منذ أن دخل دونالد ترامب الحياة السياسية الأميركية، لم يكن ملف الهجرة بالنسبة له مجرد قضية إدارية أو اقتصادية، بل تحوّل إلى محور مركزي في خطابه الشعبوي. لقد أدرك مبكرًا أن الهجرة تُمثل نقطة توتر في المجتمع الأميركي، وأنها قادرة على تحريك مشاعر الخوف والقلق لدى شريحة واسعة من الناخبين. لذلك جعل منها سلاحًا انتخابيًا، وأداة لتعبئة القاعدة الشعبية التي ترى في المهاجرين تهديدًا لهويتها وأمنها. ومع كل أزمة أمنية أو حادثة عنف، كان ترامب يجد الفرصة لتصعيد حملته ضدهم. حادثة إطلاق النار قرب البيت الأبيض قبل يومين لم تكن سوى حلقة جديدة في هذا المسار، إذ استغلها ترامب ليعلن وقف الهجرة من «دول العالم الثالث» وإلغاء ملايين الطلبات التي مُنحت في عهد بايدن.
الهجرة في التاريخ الأميركي: أرض الفرص أم أرض القيود؟
الهجرة كانت دائماً جزءاً من الهوية الأميركية. منذ القرن السابع عشر، شكّل المهاجرون من أوروبا أساس المجتمع الجديد، ثم تبعهم ملايين من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. لكن هذا الانفتاح لم يكن دائماً مرحباً به؛ فقد شهدت الولايات المتحدة موجات من العداء للمهاجرين في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الأمنية. في القرن العشرين، فرضت قوانين تحدّ من دخول الأوروبيين الجنوبيين والشرقيين، ثم جاءت الستينيات لتفتح الباب أمام موجات جديدة من المهاجرين. هذا التذبذب يعكس صراعاً دائماً بين قيّم الانفتاح ومخاوف الانعزال. ترامب استغل هذا الصراع ليقدّم نفسه كمدافع عن «النظام الأميركي» في مواجهة «الغزو الخارجي»، مستعيداً خطاباً قديماً لكنه بلبوس جديد.
ترامب وخطاب الشعبوية.. من الجدار الحدودي إلى حظر السفر
منذ حملته الانتخابية عام 2016، ركّز ترامب على مهاجري المكسيك، وطرح فكرة بناء جدار عازل على الحدود الجنوبية. هذا الجدار لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل رمز سياسي، يعكس فكرة أن المهاجرين يشكّلون تهديداً يجب عزله. ثم جاء «حظر السفر» الذي استهدف مواطني دول ذات أغلبية مسلمة، ليؤكد أن سياساته ليست مجرد وعود بل إجراءات عملية. في سنوات حكمه الأولى، قلّص برامج استقبال اللاجئين، وشدّد شروط اللجوء، وفتح مواجهة مع المدن التي تُعرف بـ «المدن الملاذ» للمهاجرین مثل شيكاغو، التي رفضت التعاون مع السلطات الفدرالية في ترحيل المهاجرين غير النظاميين. هذه الخطوات شكّلت المرحلة الأولى من حملته ضد المهاجرين، حيث ربط بين الأمن القومي والهجرة غير الشرعية، مقدّماً نفسه كحامي الحدود.
استثمار سياسي في حادثة أمنية
إطلاق النار الذي نفّذه مهاجر أفغاني على جنديَّين من الحرس الوطني قرب البيت الأبيض شكّل لحظة فارقة. ترامب لم يكتفِ بالتنديد بالحادثة، بل استغلها لتصعيد خطابه، معلناً وقف الهجرة من «دول العالم الثالث» وإلغاء ملايين الطلبات التي مُنحت في عهد بايدن. هنا يظهر بوضوح كيف تُستخدم الأزمات الأمنية كوقود سياسي لتبرير سياسات إقصائية. الحادثة لم تُنشئ الحملة، لكنها زادت من حدّتها، ومنحت ترامب فرصة لتوسيع دائرة الاتهام لتشمل ملايين المهاجرين. إنها لحظة استثمار سياسي في حادثة أمنية، حيث يُحوَّل الخوف والغضب الشعبي إلى دعم لخطاب إقصائي.
