الوفاق/ في قلب القارة الأوروبية، حيث تتشابك المصالح وتتصادم السياسات، لم تعد الطاقة مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل تحوّلت إلى سلاح استراتيجي يُستخدم في معارك النفوذ والهيمنة. منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وجدت أوروبا نفسها في مواجهة أزمة غير مسبوقة، ليس فقط على مستوى الإمدادات، بل على مستوى المفهوم ذاته لأمن الطاقة.
الهجمات الأخيرة التي شنّتها القوات الأوكرانية على خط أنابيب «دروجبا» النفطي، الذي يُعدّ شرياناً حيوياً يربط روسيا بدول أوروبا الوسطى، فتحت الباب أمام تساؤلات عميقة حول قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية بنيته التحتية الحيوية، والحفاظ على استقرار أسواقه الطاقوية في ظل تصاعد التوترات العسكرية والدبلوماسية.
خط أنابيب «دروجبا»؛ هدف للهجمات
منذ تأسيسه في ستينيات القرن الماضي، شكّل خط أنابيب «دروجبا» أحد أعمدة أمن الطاقة الأوروبي. يمتد هذا الخط من روسيا إلى أوروبا الوسطى، مروراً ببيلاروسيا وأوكرانيا، ويتفرّع إلى مسارين: شمالي نحو بولندا وألمانيا، وجنوبي نحو المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك.
لكن في أغسطس/ آب 2025، تغيّر كل شيء. ثلاث هجمات متتالية بطائرات مسيّرة استهدفت البنية التحتية للخط داخل الأراضي الأوكرانية، ما أدى إلى توقف ضخ النفط نحو المجر وسلوفاكيا لعدة أيام. هذه الهجمات لم تكن مجرد عمليات عسكرية، بل رسائل سياسية مشفّرة، تحمل في طياتها تهديداً مباشراً لأمن الطاقة الأوروبي، وتضع كييف في مواجهة غير مباشرة مع حلفائها.
المفوضية الأوروبية.. تحذير بلا تصعيد
في مؤتمر صحافي، خرجت ممثلة المفوضية الأوروبية، إيفا غرينشيروفا، لتحذّر كييف من مهاجمة «دروجبا»، مؤكدة أنه «جزء من أمن الطاقة الأوروبي». ورغم أن المفوضية شدّدت على أن الضربات لم تؤثر حتى الآن على الإمدادات، إلا أن نبرة التحذير كانت واضحة، تعكس قلقاً متزايداً من تصعيد محتمل.
أريانا بوديستا، مسؤولة أخرى في المفوضية، أضافت أن الاتحاد الأوروبي كرّر لأوكرانيا أهمية الحفاظ على إمدادات الطاقة، ودعا جميع الأطراف إلى تجنّب استهداف البنية التحتية الحيوية. هذا الموقف، وإن بدا دبلوماسياً، إلا أنه يكشف عن انقسام داخلي في الموقف الأوروبي تجاه كييف، بين دعم سياسي وعسكري من جهة، والحفاظ على المصالح الاقتصادية من جهة أخرى.
بودابست وكييف.. صدام المصالح
المجر، التي تعتمد بشكل كبير على النفط الروسي المتدفق عبر «دروجبا»، لم تتردّد في التعبير عن غضبها. وزير الخارجية المجري، بيتر سيارتو، وصف الهجمات بأنها «اعتداء على سيادة بلاده»، ودعا كييف إلى وقف التهديدات والهجمات على البنية التحتية الحيوية.
مناوشات دبلوماسية تكشف عن شروخ في جبهة الدعم
وزير الخارجية الأوكراني الذي نصح نظيره المجري بـ«عدم إخبار زيلينسكي بما يجب فعله»، في إشارة إلى استقلال القرار الأوكراني. هذه المناوشة الدبلوماسية كشفت عن شروخ في جبهة الدعم الغربية لأوكرانيا، حيث تتعارض أولويات بعض دول أوروبا الوسطى مع الاستراتيجية العسكرية لكييف.
خسائر أوروبا الطاقوية.. ما وراء الأرقام
رغم أن المفوضية الأوروبية حاولت التخفيف من وطأة الأزمة، إلا أن الواقع يقول شيئاً آخر. توقف إمدادات النفط نحو المجر وسلوفاكيا تسبّب في ارتفاع أسعار الوقود، وتعطيل بعض المصانع، وزيادة الضغط على الاحتياطات الاستراتيجية. في سلوفاكيا، أُجبرت شركات صناعية على تقليص الإنتاج، فيما شهدت المجر احتجاجات شعبية على خلفية ارتفاع الأسعار.
