أماني: طريقة اغتيال الشهيد الطبطبائي ستؤدي إلى تغيير النظرة الاستراتيجية في حزب الله

أشار سفير إيران في لبنان إلى التطورات في لبنان وإلى استشهاد الرجل الثاني في حزب الله على يد الكيان الصهيوني، مؤكداً أن طريقة استشهاد الشهيد الطباطبائي في لبنان ستؤدي إلى تغيير النظرة الاستراتيجية داخل حزب الله.

مجتبي أماني، سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان، قال في حوارٍ إخباري خاص حول آخر التطورات في المنطقة وخصوصاً في لبنان: إن مقاومة لبنان على الرغم من الضغوط الخارجية لا تزال تملك استراتيجية متماسكة، وأن توازن الرعب الذي نشأ قد وضع الكيان الصهيوني في موقف هش.

 

 

وفيما يلي نص الحوار:

 

 

سؤال: زملاؤنا أعدّوا مراجعة لانتهاكات وقف النار المستمرة من قبل الكيان الصهيوني في مناطق متعددة من لبنان. دعونا نقيّم القدرة العملية والعسكرية لحزب الله والقدرة العملية والعسكرية للكيان الصهيوني. كيف تفسرون هذا التوازن؟

 

 

أماني: الحقيقة أن القدرة لا تقتصر على العمليات فقط. القدرة مجموعة من الأدوات والقوى والإمكانات التي يمكن لمنظومة أن تستفيد منها. الكيان الصهيوني يمتلك أفضل وأكبر وأحدث الإمكانات، وبالإضافة إلى ذلك لديه الجرأة على استخدامها ولا يخشى أي متابعة من المنظمات الدولية أو عقوبات دولية. من الجانب الآخر، لبنان والدول التي تقاوم هذا الكيان تمتلك قدراً من القوة العسكرية لكنها مدعومة بإرادةٍ وصمود. هذا المزيج هو ما أبقى الطرفين في حالة توازن رعب.

 

 

هذا التوازن المرعب مدمّر جداً للكيان الصهيوني. ما حدث خلال العام الماضي هو أنه جرى اتفاق في مثل هذه الأيام من العام الماضي يقضي بعدم اعتداء كل طرف على الآخر بناءً على شروط ذلك الاتفاق.

 

 

الكيان الصهيوني، بالنظر إلى كل الإمكانات التي يمتلكها وعدم وجود جهة تردعه فعلياً، يقوم بحركات وتحركات. ومن جهة أخرى، كانت المقاومة في لبنان وبالأخص حزب الله تمرّ بفترة صبر استراتيجي لتبليغ الرسالة داخلياً وخارجياً بأن الكيان الصهيوني غير جدير بالثقة ولا يلتزم بأي اتفاق. وبالطبع يجب القول إن للكيان الصهيوني سقفاً معيناً من الضوابط يحاول ألا يتجاوزه عند تنفيذ عملياته لأنه قلق من رد حزب الله.

 

 

وخاصةً تجاه شمال فلسطين المحتلة تزداد مخاوفه أكثر من السابق. خلال هذه السنة كان حزب الله يطالب الخمسة الأطراف الذين من المفترض أن يشرفوا على وقف النار ويمنعوا انتهاكه — وكانت الولايات المتحدة وفرنسا دولتين مراقبتين دوليتين لهذا التهدئة — وكذلك الحكومة والجيش اللبنانيين وقوات حفظ السلام المنتشرة في جنوب لبنان، بأن يقوموا بواجباتهم، لكن للأسف خلال السنة الماضية كانوا غير فعالين في أداء مهامهم.

 

 

سؤال: مع تحليل جوانب هذا التوازن والمواجهة بين حزب الله والكيان الصهيوني، ثمة نقطة مهمة تتعلق بتحديد الخطوط الاستراتيجية التي يتبعها حزب الله دوماً في مواجهة الكيان الصهيوني. ولكن بالنظر إلى ما نشهده ميدانياً في لبنان، أي الانتهاكات المتكررة لوقف النار واستمرار العدوان والهجمات، وخاصة استشهاد بعض الشخصيات البارزة في حزب الله خلال الأيام الماضية، هل يمكن أن تغيّر هذه التطورات هذه الاستراتيجية الجوهرية لصالح الكيان الصهيوني؟

 

 

أماني: طبعاً في خطاب الأمس للشيخ نعيم قاسم أشار إلى هذا الموضوع. إن استشهاد الشهيد الطباطبائي وأربعة من مرافقيه كان سقفاً معيناً كان الكيان الصهيوني يحترمه خلال هذه السنة. أن يتم تنفيذ هذا العمل جغرافياً في الضاحية، وأن يُستهدف قائد من صفوف حزب الله على مستوى عالي، وأن يقع ذلك في منطقة سكنية، كلها عناصر دفعت بالشيخ نعيم قاسم إلى القول أمس إنهم سيُقدِمون على الرد على هذا الهجوم.

 

 

وفي خطابه أعلنوا أن هذا تغيير في النظرة الاستراتيجية التي سيتخذها حزب الله تجاه الوضع الجديد وبعد مرور سنة على ذلك الاتفاق، وأشار إلى أن هذا الوضع يقتضي أن تتفاعل الأطراف المختلفة وتوجه ردود فعل متنوعة حياله.

