث الرئاسي إلى التنافس الرصين: تأكيد على حيويّة النظام

ينطلق نظام إيران من هويّة وأسس دينية وثوريّة متينة (مبادئ وقيم) ومن رؤية ومؤسّسات وهيئات تستجيب لمتطلّبات الواقع وحيويّته، مما يضبط شؤونها السياسيّة بما ينسجم مع الهويّة والأسس والتنوّع والدور.

2024-07-01

إيران بلد شاسع يتمتّع بتنوّع ثقافيّ وعرقيّ ولغويّ ودينيّ. ويستند نظامها السياسيّ إلى مبدأ “ولاية الفقيه” منذ انتصار الثورة الإيرانيّة على الملكيّة الشاهنشاهيّة، ومن خلالها على مرجعيّتها الدوليّة لا سيّما المملكة البريطانيّة المتّحدة والولايات المتّحدة الأميركيّة، وعلى امتداد علاقاتها في التعاون الوظيفي لا سيّما مع العدوّ الصهيوني، وبذلك تقدّم نموذجًا فريدًا في ديمومة الفعل الثوري بعد 45 عامًا على قيام الدولة وفي أنظمة الحكم السياسيّة كجمهوريّة إسلاميّة أو ما يعرف بالسيادة الشعبيّة الدينيّة.

 

ينطلق نظام إيران من هويّة وأسس دينية وثوريّة متينة (مبادئ وقيم) ومن رؤية ومؤسّسات وهيئات تستجيب لمتطلّبات الواقع وحيويّته، مما يضبط شؤونها السياسيّة بما ينسجم مع الهويّة والأسس والتنوّع والدور.

 

تعكس هندسة النظام السياسيّ الإيرانيّ توازنًا دقيقًا بين القيادة المركزيّة المتمثّلة بالقائد الأعلى “الوليّ الفقيه” والسلطات المختلفة التي تمارس مهامها تحت إشرافه، ومنها رئاسة الجمهوريّة الإسلاميّة. ويضمن النظام المؤسّسي في إيران توزيع السلطة بين مختلف الهيئات مثل السلطة التنفيذية ومجلس الشورى الإسلامي والسلطة القضائيّة ومجلس الأمن القومي ومجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس خبراء القيادة والمجلس الأعلى للثورة الثقافيّة والمجالس المحليّة…، حيث تعمل بصلاحيّات مثبتة تحت إشراف “الولي الفقيه” لتحقيق رؤية شاملة ومتوازنة ومتقابلة في الرقابة ومنسجمة في ديناميّات العمل.

 

 

رئاسة الجمهورية في إيران وإرث رئيسي

 

وفقًا للدستور الإيراني، فإن الرئيس في إيران هو الشخص الثاني بعد القائد الأعلى ضمن هرم السلطة. يتم انتخابه مباشرة من الشعب من بين المرشّحين الذين يوافق عليهم مجلس صيانة الدستور لفترة رئاسيّة مدّتها أربع سنوات، ويمكن إعادة انتخابه لفترة ثانية. يتمتّع بصلاحيّات كبيرة، حيث يترأّس السلطة التنفيذيّة ويقوم بتعيين الوزراء والمحافظين، ويشرف على تنفيذ السياسات الوطنيّة، وعلى إدارة الشؤون اليوميّة. ويعتبر المسؤول عن تنفيذ الدستور، والقوانين والسياسات التي يقرّها مجلس الشورى الإسلاميّ. ويشارك في تحديد وتنفيذ السياسات الخارجيّة، بالتنسيق مع القائد الأعلى. كما يقوم بتعيين السفراء والممثّلين الدبلوماسيّين، ومن واجباته توقيع المعاهدات والاتفاقيات والقضايا المتعلّقة بالدول الأخرى والمنظّمات الدوليّة. الرئيس الإيرانيّ هو أيضًا رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي في البلاد، ورئيس المجلس الأعلى للثورة الثقافية، ورئيس المجلس الأعلى للفضاء السيبراني. ويلعب دورًا رئيسيًا في صياغة السياسات الاقتصادية وتنفيذ خطط التنمية. ويشرف على إعداد الميزانيّة الوطنيّة وتنفيذها، ويقود جهود تحسين الاقتصاد الوطنيّ. ورغم الصلاحيات الواسعة هذه، فإنّه يعمل تحت إشراف وتوجيه النظام، ويتوجّب عليه العمل ضمن إطار التعاون والتنسيق مع المؤسّسات الأخرى لضمان التوافق مع السياسات الوطنيّة للبلاد وتنفيذها بشكل متوازن.

 

وفق هذا النسق المؤسّساتي وفي إطار التركيبة الداخليّة المجتمعيّة الإيرانيّة وما تشتمل عليه من أحوال وأوضاع، وضمن موازين قواها ورسوخ الفعل الانتخابي وحيويّته فيها منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة دون توقّف، وفي إطار التطوّارت الخارجيّة، تتّجه الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة في الخامس من تموز/يوليو إلى الجولة الثانية لتحسم من سيتحمّل كأس التحدّيات الداخليّة والخارجيّة ومن سيستكمل أمانة ما أكّد على إرسائه آية الله السيد إبراهيم رئيسي من النموذج الرئاسي في النزاهة والهمّة العالية وصناعة الإنجاز النوعي وفق خارطة أولويّات شاملة لمختلف المحافظات والمجالات خلال فترة قياسيّة وعلى صعيدي الداخل والخارج، وفي الأسوة لناحية روح الخدمة بعدالة والقرب من الناس بصدق وتحسّس الآلام والآمال، وفي فتح آفاق الجهاد الدبلوماسي بالانفتاح الرصين على العلاقات والصداقات مع الدول، وبتوثيق عرى التعاون والدعم للشعوب الناهضة بمنطق وفعل المقاومة، وبالحزم ضدّ العدوّ والهيمنة والاحتلال، وباستئنافه مسيرة التطلّعات التي ينشدها كلّ المؤمنين بقضايا الإنسانيّة وقيم الإسلام في ديناميّات الثورة والشعب والأمّة، نظرًا لأهميّة إيران وجغرافيّتها السياسيّة ولهوية النظام الإيراني ومكانته وأدواره المختلفة في خارطة العالم والتقدّم الحضاري الإنسانيّ وجبهة المقاومة.