لكن الخسائر لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى الجانب السياسي. فاستهداف «دروجبا» يضع الاتحاد الأوروبي أمام معضلة: هل يستمر في دعم أوكرانيا دون شروط، أم يفرض عليها قيوداً لحماية مصالحه الحيوية؟ هذا السؤال بات يؤرق صانعي القرار في بروكسل، ويهدد وحدة الموقف الأوروبي تجاه الحرب.
البنية التحتية الأوروبية.. هشاشة في زمن الحرب
لطالما اعتُبرت البنية التحتية الطاقوية في أوروبا من أكثر الشبكات تطوراً في العالم، لكن الحرب كشفت هشاشتها. خطوط الأنابيب، محطات التخزين، شبكات التوزيع، كلها أصبحت أهدافاً محتملة في صراع لا يعترف بالحدود. الهجمات على «دروجبا» ليست سوى مثال صارخ على ذلك.
في ظل غياب مظلة أمنية موحّدة لحماية هذه المنشآت، باتت الدول الأوروبية تعتمد على التنسيق الثنائي أو الثلاثي، وهو ما أثبت محدوديته. فكل دولة تتعامل مع الأزمة من زاويتها الخاصة، ما يخلق فجوات في الاستجابة ويضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على التحرك ككتلة واحدة.
هل يمكن فصل الطاقة عن السياسة؟
في عالم مثالي، قد تكون الطاقة ملفاً تقنياً يُدار بعيداً عن التجاذبات السياسية. لكن الواقع مختلف تماماً. الطاقة اليوم هي قلب السياسة، وورقة ضغط تُستخدم في المفاوضات، وفي الحروب، وفي رسم التحالفات.
أوكرانيا، ترى في استهداف البنية التحتية الروسية وسيلة لإضعاف العدو. لكن حين تكون هذه البنية جزءاً من شبكة أوروبية، يصبح الأمر أكثر تعقيداً. هل يحق لكييف مهاجمة «دروجبا» إذا كان ذلك يضر بحلفائها؟ وهل يحق لأوروبا أن تطلب من أوكرانيا ضبط سلوكها العسكري مقابل استمرار الدعم؟
هذه الأسئلة لا تملك إجابات سهلة، لكنها تكشف عن عمق الأزمة التي تواجهها أوروبا اليوم.
مستقبل أمن الطاقة الأوروبي.. سيناريوهات محتملة
في ظل هذا الواقع المتشابك، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1- تعزيز الحماية الأمنية للبنية التحتية
قد تلجأ أوروبا إلى إنشاء قوة مشتركة لحماية المنشآت الحيوية، تشمل فرقاً متخصصة في الأمن السيبراني، والمراقبة الجوية، والاستجابة السريعة. هذا السيناريو يتطلب تنسيقاً غير مسبوق بين الدول، وتمويلاً ضخماً، لكنه قد يكون السبيل الوحيد لضمان الاستقرار.
2- تنويع مصادر الطاقة
أوروبا بدأت بالفعل في تقليل اعتمادها على روسيا، عبر استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة وقطر، وزيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة. لكن هذه البدائل تحتاج وقتاً لتصبح فعّالة، ولا يمكنها تعويض الخسائر الفورية الناتجة عن توقف خطوط الأنابيب.
3- إعادة تعريف العلاقة مع أوكرانيا
قد تضطر أوروبا إلى فرض شروط جديدة على الدعم العسكري والمالي لكييف، تتضمن احترام البنية التحتية الحيوية وعدم استخدامها كورقة ضغط. هذا السيناريو يحمل مخاطر سياسية، لكنه قد يكون ضرورياً لحماية المصالح الأوروبية.
أوروبا بين نارين.. هل من مخرج؟
في خضمّ هذه العاصفة، تقف أوروبا على مفترق طرق. من جهة، هناك التزام بدعم أوكرانيا في الحرب مع روسيا، ومن جهة أخرى، هناك مصالح حيوية لا يمكن التفريط بها. الهجمات على «دروجبا» ليست مجرد أحداث عابرة، بل مؤشرات على تحوّل الطاقة إلى ساحة معركة جديدة، حيث تتقاطع الأنابيب مع السياسات، وتتداخل المصالح مع المبادئ.
الخسائر التي تكبّدتها أوروبا، سواء على مستوى الإمدادات أو الثقة، تفرض عليها إعادة التفكير في استراتيجيتها الطاقوية، ليس فقط في سياق الحرب، بل في سياق عالم يتغيّر بسرعة. فهل تنجح القارة العجوز في بناء منظومة قادرة على الصمود؟ أم أن شبح الهشاشة سيظل يطاردها في كل منعطف؟
الجواب لا يكمن في البيانات فقط، بل في الإرادة السياسية، والقدرة على التعلّم من الأزمات، وتحويلها إلى فرص. أوروبا اليوم أمام اختبار حقيقي، فإما أن تخرج منه أقوى، أو أن تدفع ثمن التردد والانقسام.