شهر رمضان لترسيخ العدل والإحسان في الاصلاح والتكامل

يجمع الدين الإسلامي بقيمه العظيمة بين العدل والإحسان بحيث يكون العدل قاعدة للحياة، والإحسان روحا تحيي العلاقات الإنسانية، فحين يكون العدل مطلوبا لضمان الحقوق، فإن الإحسان يكمل هذا العدل، فيمنح المجتمع طابع الرحمة والود والسلام. فالعدل يحقق الحقوق، أما الإحسان فيرفع الإنسان إلى مقام الفضيلة، ويجعل الحياة أكثر إشراقا وسعادة...

﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ﴾

 

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، وأوصى عباده بالتراحم والتكافل، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد واله الطيبين الطاهرين، الذين جسدوا معاني العدل والإحسان قولا وعملا، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

إن شهر رمضان ليس مجرد محطة زمنية تتكرر في كل عام بأجواء عبادية معينة، بل هو مدرسة إلهية تهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان روحيا وأخلاقيا، ليكون مساهما فعالاً في إصلاح المجتمع من خلال تطبيق قيم العدل والإحسان التي امر الله تعالى بها، حيث يقول تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل90، وعن الإمام علي (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ: الْعَدْلُ الْإِنْصَافُ وَالْإِحْسَانُ التَّفَضُّلُ.

 

لما لهما من نتائج ايجابية في نهضة الامم ورقي الحضارات الانسانية واستقامتها، وانتشار الاستقرار والامن والسلام والعطاء والانصاف بين الناس.

شهر رمضان بلسم يبعث الارتياح والطمأنينة إلى النفوس المعذبة والقلوب المنكسرة والأجساد المنهكة، إنه ضماد لجراحات القلب والجسد، ويخفف عنها عناء الحياة ومشاق العمل”، ففي هذا الشهر الفضيل، يجد المسلمون فرصة للرجوع إلى أنفسهم ومراجعة سلوكهم، بعيداً عن الغوص في الماديات والحياة الروتينية، من اجل الارتقاء روحياً ومعنوياً بالقيم التي تجمع بين العدل والإحسان لتحقيق مجتمع متكامل وحياة أفضل يسودها السلام والرخاء والرحمة والانسانية.

 

ميزان الاستقامة في بناء الأمم

إن العدل هو من القيم الجوهرية التي يقوم عليها أي مجتمع صالح، وهو الأساس الذي تعتمد عليه كافة التشريعات السماوية ومنها الشريعة الإسلامية السمحاء، لضمان حقوق الأفراد والمجتمعات، فالعدل في الإسلام لا يقتصر على القضاء والحكم بين الناس، بل يشمل جميع مجالات الحياة، بدءً من المعاملات اليومية وصولا إلى اعلى مراتب الإدارة والسياسة.

 

وقد أكد القرآن الكريم والسنة النبوية على أهمية العدل في مواضع عديدة، كقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، مما يدل على الارتباط الوثيق بين العدل والإحسان كقيمتين متلازمتين، لا يمكن أن يتحقق أحدهما دون الآخر، وقد ورد عن رسول الله (ص) قوله: “عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها”، كما أكد امير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: “العدل رأس الإيمان وجماع الإحسان” وقوله “العدل حياة الاحكام”.

 

فوق العدل وأسمى مراتب الأخلاق

أما الإحسان، فهو قيمة عليا ترتفع وتتسامى فوق العدل، حيث لا يقتصر الإنسان على إعطاء كل ذي حق حقه، بل يتعدى ذلك إلى الإحسان اليه والتفضل عليه، وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي محمد (صلى الله عليه واله): “إن الله كتب الإحسان على كل شيء”، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): “عليكم بالإحسان فإن الله يحب المحسنين”، وبهذا الاطلاق يظهر الإحسان في صور متعددة، منها:

 

1. الإحسان في العبادة: أداء العبادات بخشوع وإخلاص، كما جاء في الحديث: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.

 

2. الإحسان في المعاملة: التحلي بالرفق والرحمة، والعفو عند المقدرة، والتجاوز والتغافل حتى عمن اساء اليك بقصد او بدون قصد.

 

3. الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين: من خلال التصدق عليهم ومساعدتهم وعدم نهرهم وقطع سبيل المعروف والرحمة والاحسان.

يجمع الدين الإسلامي بقيمه العظيمة وتعاليمه السمحاء بين العدل والإحسان بحيث يكون العدل قاعدة للحياة، والإحسان روحا تحيي العلاقات الإنسانية، فحين يكون العدل مطلوبا لضمان الحقوق، فإن الإحسان يكمل هذا العدل، فيمنح المجتمع طابع الرحمة والود والسلام.

 

وقد كان النبي (ص) وأهل بيته (عليهم السلام) أسمى مثال على تجسيد مظاهر العدل والإحسان، فلم يقتصر عدلهم على إعطاء الحقوق فقط، بل تعداه إلى التضحية والإحسان حتى لمن أساء إليهم وفي ذلك الكثير من الامثلة والشواهد التي يطول ذكرها.

 

توصيات أساسية

توصيات لاستثمار شهر رمضان لتعزيز قيم العدل والإحسان:

 

1. مراجعة النفس: استثمار هذا الشهر لمحاسبة الذات في مدى التزامنا بالعدل في علاقاتنا وأعمالنا، والعمل على إصلاح أخطائنا.

 

2. التكافل الاجتماعي: دعم الفقراء والمحتاجين عبر الصدقات والمساعدات، وتعزيز روح التعاون بين أفراد المجتمع.

3. إشاعة ثقافة الإحسان: نشر ثقافة التسامح، التراحم، والكلمة الطيبة بين أفراد المجتمع، والعمل على تحسين العلاقات الإنسانية.

 

4. تعزيز العدل والاحسان في الأسرة: معاملة الأبناء بالعدل، والإنصاف في الحقوق، واستشعار الرحمة والاحسان واشاعة جو من الود والمحبة داخل الاسرة مما يساهم في بناء فرد صالح ومجتمع متماسك وسليم.

 

5. العدل في العمل: احترام حقوق العمال، والحرص على الوفاء بالعهود والعقود، مما يعزز من استقرار المجتمع وصلاحه.

 

6. الإحسان واللين في العلاقات: الابتعاد عن الظلم والإحسان حتى لمن يسيء إلينا، فالخير يعود دائما على فاعله.

 

إن شهر رمضان هو فرصة عظيمة لترسيخ قيم العدل والإحسان في النفوس، ليصبح كل فرد في المجتمع مصدر خير وعطاء وانفاق في سبيل الله، فإن كنا قد صمنا عن الطعام والشراب، فلنصم أيضا عن الظلم والجفاء والقطيعة والتنازع والصراع، ولنجعل من العدل منهجا والإحسان سلوكا واللاعنف طريقا والاحترام خلقا والنظام معيشة والتقوى وعيا راسخا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة183.

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل العدل والإحسان والانصاف والمحبة والتسامح، وأن يوفقنا لاستثمار هذا الشهر الكريم بما يرضي الله سبحانه وتعالى ورسول الله صلى عليه وآله واهل بيته عليهم السلام، وكل عام وأنتم بخير.

 

المصدر: شبكة النبأ