لطالما قدّمت الولايات المتحدة نفسها للعالم على أنها راعية الديمقراطية، حامية حقوق الإنسان، ومصدر المساعدات الإنسانية للدول الفقيرة. لكن خلف هذا القناع البراق، تختبئ سياسات لا تعرف سوى لغة الهيمنة، والابتزاز، والتخلي عن المبادئ الأخلاقية حين تتعارض مع المصالح الذاتية. قرار دونالد ترامب في أغسطس / آب 2025 بإلغاء حزمة مساعدات خارجية بقيمة 5 مليارات دولار، عبر حيلة تشريعية لم تُستخدم منذ 48 عامًا، ليس مجرد إجراء مالي، بل هو إعلان صريح عن انسحاب أميركا من التزاماتها الإنسانية، وتأكيد جديد على أن «أميركا أولاً» تعني «العالم أخيرًا».
يكشف هذا التصرف عن فلسفة سياسية تقوم على الأنانية المفرطة، وتعيد رسم العلاقة بين الولايات المتحدة والعالم على أسس لا تمت للتعاون بصلة، بل ترتكز على الإذلال والهيمنة. التداعيات الإنسانية، القانونية، والدبلوماسية الناتجة عن هذا القرار لا يمكن تجاهلها، فهي تُظهر كيف تحولت أميركا، بقيادة ترامب، إلى قوة عمياء لا تسعى إلا لفرض إرادتها على الجميع، دون أدنى اعتبار لمبادئ العدالة أو الأخلاق الدولية.
التلاعب بالقانون لتدمير المساعدات
البيت الأبيض لم يكتف بإلغاء المساعدات، بل استخدم حيلة قانونية تُعرف باسم «Pocket Rescission»، وهي مناورة تسمح للرئيس بتقديم طلب إلغاء النفقات إلى الكونغرس في وقت متأخر من السنة المالية، بحيث تنتهي صلاحية استخدام الأموال قبل أن يتمكن المجلس التشريعي من الرد. هذه الحيلة، التي لم تُستخدم منذ عام 1977، تُعد انتهاكًا صارخًا لمبدأ الفصل بين السلطات، وتُقوّض دور الكونغرس في الرقابة على الإنفاق العام.
الهدف من هذه المناورة ليس فقط تعطيل التمويل، بل تعطيل الديمقراطية نفسها. إنها محاولة لتجاوز المؤسسات، وفرض إرادة الرئيس على الجميع، في مشهد يُجسّد عقلية استبدادية لا تؤمن بالحوار أو التوازن، بل تسعى إلى فرض القرار بالقوة، حتى لو كان الثمن انهيار برامج إنسانية تمس حياة الملايين.
مساعدات تستخدم غالبًا كغطاء سياسي للتدخل
كانت حزمة المساعدات الملغاة مخصصة لدعم برامج حيوية تمس حياة الناس في أكثر من مئة دولة حول العالم. هذه المساعدات لم تكن ترفًا ولا منّة، بل كانت تمثل شريانًا إنسانيًا يُغذّي قطاعات التعليم، الصحة، البنية التحتية، وحفظ السلام في مناطق تعاني من الفقر والنزاع.
من بين هذه الأموال، كانت هناك 3.2 مليارات دولار مخصصة لمشاريع التنمية عبر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، وهي مشاريع تُعنى بتوفير مياه الشرب، بناء المدارس، وتقديم الرعاية الصحية في المجتمعات الأكثر هشاشة. كذلك، خُصص 322 مليون دولار لصندوق الديمقراطية، الذي يُستخدم غالبًا كغطاء سياسي للتدخل في شؤون الدول تحت شعار “دعم الحريات”، بينما يُوظّف فعليًا لفرض أجندات أميركية على الأنظمة السياسية المحلية.
أما مساهمات وزارة الخارجية للمنظمات الدولية، والتي بلغت 521 مليون دولار، فهي تمثل التزامًا أميركيًا تجاه مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وهي التزامات قررت واشنطن التنصل منها في لحظة أنانية سياسية. كذلك، شملت الحزمة 393 مليون دولار لدعم عمليات حفظ السلام، و445 مليون دولار إضافية مدرجة في ميزانية منفصلة، كانت تُستخدم لتثبيت الأمن في مناطق النزاع، ومنع انهيار الدول الهشة.
إلغاء هذه المساعدات لا يعني فقط وقف التمويل، بل يعني التخلي المتعمد عن ملايين الناس الذين يعتمدون عليها للبقاء. إنه قرار يُجسّد منطقًا استعلائيًا يرى في العالم عبئًا لا يستحق الدعم، ويُعيد إنتاج سياسات أميركية قديمة لطالما استخدمت المساعدات كأداة للهيمنة، لا كوسيلة للتضامن. فبدلًا من أن تكون الولايات المتحدة قوة داعمة للاستقرار، اختارت أن تكون قوة انسحابية تُغلق أبوابها في وجه المحتاجين، وتُعيد رسم علاقتها بالعالم على أساس الإذلال والتفوق، لا على أساس الشراكة والمسؤولية.
الإعلام كعدو وهمي لتبرير قرارات غير أخلاقية
منذ توليه الحكم، أبدى ترامب عداءً واضحًا لوكالة التنمية الدولية، متهماً إياها بسرقة مليارات الدولارات لدفع أموال لوسائل إعلام. هذا الاتهام، الذي يفتقر إلى أي دليل قانوني أو مالي، يُجسّد عقلية المؤامرة التي تُميز خطابه السياسي، ويُظهر كيف يُستخدم الإعلام كعدو وهمي لتبرير قرارات غير أخلاقية.
