العقيدة مفتاح فهم الذات والمصير

حيث يُدرك أنَّه لم يُخلق عبثًا، وأنَّه ليس في هذا العالم دون هدف؛ وأنَّه قد خُلق ليكون خليفة الله في الأرض، مسؤولًا عن تعميرها وتطويرها وفقًا لما يرضي الله وعقيدته تعلِّمه كيف يُسخر موارد الأرض لما يحب الله وكيف يكشف عن أسرار الكون ونعمه، وكيف يفكِّر بحقِّ الله عليه...

من الحقائق التي قد يغفل عنها البعض أنَّ العقيدة تشكِّل أحد الأسس الأساسية التي تحدد مسار حياة الإنسان وقراراته؛ فهي ليست مجرد مجموعة من المعتقدات، بل هي الإطار الذي من خلاله يُفهم معنى الوجود والمصير، وفي هذا الإطار يولي الإسلام أهمية بالغة للعقيدة، حيث يُظهر القرآن الكريم وروايات المعصومين -عليهم السلام- تأثيرها العميق في مختلف جوانب حياة الفرد، سواء العلمية أو العملية؛ فمن خلال العقيدة يكتشف الإنسان حقيقة نفسه، ويحدد هدفه من الحياة، كما تعرِّف الإنسان بمصيره، وتوقظ ضميره لمراقبة أعماله وتصحيح مساراته؛ لذلك، سنستعرض جوانب متعددة من أهمية العقيدة في حياة الإنسان، وكيف أنَّها تشكل البوصلة التي توجهه، وتحدد مساره في الدُّنيا والآخرة.

 

تعريف العقيدة: لغة واصطلاحاً:

 

إنَّ كلمة (العقيدة) لغةً مشتقة من المصدر (عقد) الذي يعني الإحكام والشَّد والرَّبط، قال ابن فارس: “عقد، العين والقاف والدال؛ أصل واحد يدل على شد وشدَّة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلِّه، ومن ذلك: عقد البناء، والجمع: أعقاد، وعقود” ؛ فكلمة(عقد) تدور حول الوثوق والثبات والصلابة في الشَّيء، وقال في المعجم الوسيط: “العقيدة: الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، والعقيدة في الدِّين ما يقصد به الاعتقاد دونَ العمل”، وأمَّا اصطلاحاً: فإنَّ العقيدة هي مجموعة من الأفكار أو المبادئ أو القواعد التي تقدم تصوراً معيناً يؤثِّر بشكل عميق في النَّفس، ويؤدِّي إلى الانتماء أو التَّميز بمحتوى هذا التصور.

 

وتتمثل بعض الأدوار المهمة للعقيدة في حياة الإنسان في المحاور التَّالية:‏

 

المحور الأوَّل: العقيدة شرط قبول الأعمال‏

‏ أولى الإسلام اهتمامًا بالغًا بالعقيدة، حيث عبَّر القرآن الكريم عن العقيدة في عدَّة مواضع من خلال كلمة “الإيمان”، وأنَّ الإيمان هو الأساس الذي يبنى عليه العمل، والعمل هو ثمرة لذلك الإيمان؛ كما يُشدد القرآن الكريم على حقيقة أنَّ الله -سبحانه وتعالى- لا يقبل من الأعمال إلَّا ما كان نابعًا من إيمان صحيح؛ لأنَّ الإيمان هو الذي يوجه الأعمال ويعطيها القبول عند الله -تعالى-؛ قال الله -سبحانه-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)، وقال -جلَّ شأنه-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)‏.

 

ومن هاتين الآيتين نكتشف العديد من الحقائق المهمَّة:

1. في الآية الأولى، يُوضِّح الباري -تعالى- أنَّ الأعمال الصَّالحة، سواء من الرجال أو النساء، لا تُقبل إلَّا إذا كانت مصحوبة بالإيمان؛ إذ يشير القرآن الكريم إلى أنَّ دخول الجنَّة يتوقف على الإيمان الصَّادق، الذي يعكس في جوهره استعدادًا للقيام بالأعمال الصالحة.

 

2. الآية الثانية تبيِّن كيف أنَّ الأعمال التي لا تقوم على الإيمان (من الكفار) تشبه السراب الذي يظنه الإنسان ماءً، ولكن عندما يقترب يجد أنَّه لا شيء، وهذه الصورة المجازية تُظهر أنَّ الأعمال التي لا تكتمل بالإيمان لا تعود على صاحبها بأي نفع حقيقي، بل تكون خالية من الفائدة.

 

3. الآيتان تفرقان بوضوح بين الأعمال التي يرتبط بها الإيمان وتؤدي إلى جزاء عظيم، وبين الأعمال التي تظل بلا قيمة إذا لم تصدر عن إيمان صحيح.