 

 

التوازن الدقيق بين المحافظين والإصلاحيّين ونسبة المشاركة في الجولة الأولى

 

تستمد الانتخابات الرئاسة الإيرانيّة الرابعة عشرة أهميّتها من ثلاثة عناصر رئيسيّة:

 

الأول: أنها جاءت اضطراريًا خارج سياقها الطبيعي على أثر حادثة رحيل رئيس الجمهوريّة آية الله إبراهيم رئيسي ووزير الخارجيّة والوفد المرافق.

 

الثاني: ما تشهده منطقة غرب آسيا أو ما يعرف بالشرق الأوسط من تحدّيات هامّة وتفاعل ناشط، لا سيّما ما يرتبط بطوفان الأقصى وتداعيات الحرب على غزّة التي شهدت انخراطًا إيرانيًّا انتقاميًّا مباشرًا (13 و14 نيسان/أبريل 2024م) في سياق الحفاظ على سيادتها ردًّا منها على العدوان “الإسرائيلي” الذي طال قنصليّتها في دمشق (1 نيسان 2024م)، مع احتمالية التدحرج إلى حرب أوسع قد تكون شاملة وإيران أكثر دول المنطقة معنيّة بذلك.

 

الثالث: أنها تعبّر عن أهميّة هذا الاستحقاق الانتخابي في بعديه الداخلي والخارجي.

 

وكانت قد صدرت النتيجة النهائية الرسميّة لسباق الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة التي وصلت نسبة المشاركة فيها إلى نحو 39.9%، من 61.5 مليون ناخب يمكنهم الإدلاء بأصواتهم في إيران، دون حصول أي من المتنافسين على الأغلبیة المطلقة ( 50%+ صوت). وأثبتت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة التي خاضها أربعة مرشحين أنّ التوازن دقيق بين المحافظين والإصلاحيّين، حيث حاز عن التيار الإصلاحي مسعود بزشكيان على: 10415991 صوتًا، بينما حاز عن التيار المحافظ سعيد جليلي على: 9473298 صوتًا، فيما حلّ ثالثًا أيضًا عن التيار المحافظ محمد باقر قاليباف (رئيس مجلس الشورى الإيراني) بحصوله على 3383340 صوتًا،

ما يؤدّي بحسب قانون الانتخابات الرئاسيّة إلى تأجيل الحسم إلى الجولة الثانية من الانتخابات بينهما، بعد المصادقة التي أنجزها مجلس صيانة الدستور على النتيجة، وحدّد يوم الجمعة (5 تموز/ يوليو) موعدًا لحسم العملية الانتخابيّة في جولتها الأخيرة. علمًا أن قاليباف حثّ أنصاره على دعم المرشح جليلي في الجولة الثانية.

 

فاقت نسبة الاقتراع في الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة لهذا العام نسب الاقتراع التي تشهدها بعض الدول الغربيّة ذات الأنظمة الديموقراطيّة. وتؤكّد هذه الانتخابات على شرعيّة النظام الإيراني واقتداره، بما أنها جرت تحت سيف الحصار والعقوبات الممتدّة والمتفاعلة منذ قيام الجمهورية الإسلاميّة، ورغم الحروب المركّبة والمعقّدة التي تشن على الداخل الإيراني، لا سيّما الناعمة والنفسيّة في الجوانب الثقافيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، والتي اشتدّت في المرحلة الأخيرة. ومن الجدير التنويه إلى أنّ هذه الانتخابات استثنائيّة، لم تجر في دورة انتخابيّة عاديّة، وعليه لم تكتمل استعدادات المرشّحين والماكينات الانتخابيّة وحملاتها بشكل كافي ووافي كما تكون عليه في الدورات العاديّة.

 

بل يمكن القول، إن الدورة الانتخابيّة الرئاسيّة الرابعة عشرة، تشير إلى قوّة النظام في سرعة تجاوز الحادثة الأليمة بشهادة السيد رئيسي ووزير خارجيّته والوفد المرافق، وفي قدرته على التزام المواعيد المحدّدة دستوريًّا، وفي فعاليّة مؤسّساته الرقابيّة بقبول ستة ترشيحات من أصل ثمانين، وفي تأمين هذه النسبة من المشاركة رغم العوامل المؤثّرة في تخفيضها أو انخفاضها، وتبقى الجولة الثانية من الانتخابات عاملًا مساعدًا في تأمين مقترعين جدد لم يحصل أن شاركوا في الجولة الأولى بغضّ النظر عن نسبة المشاركة في تلك الجولة، مما يرفع إجمالي المقترعين من الناخبين.

 

بموجب هندسة النظام لن تؤدّي الانتخابات الرئاسيّة إلى تحوّل كبير في سياسات الجمهورية الإسلامية، إذ يبقى الولي القائد شامخًا بحكمته يمسك بخيوط الموقف الداخلي بحرية رصينة ويقف سدًّا منيعًا في وجه الهيمنة ومشاريعها، ويشرف على ولادة عالم جديد متعدّد الأقطاب، حيث تبقى لجبهة المقاومة العالميّة كلمتها الواثقة والثاقبة والمؤثرة.

 

 

المصدر: عبد الله عيسى/ العهد