وزارة الكفاءة الأميركية، التي ترأسها إيلون ماسك حينها، دعمت هذا التوجه، وسعت إلى إلغاء الوكالة بالكامل، في خطوة تُجسد منطق «الكفاءة مقابل الإنسانية»، وكأن دعم الشعوب الفقيرة أصبح عبئًا يجب التخلص منه.
أميركا تُغلق صنبور الحياة عن الفقراء
في مناطق منكوبة مثل جنوب السودان، وهايتي، لا تُعد برامج المساعدات الأميركية مجرد دعم خارجي، بل هي شريان حياة يعتمد عليه آلاف الأطفال والعائلات للحصول على مياه نظيفة، لقاحات أساسية، وفرص تعليم نادرة. هذه البرامج كانت تُخفف من وطأة الفقر، وتُقاوم انتشار الأمراض.
لكن قرار ترامب بإلغاء هذه المساعدات لا يعني فقط وقف التمويل، بل يعني ترك هذه المجتمعات تواجه مصيرها وحدها. إنه إعلان قاسٍ بأن حياة الفقراء لا تستحق الإنفاق، وأن أميركا لم تعد ترى في الإنسانية قيمة تستحق الدفاع عنها. فعودة الأمراض المعدية، تفشي الجوع، وانهيار أنظمة التعليم والصحة، ليست مجرد احتمالات، بل نتائج حتمية لهذا القرار.
أما عمليات حفظ السلام، التي كانت تُموّل جزئيًا من هذه الحزمة، فهي الآن مهددة بالانهيار. في الكونغو، أفريقيا الوسطى، والساحل الأفريقي، وقد يؤدي نقص التمويل إلى انسحاب هذه القوات، وترك المجتمعات عرضة للعنف، والتهجير، والانهيار الكامل.
المساعدات الأميركية ..أرقام تكشف الهيمنة
وفقًا لتحليل مركز Pew للأبحاث، بلغ إجمالي الإنفاق الأميركي على المساعدات الخارجية في عام 2024 حوالي 55 مليار دولار، أي ما يعادل أقل من 1% من الميزانية الفيدرالية. ورغم ضآلة النسبة، فإن هذه الأموال تُستخدم كأداة سياسية بامتياز.
في عام 2024، قدّمت USAID وحدها 42% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي رصدتها الأمم المتحدة، ما يجعلها اللاعب الأكبر في هذا المجال. لكن هذه الهيمنة لا تُترجم إلى دعم إنساني نزيه، بل تُستخدم لفرض شروط سياسية واقتصادية على الدول المستفيدة.
على سبيل المثال، تُشترط المساعدات غالبًا بقبول سياسات السوق الحرة، أو التعاون العسكري، أو دعم مواقف أميركية في المحافل الدولية. الدول التي ترفض هذه الشروط، تُحرم من المساعدات، بينما تُغدق الأموال على حلفاء مثل كيان العدو بغض النظر عن سجلهم في حقوق الإنسان.
المساعدات كأداة للابتزاز
المساعدات الأميركية لم تكن يومًا بريئة. لطالما استخدمتها واشنطن كأداة للابتزاز السياسي، ووسيلة لفرض شروطها على الدول الفقيرة. من دعم الأنظمة الموالية، إلى تمويل منظمات تُروّج لأجندات أميركية، كانت المساعدات وسيلة للهيمنة، لا للتضامن.
لكن قرار ترامب يُجسّد مرحلة جديدة: لم تعد أميركا تُخفي نواياها، بل تُعلن صراحة أنها لا تُريد مساعدة أحد، إلا إذا كان ذلك يخدم مصالحها. إنها فلسفة تقوم على الانسحاب من العالم، وتركه يواجه مصيره، حتى لو كان ذلك يعني انهيار دول، وموت أطفال، وتفشي الأوبئة.
تجلي الأنانية السياسية بأبشع صورها
قرار ترامب بإلغاء حزمة المساعدات الخارجية ليس مجرد إجراء مالي عابر، بل هو لحظة كاشفة تُسقط القناع عن الوجه الحقيقي للسياسات الأميركية. إنه إعلان صريح بأن الولايات المتحدة، التي لطالما تغنّت بدورها القيادي في العالم، لم تكن يومًا ملتزمة بقيم العدالة أو الإنسانية، بل كانت تسعى دومًا إلى فرض إرادتها عبر أدوات الهيمنة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو إعلامية.
في هذا القرار، تتجلى فيه الأنانية السياسية بأبشع صورها: رئيس يستخدم ثغرة قانونية لتجاوز الكونغرس، ويُلغي مساعدات تمس حياة الملايين، فقط ليُرضي قاعدة انتخابية داخلية لا ترى في العالم سوى عبء يجب التخلص منه. إنه منطق لا يعرف الرحمة، ولا يعترف بالمسؤولية الأخلاقية، بل يُقدّس المصلحة الذاتية حتى لو كان الثمن انهيار دول، وموت أطفال، وتفشي الأوبئة.
لكن الأخطر من القرار نفسه هو ما يكشفه عن فلسفة الحكم في واشنطن: فلسفة تقوم على الانسحاب من الالتزامات، وتفكيك المؤسسات الدولية، وابتزاز الشعوب الفقيرة، وتحويل المساعدات إلى أدوات ضغط.