 

‏ المحور الثَّاني: العقيدة تعرِّف الإنسان بربِّه -سبحانه- وبنفسه

‏ العقيدة المفتاح الأساسي الذي يمكِّن الإنسان من فهم حقيقة وجوده؛ فعن طريق العقيدة، يتعرف الإنسان على ذاته ويدرك أنه ليس مجرد كائن عابر في هذا الكون، بل هو مخلوق متقن الخلق من قبل خالق عظيم، وهذه العقيدة توضح له أنَّه لم يُخلق من العدم بشكل عشوائي أو صدفة، بل هو جزء من خطة إلهية محكمة؛ فيدرك أن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي خلقه، وسوَّاه، وجعل له الحواس التي يحتاجها من سمع وبصر وفؤاد. يضاف إلى ذلك أنَّ العقيدة تُعلِّم الإنسان أنه منذ لحظاته الأولى في رحم أمه كان محاطًا برعاية إلهية، حيث أمدَّه الله -تعالى- بنعم لا تعد ولا تحصى، وهذه الحقيقة تعطي الإنسان إحساسًا عميقًا بالامتنان وتدفعه للتفكير في مكانته في هذا الكون وفي علاقته بخالقه.

 

‏ المحور الثَّالث: العقيدة تعرِّف الإنسان بسرِّ وجوده

‏ حيث يُدرك أنَّه لم يُخلق عبثًا، وأنَّه ليس في هذا العالم دون هدف؛ وأنَّه قد خُلق ليكون خليفة الله -سبحانه- في الأرض، مسؤولًا عن تعميرها وتطويرها وفقًا لما يرضي الله -تعالى-، وعقيدته تعلِّمه كيف يُسخر موارد الأرض لما يحب الله -تعالى-، وكيف يكشف عن أسرار الكون ونعمه، وكيف يفكِّر بحقِّ الله تعالى عليه، وأن يعيش حياته في سعي مستمر لتحقيق هدفه؛ فإذا قام بهذه المهمة على أكمل وجه، فسيجد جزاءه في الآخرة، حيث يتلقى الثواب الذي يستحقه لقاء جهده في هذه الدنيا المحفوفة بالتكليف والابتلاء؛ قال الله -تعالى-: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).‏

 

‏ المحور الرَّابع: العقيدة والتَّعريف بالمصير

‏ العقيدة هي التي توضح للإنسان مصيره بعد الحياة والموت، فهي تبيِّن له أن الموت ليس النهاية أو الفناء المطلق، بل هو انتقال إلى مرحلة جديدة في الوجود، وفي هذه المرحلة، يُحَاسَب كل فرد على ما عمله في حياته، حيث يُوفى كل نفس ما كسبت من خير أو شر، ولا يضيع العمل في الآخرة، سواء كان من ذكر أو أنثى، بل يُجازى كل إنسان على ما قدَّم، وأنَّ العدالة الإلهية لا تتهاون مع أي شخص، فلا يفلت من الحساب أحد، سواء كان جبّارًا أو مستكبرًا، ويأخذ كلُّ فرد جزاءه المستحق؛ قال -عزَّ وجلَّ-: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).‏

 

‏ المحور الخامس: العقيدة ويقظة الضمير

‏ عندما تتجذر العقيدة الصحيحة في قلب الإنسان ويتغلغل الإيمان في أعماقه، يصبح ضميره يقظًا، ويشعر بمسؤولية دائمة أمام الله -سبحانه- في كلِّ أقواله وأفعاله، وكذلك يحرص على تزكية نفسه، ويعمل جاهدًا على تحفيزها نحو فعل الخيرات والاتصاف بكريم الأخلاق وتبني العادات الطيبة التي تساهم في بناء شخصيته وتجعله قدوة للآخرين، وبعد ذلك يبتعد عن كل ما يسيء إلى سمعته ويشينها من الأقوال السيئة والتصرفات الخاطئة؛ سعيًا للعيش وفقًا لمبادئه الإيمانية والعقائدية.

 

المحور السَّادس: مواجهة المصائب والتَّغلب على الضغوط النَّفسية

حيث تخفف العقيدة السَّليمة من تأثير الأزمات على النَّفس؛ فعن طريق فهم طبيعة الدنيا، تدعو العقيدة إلى الزهد فيها واعتبارها دار فناء؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله-: “مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ”.

 

كما حذَّر الإمام علي عليه السلام من التَّعلق بالدُّنيا، مشيرًا إلى أنها دار غرور ومصاعب؛ فقال: “وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ، قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا دَارُهَا، هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلَالَهَا بِحَرَامِهَا وَخَيْرَهَا بِشَرِّهَا وَحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَحُلْوَهَا بِمُرِّهَا، لَمْ يُصْفِهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ وَلَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ، خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَشَرُّهَا عَتِيدٌ وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ، فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ وَعُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ وَمُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ”، وإذا تجذرت هذه الرؤية في النفس للدنيا والعالم الذي نعيش فيه منحت المؤمن قوة داخلية تجعله يتجاوز التحديات ويشعر بالاطمئنان على الرغم من تقلبات الحياة، وفي النهاية، يُدرك المؤمن أن الفرج الحقيقي والراحة الدائمة تكمن في الآخرة، وليس في هذه الدنيا الزائلة.

 

المصدر: وكالات