مؤشرات موازين القوى في الحرب الروسية الأوكرانية

أن التنبؤ بموعد وكيفية نهايتها هو أمر معقد لأن المسارات العسكرية والسياسية لها متشابكة ومتداخله، وإن طرق الدفع بها قد نراه أكثر فاعلية في موسكو وواشنطن، وبروكسل، وبكين، وطهران، وبيونغ يانغ أكثر من ساحات القتال على الجبهات الأمامية، ولا ينبغي للنقاش من خلال ما أشرنا إليه اعتبار أن نهايتها كحرب واسعة النطاق صعبة التحقق.

2024-07-01

بعد مرور أكثر من سنتين على إعلان الروس عن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، ظهرت عوامل كثيرة أدت الى تعقيدات أكبر على مستوى هذه العملية كحرب إقليمية، مع تداعيات على المستويات الدولية، والداخلية لكل من الدول المشاركة والحليفة.

 

على الصعيد الروسي أتى القرار بالحرب استدراكًا لما هو أخطر على مجالهم الحيوي، وأمنهم القومي الذي بدا مهدداً بشكل كبير منذ ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، ومحاولة الناتو الاستمرار بالتقدم نحو حدودهم الغربية ومتابعة تنفيذ إستراتيجية الاحتواء والعزل لتفكيك روسيا والسيطرة عليها.

 

أما على الصعيد الأوكراني، فإن طموح أوكرانيا لدخول الاتحاد الأوروبي وانضمامها إلى الناتو شكّل بالنسبة للولايات المتحدة الطريق الأسهل لمنع تحول روسيا، وعودتها إلى الساحة العالمية كقوة عظمى ومؤثره عالميا.

 

في هذا الإطار، سنعدد في هذا المقال مؤشرات ميزان القوى بين الجانبين الروسي والأوكراني كخلاصة للدراسة المرفقة أدناه بعنوان “الحرب الروسية الأوكرانية الوضع الحالي، المتغيرات والاحتمالات”.

 

 

مؤشرات ميزان القوى:

 

لا شك بأن روسيا وأوكرانيا لديهما القدرة على الحشد العسكري نسبة لعدد السكان الكبير لديهما، إنما تتفوق روسيا في قدرات الإنتاج العسكري بأضعاف عن أوكرانيا التي استزفت مخزوناتها وأصبحت معتمدة بشكل شبه كلي على الإمدادات الغربية، ولتعويض النقص غيرت إستراتيجياتها الهجومية والدفاعية لتتمكن من الصمود فترة أطول مقابل روسيا.

 

– على الصعيد البشري: خسائر كبيرة في الأرواح عند الطرفين، وإن كانت أكثر على الجانب الأوكراني.

 

– تأثير سلاح المدفعية : لدى الروس أعداد أكبر من مدافع الميدان، وقدرة أكبر على إنتاج الذخائر بحسب تقرير بقلم كاتي بوليليس وناتاشا برتراند وأورين ليبرمان وهيلي بريتسكي يتناول إنتاج ذخائر المدفعية في روسيا نشر على موقع ال CNN فالروس يطلقون يومياً ما يقارب 10.000 قذيفه بينما الأوكرانيين يطلقون حوالي 2000 قذيفه، وتحدثت مصادر أخرى قارنت بين قدرة سلاحي المدفعية الروسي والأوكراني بأن هناك بعض المشاكل في القذائف الروسية من ناحية معايير التصنيع أو تلك التي تشتريها روسيا من كوريا الشمالية، وتحدثت مثل هذه التقارير(التقديرات تشير إلى أن ما يصل إلى 70% من الضحايا الأوكرانيين كانوا نتيجة لنيران المدفعية) عن أهمية سلاح المدفعية في المعارك الدائرة على الجبهة وأن سلاح المدفعية سبب أساسي في كسب المعارك عند الطرفين.

 

– يحاول الأوكرانيون معالجة ثغرة الغطاء المدفعي، وفشل هجماتهم المضادة بالاعتماد على الطيران المسير، وتخطط أوكرانيا لإنتاج مليون طائرة مسيرة من مختلف الأنواع خلال العام الجاري.