بعد الحادثة، أعلن ترامب أنه سيوقف المساعدات الفدرالية للمواطنين غير الأميركيين، وسيرحّل أي شخص لا «ينسجم مع الحضارة الغربية». كما هدّد بإلغاء ملايين الطلبات المقبولة في عهد بايدن، ومراجعة وضع الإقامة الدائمة لمهاجرين من 19 دولة بينها أفغانستان، وهايتي، وفنزويلا. هذه السياسات تعكس رؤية شاملة تقوم على إعادة تعريف المواطنة، بحيث يصبح الانتماء للحضارة الغربية شرطاً للبقاء في الولايات المتحدة. بهذا المعنى، تتحوّل المواطنة من مفهوم قانوني إلى معيار حضاري، ما يفتح الباب أمام سياسات إقصائية واسعة.
شيكاغو وويسكونسن.. ساحات المواجهة مع المهاجرين
في مدن مثل شيكاغو، رفضت السلطات المحلية التعاون مع الحكومة الفدرالية في ترحيل المهاجرين غير النظاميين. هذا الموقف جعلها هدفاً مباشراً لانتقادات ترامب، الذي اتهمها بأنها تؤوي «مجرمين» و«خارجين عن القانون». في المقابل، شهدت المدينة حملات مداهمة من قبل سلطات الهجرة، ما أثار احتجاجات واسعة من المجتمع المدني. أما في ولايات مثل ويسكونسن، فقد تصاعدت الضغوط على الجاليات المهاجرة، خصوصاً في المناطق الصناعية حيث يعتمد الاقتصاد على العمالة الأجنبية. هناك، واجه المهاجرون تهديدات بالترحيل، وتراجعت ثقتهم بالدولة، فيما حاولت بعض المجتمعات المحلية الدفاع عنهم عبر مبادرات تضامن. هذه الأمثلة تظهر أن سياسات ترامب ليست مجرد خطاب، بل واقع يعيشه المهاجرون يومياً في مدن وولايات مختلفة.
انقسام المجتمع الأمريكي بين الأمن والحقوق
داخل الولايات المتحدة، أثارت هذه السياسات انقساماً حاداً؛ الجمهوريون دعموا خطاب ترامب باعتباره ضرورياً لحماية الأمن القومي، فيما اعتبر الديمقراطيون أنه عنصري ومخالف للقيم الأميركية. الإعلام لعب دوراً مزدوجاً فبعض القنوات المحافظة ضخّمت الحادثة لتبرير السياسات، بينما ركّز الإعلام الليبرالي على خطورة التعميم ومعاقبة جماعات بأكملها بسبب فعل فردي. المنظمات الحقوقية حذّرت من أن هذه السياسات ستؤدي إلى موجة جديدة من التمييز والعنف ضد المهاجرين.
حدود السلطة التنفيذية في مواجهة القضاء
الدستور الأميركي يضمن حقوقاً أساسية للمقيمين، ما يجعل سياسات الترحيل الجماعي عرضة للطعن القضائي. المحاكم الفدرالية قد تواجه سيلاً من الدعاوى ضد قرارات ترامب، خصوصاً إذا تجاوزت حدود السلطة التنفيذية. هذه المعركة القانونية ليست جديدة؛ فقد واجه ترامب في ولايته الأولى دعاوى قضائية ضد «حظر السفر»، واضطر إلى تعديل قراراته أكثر من مرة. اليوم، مع تصعيده الجديد، يبدو أن المحاكم ستعود لتكون ساحة مواجهة بين السلطة التنفيذية والمدافعين عن حقوق المهاجرين. هذه المعركة قد تحدد مستقبل السياسات، وقد تكشف حدود السلطة التنفيذية في مواجهة القضاء.
