بأس العروبة الغزّي.. مجد “الشجاعية” يتجدد بصنيع مقاتليه

ليس "الشجاعية"، الذي يُكسَر بسهولة. إنه "الحيّ الملعون"، وفق وصف وسائل الإعلام الإسرائيلية، والذي يتصدّر المشهد الميداني، للمرة الثالثة، في الشهر التاسع من عمر هذه الحرب.

2024-07-02

يُثير ذكر حي الشجاعية في النفس مزيجاً متداخلاً من التاريخ والذكريات والمشاعر. هو واحد من الأحياء العريقة، الضاربة جذورها في تاريخينا، القديم والمعاصر.

 

يُنسَب اسم الحي إلى القائد الأيوبي، شجاع الدين عثمان الكردي، الذي استُشهد في إحدى المعارك، التي انتصر فيها المسلمون على الصليبيين. أما شوارع الحي ومناطقه ومرافقه ومقابره ومساجده فتحكي كلُّ واحدة منها قصةً ذات صلةٍ بمعارك تاريخية، لم يُثلم في واحدة منها للعرب سيف، أذلّ الغزيّون في كل واقعةٍ مَن غزاهم.

هكذا كان التاريخ. أمّا في الحاضر، فستتردد في بيانات المقاومة أسماء مناطق وأحياء، يعيد فيها مقاومو اليوم ملاحم التاريخ، بالبأس العروبي الغزيّ ذاته، مثل تلة المنطار، وهي موقع استراتيجي مثل نقطة تجمع للقبائل العربية والكردية، التي تداعت ملبيةً نداء الحرب. في محيط تلك التلة، منح صلاح الدين الأيوبي للمناصرين الكرد والتركمان والخوارزميين تلك الأراضي، ومثّل ذلك التجمع البشري اللبنة الأولى لتشكيل الحي الذي نعرفه اليوم، ولا يزال محتفظاً بشوارعه وأبنيته القديمة، والتي تحمل أسماءً تاريخية: “التركمان والجديدة والأكراد والمنطار”.

 

أمّا في تاريخنا الفلسطيني المعاصر، فتحضر منطقة الشجاعية على أنها حاضنة كل البدايات. لقد كسر أهلها ما كان يخططه قادة الاحتلال ومفكروه من تذويب الحواجز بين الضحية والجلاد، يحكي من كان شاهداً على حقبة نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، إلى الحدّ الذي لا يحلو فيه للحاخامات والمستوطنين التسوق إلا من سوق البسطات في حيّ الشجاعية، الأمر الذي دفع مقاومي الشجاعية الأوائل إلى وضع حدّ لن يجرؤ الاحتلال بعد ذلك على تجاوزه، إذ نفذوا عشرات عمليات الطعن بالسكاكين والاغتيالات الدقيقة، والتي قطعت الطريق على عودة المستوطنين مجدداً إلى الحي، وأعادت العلاقة بين المستوطن الإسرائيلي والفلسطيني إلى حالة العداء التقليدية.

 

يحمل كل شبر من أرض هذا الحي ذكرى معركة وحكاية. ستمرّ من مفترقه الرئيس دائماً، وتشعر بأن أرواح أبطال معركة الهروب الكبير من سجن غزة المركزي تحضر في كل زقاق وشارع، لا أذكر، خلال الأعوام الـ15 الماضية، أني مررت في الحي، من دون أن أهمس في نفسي، متذكراً شهداء السادس من تشرين الأول/أكتوبر في عام 1987، محمد الجمل وأحمد حلس وزهدي قريقع وسامي الشيخ خليل: “صباح الخير للوطن، صباح الخير للقدس، صباح الخير للشجاعية، صباح الخير يا تشرين. تشرين يصلي الفجر على أنغام الطلقات، تصحو شمسه على رائحة الدماء. اليوم، هو يوم انتصار الدم في معارك الروح. لا لون إلا لون الدم. لا صوت إلا صوت الرصاص. ولا وجه… إلا وجوه الشهداء”.

 

بناءً عليه، سيكون سهلاً معرفة من أين أتى أهله بكل ذلك العناد، وهم الذين انبثقت حياتهم الاجتماعية من رَحِم معسكرٍ للمجاهدين ضد الروم في محيط تلة المنطار. سنفهم أيضاً ما أحدثه حضور الشجاعية الممتد، من فتح القدس، حتى الانتفاضة الأولى عام 1987، والثانية عام 2000، وحروب غزة أعوام 2008 و2012 و2014 و2021، من تميزٍ في شخصية أهله. لقد اكتسب أهالي الشجاعية فرادة في خِصال، مثل الوفاء والنخوة والعناد والشهامة والكرم، انعكست على صنيعهم في الميدان.

 

إنه “الحي الملعون”، وفق وصف وسائل الإعلام الإسرائيلية، والذي يتصدَّر المشهد الميداني للمرة الثالثة في الشهر التاسع من عمر هذه الحرب، على رغم أنه كان في طليعة المناطق التي نالت حصة وافرة من العمليات البرية، فدمرت طائرات الاحتلال الحربية أكثرية الكتل العمرانية فيه، وخربت واجهة الحيّ التجارية، إلى الحد الذي ستصل فيه إلى مفترق الشجاعية الشهير وسوق البسطات التاريخية، وأحياء التركمان والجديدة وشارع بغداد والمنصورة، وتُضطر إلى سؤال واحد لأهل المنطقة: إن كنت فيها فعلاً. وعلى رغم كل ما تراه فإن أهلها سيُشعرونك بهويتهم، ويزهون بصنيعهم المقاوم، وباحتفائهم وهم يُحرقون دبابات الاحتلال.

 

ليس “الشجاعية” الذي يُكسَر بسهولة، وهو الذي أتحفنا أبطاله بانفعالاتهم العفوية، عقب تفجير كل آلية: “لعيونك يا أبو حسين فرحات.. فحمت الدبابة”، يُهدي أحد المقاومين صنيعه إلى قائده الذي زعم الاحتلال أنه تمكّن من قتله. أما الآخر، فيقفز بجسده محتفلاً: “ولعت”. لا شيء سيتغير في “الحي الملعون”، كما وصفه قادة جيش الاحتلال. سيخرج الجيش بعد يومين أو أسبوعين، مثقَلاً بالهزائم، وهو يزعم كذباً أنه قضى، للمرة الخمسين، على هيكلية المقاومة هناك. أما الواقع، فإن السيف العربي، الذي حمله الشجاعي الأول قبل نحو 800 عام في محيط تلة المنطار، ولم يُثلم له حدّ أمام عتاة المحتلين والغزاة، لن يكسره أسوأ وأجبن مَن قاتل وحارب، وإن تسلح بكل تكنولوجيا هذا العالم.

 

 

 

المصدر: يوسف فارس/ الميادين