القادة الشهداء صنّاع المقاومة الأبيّة وملهمو الأجيال الفتيّة

الحاج “عماد مغنیة”.. قائد عسكري یهوى فن وموسیقى المقاومة

رسم صورة مختلفة عن قیادیین عسكريین نمطیین في الوطن العربي،لیغدو أیقونة المقاومة الساحرة بإنجازاتها وأحجیاتها.

2023-02-21

الوفاق/ يدور الحديث اليوم عن الشهداء، ولا تختص ذكرى الشهداء بيوم خاص او مناسبة خاصة، نظراً لدورهم الكبير في الحياة، حيث ضحوا بأنفسهم وأصبحوا نجوما في السماء، يضيئون الطريق في هذه الدنيا الدنية التي أصبحت ساحة صراع الخير والشر، وفي الصخب الإعلامي والثقافي الذي يقوم به الإعلام الغربي لقلب الحقائق، ونحن اليوم في أسبوع ذكرى قادة الشهداء في حزب الله، القادة الذين أناروا لنا الدرب لمواصلة الطريق حتى قمع الظالمين والمعتدين، القادة الشهداء هم صنّاع المقاومة الأبيّة وملهمو الأجيال الفتيّة.

تطلّ علينا هذه السنة ذكرى القادة الشهداء وقد تعززت ساحات الجهاد أكثر وأكثر بآلاف القادة والمجاهدين البواسل، وأينع ثمر غرس الشهداء على خط متّسع ومتنام ذوّب الحدود المصطنعة بين العديد من الأقطار الإسلامية.

تطل علينا هذه الذكرى وقد وعت الأمة أحقّية خطابات القادة الشهداء والأحياء، وكيف أن الدماء التي تسقط في سبيل الله تسقط في يد الله لتنمو وتكبر، كما عبر عن ذلك: شيخ شهداء المقاومة الإسلامية الشيخ راغب حرب.

تطل علينا ذكرى القادة الشهداء في زمن رأينا فيه كيف أن الحرب مع الأعداء (أميركا والصهاينة وأتباعهما) كانت ومازالت حرباً شرسة وصعبة، وأن العدو لم يترك وسيلة إلا استفاد منها وسخرها لقهر المجاهدين في ميادين القتال، ولكن بسالة مجاهدينا وإيمانهم، وقدرتهم على مواكبة التحديات والتغلب عليها، وابتكار الأساليب الإبداعية في المجال العسكري لقهر العدو وسحقه، أفشل جميع أهدافهم، وأحبط مشاريعهم الشيطانية التي كانوا قد جهزوها لأوطاننا ومجتمعاتنا. وكل ذلك يعيد إلى أذهاننا ذاك العقل الألمعي الذي قاد المقاومة الإسلامية في الانتصارين على العدو الصهيوني، كيف أن عبقريته العسكرية والأمنية، وإخلاصه وتفانيه قد أنتج مدرسةً تغرف من عطاءاتها كل الأجيال التي اتخذت من عزة السلاح خياراً أساسياً لإسترجاع الحق وحماية الأرض والعرض. ذلك العقل الألمعي الملهم هو عقل عماد شهداء المقاومة الإسلامية القائد الفذ الشهيد “عماد مغنية”.

نتحدث اليوم عن هذا الشهيد العبقري الذي أرق الصهاينة، ومع بسالته في ساحات الجهاد، إلا أن كان يحظى بروح لطيفة وفنية وثقافية، فنتطرق اليوم إلى الجانب الفني من شخصية هذا الشهيد.

الشهيد الحاج عماد مغنية

الشهيد الحاج عماد فايز مغنية (الحاج رضوان) هو من أهم القادة العسكريين في المقاومة الإسلامية اللبنانية، حزب الله، لقبّه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله “قائد الإنتصارين”.

