عباس خامه يار
بعد رحلات عدة وسنوات من الإقامة على أرض لبنان الجميلة والمفاجئة، كانت رحلتي إلى بيروت مختلفة جداً وحزينة وأليمة. لقد كانت مشاهد المشاركة الملحمية والعظيمة وغير المسبوقة لشعب لبنان الوفي، والأحرار من نحو تسعين بلداً (بعيداً عن الدين والعرق والجغرافيا والجنسية والانتماءات السياسية والحزبية المتنوعة)، في مراسم تشييع زعيم المقاومة والزعيم الاستثنائي لأحرار العالم سماحة السيد حسن نصر الله، في أجواء مهددة ومع تحليق متواصل لطائرات الكيان الصهيوني، مؤثرة جداً، وتشير إلى إصرار الشعب على مواصلة مسيرة شهداء المقاومة ونهجهم، وهو ما تجسّد بشكل كامل في الشعار الوحيد والمفيد والعميق الذي رفعه المنظمون والمعزّون: «إنّا على العهد».
وأظهرت مناورات طائرات الاحتلال الصهيوني أيضاً مدى الرعب والقلق الذي يسببه الحضور الملحمي للشعب ووفاؤه للمقاومة.
ورغم أن القلم يعجز عن تصوير عظمة هذه الملحمة اليوم ووصفها، المصحوبة بشغف وذكاء ومجد جيش عباد الله العظيم الذي لا مثيل له في تاريخ هذه البلاد؛ ولكن، فجأة، خطر ببالي أن أستعير صورة مشاهد كربلاء وعاشوراء في بيروت، من المنظومة الفكرية ومن روائع الشاعر العربي الكبير والشهير نزار قباني، وأن أشارككم إحدى روائعه الحسينية والكربلائية في هذه المناسبة الأليمة.
يقول نزار قباني: لا يقاس الحسين بالثوار بل بالأنبياء، ولا تقاس كربلاء بالمدن بل بالسماوات، ولا تقاس عاشوراء بحوادث الدهر بل بمنعطفات الكون.
مع الحسين كل هزيمة انتصار، ومن دون الحسين كل انتصار هزيمة، لأن قصة عاشوراء لم تكتمل فصولها، فإن كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء.
أيها الناس… إن الشهادة تزيد في أعمار المستشهدين. ألا ترون كيف أن عبد الله الرضيع يعتبر اليوم من كبار عظماء الرجال؟
اعتمد الحسين على قوّة المنطق، واعتمد عدوه على منطق القوة، ولما سقطت قوة عدوه، انتصر منطق الحسين، وكان انتصاره أبدياً.
قبل عاشوراء، كانت كربلاء اسماً لمدينة صغيرة، أما بعد عاشوراء، فقد أصبحت عنواناً لحضارة شاملة.
تمزّقت رايته… ولم تُنكّس!
وتمزّقت أشلاؤه… ولم يركع!
وذبحوا أولاده وإخوانه وأصحابه… ولم يهن!
إنها عزة الإيمان في أعظم تجلياتها
كان ما فعله الحسين وأصحابه صعباً عليهم: أن يقاتلوا أو يقتلوا ،ولكنهم لو لم يفعلوا ما صنعوا لكان عليهم أصعب.
الحسين ليس شخصاً، بل هو مشروع.
وليس فرداً، بل هو منهج… وليس كلمة، بل هو راية.
لو شاء الحسين أن يعتذر عن الجهاد، لوجد كل الأعذار التي يتوسّل ببعضها الناس للتقاعس عنه، وجدها مجتمعة، ولكنه رأى الموت له عادة وكرامته من الله الشهادة. فأعلن الجهاد وكان ذلك من أعظم إنجازاته.
مهما قلنا عن الحسين، ومهما كتبنا عنه، فلن نتجاوز فيه ما قاله رسول الله: مكتوب على ساق العرش إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة.
كلما حاولت أن أعبّر عن الحسين بالكلمات، وجدت أن الكلمة عاجزة عن التعبير عن نفسها فيه، قلت عنه إنه الحق، قلت إنه الكوثر، وقلت إنه الفضيلة، فوجدته أكثر من ذلك، فرجوت الله تعالى أن يلهمني كلمة تعبّر عن حقيقة الحسين، فألهمني أن أقول إن الحسين هو الحسين وكفى».
نعم… وبمنطق نزار قباني نفسه، في وصف المشاهد التاريخية، نحن أمام كربلاء اليوم في بيروت، وعشق أهل هذه المنطقة لحسين زمانهم، أستطيع أن أقول: «نصر الله هو نصر الله»، ولا شيء أكثر!
بيروت… بتوقیت زمن نصر الله!
المستشار الثقافي الإيراني السابق في بيروت.