 

– غيّر الأوكرانيين استراتيجيتهم القتالية بعد فشل هجماتهم المضادة وتحولوا من الإستراتيجية الهجومية إلى الاستنزاف بعدما دمجوا أسلوب الضربات بالصواريخ الأمريكية البعيدة المدى، والطيران المسير. فقد استهدفت الضربات الأوكرانية بطاريات المدفعية الروسية، وقواعد الطيران المروحي، ومخازن الأسلحة التي تقع في الخطوط الخلفية لجبهات القتال. نجحت هذه الإستراتيجية في مكان ما حيث اضطر الروس إلى نقل مخازن الأسلحة الكبيرة إلى ابعد من 100 كلم عن الجبهة لتكون بعيدة عن مدى صواريخ الهيمارس، واستطاع الأوكرانيين بفضل الطيران المسير شن هجمات على قوافل الدعم التي تنقل الذخائر إلى خطوط المواجهة، وكان الهدف من هذه الإستراتيجية إضعاف التفوق المدفعي الروسي مع شن هجمات مضادة إلا أن الخلل أصابها عندما لم تصل كل الإمدادات الغربية للمدفعية الأوكرانية فحصلوا على 500 ألف طلقة مدفعية بدل مليون طلقه.

 

– إلى الآن يمتنع الناتو بشكل كبير عن إمداد أوكرانيا بأسلحة هجومية تستطيع ضرب العمق الروسي، وأماكن التحشيدات الخلفية بشكل كبير نتيجة القدرات الروسية الرادعة (أحدها السلاح النووي)، والتهديد العلني من الرئيس الروسي في منتدى سان بطرسبورغ بنقل أسلحة بعيدة المدى لأعداء الغرب.

 

– غموض في القرار الأمريكي بمنح أوكرانيا طائراتF16، وذلك لعدة اعتبارات منها أن إعطاء أوكرانيا عدداً محدوداً من هذه الطائرات (61 طائرة من الدول الأوروبية) لن يؤثر بشكل كبير على سير المعارك، ثانياً استطاع الروس تدمير معظم القواعد الجوية الأوكرانية من بداية الحرب إلى اليوم، وبدأ سلاح الجو الأوكراني باستعمال الطرقات السريعة من أجل إقلاع وهبوط ما تبقى لديه من طائرات، إضافة إلى أن تدريب الطيارين وفرق الصيانة بحاجة إلى وقت طويل.

 

– بعض الأسلحة النوعية التي وصلت إلى أوكرانيا على وجه السرعة، وسمحت الولايات المتحدة باستعمالها لاستهداف أهداف روسية نوعيه كمنظومات الأسّ 400 ناتج عن أن الضغط الروسي على أوكرانيا في الجبهات قد تزايد وهناك خوف من انهيار جبهة تشاسيف يار القريبة من باخموت والسيطرة عليها، ما يؤدي لانهيار كبير على طول الجبهة الشرقية مع معلومات جديه عن التحضير لهجوم روسي في منطقة خاركوف.

 

– على الرغم من أن جميع الأطراف تستنزف مخزوناتها من الأسلحة، فإن روسيا تتفوق في إنتاجها على الغرب/أوكرانيا من حيث الدبابات القتالية (بسبع مرات)، ومركبات المشاة القتالية (بخمس مرات) وهذا لا يبشر بالخير بالنسبة لقدرة أوكرانيا على الاحتفاظ بمواقعها الدفاعية خلال عامي 2024 و2025.

 

بالنظر إلى الواقع الناتج من هذه الحرب فهناك ثلاث سيناريوهات لها فقط نصر روسي وهزيمة أوكرانية، أو نصر أوكراني وهزيمة روسية، أو تعادل.

 

ثم أن التنبؤ بموعد وكيفية نهايتها هو أمر معقد لأن المسارات العسكرية والسياسية لها متشابكة ومتداخله، وإن طرق الدفع بها قد نراه أكثر فاعلية في موسكو وواشنطن، وبروكسل، وبكين، وطهران، وبيونغ يانغ أكثر من ساحات القتال على الجبهات الأمامية، ولا ينبغي للنقاش من خلال ما أشرنا إليه اعتبار أن نهايتها كحرب واسعة النطاق صعبة التحقق.

 

وفي الإشارة إلى المسارات العسكرية والسياسية المتشابكة نرى تأثير الدول الداعمة لروسيا وأوكرانيا في النزاع الحالي يتجلى بوضوح بمساهمتها في جهود الوساطة، التفاوض، وتسهيل المحادثات الدولية لحل النزاع في أوكرانيا.

 

 

المصدر: الخنادق