ولد في طيردبا الجنوبية عام 1962، عاش في كنف عائلة متدنية متواضعة مُحبّة للعلم والجهاد، سافر إلى قم فتلقى العلوم الدينية والحوزوية، انتقل للعيش في الضاحية الجنوبية بعد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وتعرّف عن كثب على المقاومة الفلسطينية، وانخرط في احدى وحدات النخبة لدى حركة فتح رغم صغر سنّه فتلقى واكتسب المهارات القتالية إلى أن أصبح قيادياً في صفوفها.

اغتال الموساد الصهيوني الحاج عماد مغنية بعد أكثر من 25 عاماً من الملاحقة الاستخباراتية الأميركية – الإسرائيلية والغربية للوصول اليه، حيث استشهد عام 2008 في سيارة مفخخة في دمشق وبعد عدة محاولات فاشلة لاغتياله أودت بحياة أخويه جهاد وفؤاد.

ساحر المقاومة

كان یختزن القائد الجهادي الكبیر في حزب الله الشهید عماد مغنیة في شخصیته العدید من الأسرار المفاجئة.. تتوازى مهارته في القیادة العسكرية مع شغف بعالمٍ بعیدٍ عن السیاسة والمواجهة مع العدو، فهو ساحر المقاومة وكان يحظى بشخصية مميزة وفريدة، الذين كانوا يعرفونه یشهدون على حبّ نما منذ صغره لأشكال من الفن الملتزم..

كما جاء سابقاً في موقع “العهد” الأخباري: لا یزال الشهید الكبیر عماد مغنیة لغزاً یحیّر الكثیرین، شخصیته وهویته الغامضة التي لم تُكشف إلّا بعد اغتیاله تبدو وكأنها نبعٌ یفيض بالأسرار الغریبة والجمیلة في آن معاً.. مسیرته الجهادیة الطویلة تشیر إلى أنه واحد من القادة القلائل الذین تمیّزت حیاتهم بخط تصاعدي على كافة المستویات، ممتلكین قدرات ولیاقات ذهنیة غزیرة.

من عایش الحاج عماد على مدى سنوات، يرى أنه كان یتحدّث عن هوایة فنیة تطوّرت مع مراحل عمره.. فهو اندفع في بدایة “مشواره” السیاسي إلى متابعة المسرحیات التي تتناول الواقع اللبناني المأزوم، وعندما انطلق في مسیرة النضال “قبل تولیه مسؤولیة قیادیة في حزب الله”، إلتقى الفنان “زیاد الرحباني” الذي كان “یتعقّب” أعماله الساخرة.

إلى جانب الفن الرحباني، وعُرف عن الحاج عماد ولعه بأناشید الفنان “مارسیل خلیفة” الثوریة، كان یهوى الإستماع إلیها لأنها تعكس قضایا الأمة والأرض.. حظیت الموسیقى الملتزمة في حیاة القائد الشهید بحیّز من الاهتمام، فهو لم یكن مستمعاً فحسب، بل كان مشاركاً في العدید من الأعمال الفنیة الإنشادیة إلى حدّ أنه تعاون مع فریق “كورال” لتسجیل نشید “المجد لأیلول الشهداء”، وأدخل صوته فيه.

تعلّق الحاج بالموسیقى الإیرانیة

رُوي أن الحاج عماد تعلّقَ بالموسیقى الإیرانیة أیضاً، التي لم تفارقه في رحلاته إلى سوریا. یروي الذين كانوا معه أن الرحلة الأخیرة إلى “الشام” شهدت “صدفة” غریبة، فالحاج قبل وصوله إلى هناك، كان یستمع إلى قطعة فنیة إیرانیة تراثیة للمنشد الإيراني “محمد الأصفهاني” تحمل عنوان “إمشَب دَر سَر شُوري دارم”.. عند ترجمة كلماتها الفارسیة للعربیة، یتبیّن أنها تصف حالته النفسیة قبیل استشهاده وكأنها أنشودة الوداع، فنسمع في إحدى مقاطع الأنشودة: “هذه اللیلة أنا كُلي العاطفة والفكر.. إذ أنا بعید عن هذا العالم”.

