«خط التماس»… الحرب الأهلية اللبنانية في عيني طفلة

الوثائقي، المشارك ضمن «عروض خاصة» في مهرجان «سينما الواقع» في باريس (22- 29 آذار/مارس)، يستعيد قصص الحرب بعيني طفلة عاشت لحظة منها امتدّت معها إلى اليوم، فالحرب التي اتخذت أشكالاً وتحولات إلى يومنا،

لا تنضب مواضيع الحرب الأهلية في لبنان سينمائياً، فلسنا هنا أمام حدث محدود وإن امتد لخمسة عشر عاماً. تبقى ارتدادات الحرب، أو إعادة تشكّلها، وتكيّفها مع راهن، أو رواهن جديدة ومستجدة، حتى اليوم في لبنان، بعد 35 عاماً على الإعلان عن انتهائها، أو انتهاء الشكل التقليدي منها، مما يمكن أن تكون عليه حرب أهلية، حيث القتل يكون على الهوية. نحن هنا، اليوم، أمام تحوّل ميتامورفوزيّ لهذه الحرب. قد يكون آخر أشكالها لامبالاة أو حتى لوم، من قبل طرف لبناني تجاه آخر، الأول يشاهد قنواته التلفزيونية، والآخر يلملم أشلاء أحبائه وركام بيوته من غارات إسرائيلية.

 

«خط التماس» للفرنسية سيلفي بايّو، يعود إلى الحرب الأهلية في اندلاعها عام 1975، ويستعيدها من خلال عيني طفلة كبرت، هي فداء بزري، التي تواجهت، وهي طفلة، مع مسلّح رفع بندقيته في وجهها قبل أن يختفي. يحوم الفيلم حول تجربتها، وحالة الصدمة التي ألمّت بها، ومواجهتها في الفيلم مسلحين سابقين، لمحاولة السؤال والتساؤل في معنى وجدوى حمل السلاح للقتل. تلتقي فداء برجال ونساء من أحزاب مختلفة وانحيازات متخالفة، كل من هؤلاء يحاول الإجابة، باللف والدوران عموماً، عن سؤال جدوى حمل السلاح بين جيران في بلد واحد. معظم هؤلاء يعبّر بداية عن ندم أو مراجعة أو نقد ذاتيين، لكن الكلام يجر الكلام، والتساؤل يحفر في المعنى ولا يكتفي بالشكل، بالكلام الملفوظ كأنّه ملقَّن. لا يخرج أحدنا من نتيجة غير أن الندم شكلي وأن المحاسبة الذاتية التي بدأت بالكلام انتهت عنده.

 

الوثائقي، المشارك ضمن «عروض خاصة» في مهرجان «سينما الواقع» في باريس (22- 29 آذار/مارس)، يستعيد قصص الحرب بعيني طفلة عاشت لحظة منها امتدّت معها إلى اليوم، فالحرب التي اتخذت أشكالاً وتحولات إلى يومنا، ليست أحداثاً خارجية وحسب، هي كذلك تحولات في دواخل أفراد كانوا أطفالاً وامتدت معهم لحظات كأنّها ما بعد الصدمة، إليهم كباراً، هو حال فداء التي أصرّت في أسئلتها على استخراج تفسيرات وتبريرات للممارسة المسلحة التي لجأ إليها أصحابها لمحاربة جيرانهم، أو شركائهم في المدينة، وإن كانوا على الطرف الآخر من خط التماس، من الخط الأخضر (عنوان الوثائقي بالإنكليزية: Green Line)، الفاصل بين بيروتَين، الشرقية والغربية.

 

الفيلم المشارك في المسابقة الدولية لمهرجان لوكارنو السينمائي العام الماضي، استطاع تلطيف الوطأة في الحديث عن حرب أهلية امتلأت بالمجازر، من تل الزعتر إلى الكرنتينا إلى صبرا وشاتيلا، وإضافة إلى مقاربة الطفلة مستعادَةً من خلال الطفلة ذاتها وقد كبرت، الفيلم لجأ كذلك إلى دمى متحركة لتجسيد الأحداث، لكنه، كذلك، وللتجاور التضاديّ، أظهر مشاهد من مجازر، صبرا وشاتيلا تحديداً، بالدماء المغبرّة والجثامين المهشّمة، لتظهر بقساوة تقارب، مهما بعدت، حالتها الحيّة آنذاك، في أيلول/سبتمبر 1982، بمجاورتها للدمى، للمحاولات اليائسة من فداء في استيعاب معنى ضرورة السلاح لدى حامليه في حرب أهلية.

 

لم يكن سهلاً على الوثائقي استعادة موضوع استُعملَ مراراً في السينما اللبنانية، والانطلاق من مقاربة مستعادَة لطفلة، أو مقاربة هذه الطفلة بأثر رجعي، أو محاولة فداء وقد كبرت، العودة في إدراكها إلى ذاتها طفلةً، الانطلاق من هذه المقاربة قدّم للفيلم فضاءً لا يخضع لمنطق الكبار، المتحاربين، فضاءً حلّقت فيه أفكار طفولية في سماء بلاد لم تجفّ ذاكرتها المدمّاة بعد. لكن ذلك ذاته، كذلك، حرفَ الفيلمَ إلى إنسانوية أوصلت التساؤلات والنقاشات إلى انسدادات سببها محاولة السائلة لوم الجميع على سوية واحدة.

 

محاولتها الاستغراب من حمل أحدهم سلاحاً مقابل آخرين ارتكبوا مجزرة بحق أهله ورفاقه.

 

أعطى الفيلم صورةً وصوتاً للضحايا من خلال المشاهد الأرشيفية تحديداً، لكن الاستعلاء عن الحدث التاريخي، والقول إن رائحة الدماء والجثامين واحدة، للجميع، جعل من الفيلم ذي المقاربة الطفولية، بمنطق طفولي قاصر عن الإدراك، يمكن لذلك أن يأتي من طفلة، لكن براءة الطفولة تتحول إلى سذاجة متى كبرت الطفلة من دون أن تكبر أسئلتها وتتعقّد. التاريخ، بحروبه تحديداً، الأهلية منها على الأخص، أكثر تعقيداً من مقاربة طفولية، مهما كانت هذه المقاربة حسنة النية.

 

المصدر: الجزيرة