المهاجرون بين الإقصاء والحاجة الاقتصادية
المهاجرون يشكّلون نسبة كبيرة من القوى العاملة في قطاعات حيوية مثل الزراعة، والبناء، والتكنولوجيا والخدمات. ترحيلهم أو حرمانهم من المساعدات سيؤدي إلى نقص في اليد العاملة وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات وعلى قدرة الاقتصاد الأميركي على المنافسة. في المدن الكبرى مثل شيكاغو، حيث يشكّل المهاجرون جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي، فإن أي حملة ترحيل واسعة ستؤدي إلى فراغ اقتصادي واجتماعي يصعب ملؤه. في ويسكونسن، التي تعتمد على العمالة المهاجرة في مصانعها ومزارعها، فإن التهديدات بالترحيل خلقت حالة من القلق بين أصحاب الأعمال الذين يخشون فقدان اليد العاملة الرخيصة والماهرة في آن واحد. بهذا المعنى، السياسات الإقصائية قد تضر بالاقتصاد الأميركي أكثر مما تحميه، وتكشف التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي.
الحضارة الغربية كمعيار للإقصاء
ما يُميز خطاب ترامب الأخير هو استخدامه لمفهوم «الحضارة الغربية» كمعيار للقبول أو الطرد. هذا المفهوم ليس قانونياً ولا دستورياً، بل هو أيديولوجي، يعكس رؤية تقوم على استبعاد كل من لا ينسجم مع قيّم معينة. بهذا المعنى، يتحوّل المهاجر من مجرد فرد يبحث عن فرصة للعيش إلى رمز لصراع حضاري. هذا الخطاب يعيد إلى الأذهان نظريات «صراع الحضارات» التي طرحها صامویل هنتنغتون في التسعينيات، والتي اعتبرت أن العالم مقسوم إلى حضارات متنافسة. ترامب يوظف هذه النظرية ليُبرّر سياسات إقصائية، ما يفتح الباب أمام جدل واسع حول معنى الهوية الأميركية، وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل بلد التنوع والانفتاح، أم ستتحول إلى قلعة مغلقة تحمي نفسها من «الآخر».
الشعبوية والانتخابات..استغلال الخوف
لا يمكن فصل حملة ترامب ضد المهاجرين عن السياق الانتخابي. فهو يستخدم هذا الملف كورقة انتخابية، مستغلاً المخاوف الأمنية لتعبئة قاعدته الشعبية. الشعبوية تقوم على تبسيط المشاكل المعقدة وربطها بوجود «عدو خارجي»، وهو ما يظهر بوضوح في خطاب ترامب. نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على قدرة ترامب على إقناع الأميركيين بأن المهاجرين هم سبب الأزمات، وليس السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية الداخلية. لكن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام داخل المجتمع الأميركي، ما يهدد الاستقرار على المدى الطويل. في مدن مثل شيكاغو وويسكونسن، يظهر هذا الانقسام بشكلٍ واضح، حيث يقف المجتمع المدني في مواجهة السياسات الفدرالية، ما يخلق حالة من التوتر المستمر بين المركز والأطراف.
في الختام، يبقى السؤال الأهم: إلى أين تتجه أميركا؟ المشهد يبدو ضبابياً؛ فإذا تمكن ترامب من فرض سياساته، فقد نشهد موجة ترحيل واسعة ووقفاً للمساعدات، الأمر الذي سيترك آثاراً عميقة على المجتمع الأميركي. أما إذا اصطدمت هذه الإجراءات بعقبات قانونية أو سياسية، فقد تتراجع أو تُعاد صياغتها بشكلٍ مختلف. وبين هذين الاحتمالين، يظل مستقبل الولايات المتحدة مفتوحاً على سيناريوهات متناقضة، تعكس حجم الانقسام الداخلي وحدّة الصراع حول ملف الهجرة.