الشهيد وأناشيد المقاومة

لم یحدّ شيء من شغف القائد الكبیر یوماً.. یستعید المقربون منه “خبریات” تُذكّر بحماسته للأعمال الفنیة المــُحكّمة والمعدة بإتقان.. فالحاج، لطالما واكب تصویر أناشید المقاومة على طریقة “الفيدیو كلیب”.

كان یشهد فيديو كليب نشید “نصرك هزّ الدنی” على تدخل الشهید في أدقّ تفاصیله، إلى حدّ تعدیله لبعض المشاهد فيه، وخصوصاً عندما أعاد تصویر مشهد شاب یركض حاملاً علم حزب الله، لیستبدله بالعلم اللبناني، ویروي أحد المجاهدین الذین عایشوه كیف أصر الحاج على إعادة طلي مجموعة كبیرة من حاملات راجمات الكاتیوشا لتظهر في فيدیو “نصرك هز الدنی”، على قاعدة أن الصورة تعبّر عن طبیعة وشخصیة من فيها أو من خلفها، وعلیه، منح “الأخوة” یومها مهلة لا تتجاوز الـ 24 ساعة كي ینتهوا من عملیة الطلاء ثم حضر للتفقّد وأوعز بالبدء بالتصویر مجدّداً.

قبل ذلك، عمل الحاج عماد على استعادة “فلاشات” الأناشید الفلسطینیة القدیمة كـ “طالعلك یا عدوّي طالع” لتعرض على قناة “المنار” في إطار “فيدیو كلیبات”.

النشاط الفني لدعم المقاومة

بقدر ما كان الشهيد مشاركاً فعّالاً في كلّ نشاط فني یدعم المقاومة، كان القائد الشهید، حاضراً من وقت إلى آخر في المسرحیات السیاسیة التي تعنى بالنهج الثائر.. ویحكي البعض أنه حضر یوماً مسرحیة نظّمتها وحدة الأنشطة الإعلامیة في حزب الله بعنوان “وارث” للمخرجة “هدایة سنان” في حدیقة بلدیة الغبیري في الجناح، وحرص حینها على تهنئة المخرجة وإبداء ملاحظاته على ما قدّمته.

تلفزیونیاً، وبحسب موقع “العهد” یُنقل عن الحاج عماد متابعته الدائمة للمسلسلات الكومیدیة وخصوصاً أعمال الممثل السوري “یاسر العظمة” الساخرة (مرایا).

الفن السوري عموماً شدّ انتباه القائد الشهید، لقاؤه بالممثل “درید لحّام” بعد حرب تموز 2006، واستشهاده بمقولة للأخیر عن أن لبنان سیحتلّ یوماً ما جنوب “إسرائیل”، یعكس مدى تأثره بمسرحیات “غوّار” ولا سیّما “كاسك یا وطن” التي تنتقد الواقع العربي بطریقة كومیدیة.

وأما للممثل السوري الراحل “خالد تاجا” قصة مع الحاج عماد.. تعرّف إلیه بعد 12 شباط 2008، أي عقب استشهاده، وعندما اطّلع على إنجازاته العسكرية وقیادته لنصري المقاومة في الـ 2000 والـ2006، نظم له قصیدة بعنوان: “بعد أن رحلت قالوا لنا من أنت”، لكنه لم یكتفِ بذلك، فبادر إلى الطلب من الأمین العام لحزب الله السید حسن نصر الله الحصول على مقتنیات الشهید، وكان له أكثر، أرسل له السید المصحف الخاص بالحاج عماد و “شاله” الأسود..

في حیاته وبعد استشهاده، ظلّ الحاج “رضوان” لغزاً جمیلاً یثیر الكثیرین، یودّون معرفة أي جدید عنه وعن اهتماماته ومیوله.. فرسم صورة مختلفة عن قیادیین عسكريین نمطیین في الوطن العربي، لیغدو أیقونة المقاومة الساحرة بإنجازاتها وأحجیاتها.

 

المصدر: الوفاق

الاخبار ذات الصلة