 

سؤال: أشرتم إلى خطاب الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله في لبنان، وكان السيد دلاوري قد شدّد على جزء منه، حيث قال إن المقاومة طريق لا يقبل الاستسلام. لقد مرّت ذكرى معركة حزب الله التي حملت عنوان معركة الأبطال وفرض وقف إطلاق النار على الكيان الصهيوني. وإذا أردنا التوقف عند نقطة مهمة، فهي دراسة أبعاد الاستراتيجية التي يعتمدها حزب الله في مواجهة الكيان الصهيوني. برأيكم، ما الاستراتيجية التي يمكن أن يعتمدها الحزب مستقبلاً في ضوء تصريحات قياداته العليا؟

 

 

أماني: هذه الاستراتيجية هي الاستراتيجية العامة. على أي حال، إذا أردنا تقييم أداء نتنياهو من زاوية إدارة الحرب، فهو يواجه فشلاً ذريعاً وسياسياً في إدارة هذه المعركة. نتنياهو حوّل الحرب على غزة إلى حرب من ثمانية اتجاهات. فهذه الحرب التي بدأت بهجوم السابع من أكتوبر، ثم الرد الوحشي وغير المتناسب الذي قدّمه على عملية حماس، وهو رد لا يستقيم حتى مع المنطق العسكري، أدّى إلى انخراط أطراف من الضفة الغربية ولبنان واليمن وإيران وقطر وسوريا… هذا كله أصبح جزءاً من المشهد. لقد حوّل نتنياهو الحرب مع طرف واحد إلى حرب مع ثمانية أطراف.

 

 

كيف سيستطيع هذا الكيان إدارة هذا المأزق الذي توسّع إلى هذا الحد؟ المسار الذي بدأه نتنياهو جاء بعكس ما كان حتى حزب الله يتعامل معه في بدايات الحرب من حيث التسمية والاستراتيجية. فعندما نفّذ الحزب عملياته بعد هجمات إسرائيل على غزة كان يصفها بـ “حرب الإسناد”، أي حرب الدعم، وكان الهدف واضحاً: الضغط على الكيان الصهيوني لوقف جرائمه في غزة. لكن نتنياهو، بسلوكه، لم يكن راضياً حتى عن أداء بايدن الذي – برأيه – لا يدعمه بما يكفي، ثم ابتهج بقدوم ترامب، وها هو اليوم يعود للتذمر حتى من ترامب لأنه لا يتدخل بالمستوى الذي يريده نتنياهو. هذه الحرب تحوّلت استراتيجياً بالنسبة للكيان إلى حرب تضعه في حصار، في استنزاف طويل، وتجعله عاجزاً عن ضمان إمكانية استمرار حياته في هذه المنطقة.

 

 

كيف يمكن لهذه الملايين التي جاءت إلى الأراضي المحتلة وانتزعت بيوت الآخرين بالقوة أن تتعايش مع محيط معادٍ يمتد في ثمانية اتجاهات؟ هذا هو جوهر المسألة. هذه المواجهات يمكن النظر إليها كجزء من وضع كامل بات يهدد الكيان الصهيوني برمّته، لدرجة أن الاشتباكات المحدودة أو ضرب الأهداف التي تلاحقها إسرائيل قد لا تبدو ذات وزن مقارنة بالسياق العام. إن تدمير هذا الكيان يجري اليوم على يد نتنياهو نفسه.

 

 

سؤال: قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والجهات الوسيطة، تلتزم الصمت أمام الخروقات المتكررة للهدنة من جانب الكيان الصهيوني، وتجاوزاته واعتداءاته، ولا تقوم بأي إجراء عملي. ما تفسيركم لذلك؟

 

 

أماني: قلت منذ البداية إن الكيان الصهيوني مُعفى من الملاحقة. لا توجد قوة دولية ولا محور دولي ولا منظمة دولية تحاسبه على جرائمه. منذ تأسيسه، صدرت بحقه عشرات القرارات الدولية، لكنه لم يلتزم بها، وهو اليوم يرتكب الجرائم بكل حرية. قوات حفظ السلام، التي يفترض أن تكون من الجهات الخمس التي ذكرتها والتي ينبغي أن تمنع هذه الاعتداءات، لا تمتلك القدرة الفعلية على وقفها. حتى عندما تقع الهجمات، وبما أنها ليست هجمات برية، فإن أول ما تفعله قوات حفظ السلام هو الاحتماء والاختباء حتى لا تتعرض للأذى.

 

 

يتم إبلاغهم مسبقاً، والحرب ليست برية لكي يتمكنوا من أداء دور فعّال. كما أن الكيان والولايات المتحدة لا يسمحان لهذه القوات بامتلاك منظومات دفاعية أو إنذار لحماية أنفسهم. هم في النهاية جزء آخر من الانحياز الأميركي والفرنسي، وهاتان الدولتان من أطراف مراقبة الهدنة. لذلك، لا أحد يعوّل فعلياً على أن هذه القوات قادرة على القيام بأي دور.

 

 

ومع ذلك، يجب على الدول – ومنها الجمهورية الإسلامية الإيرانية – مواصلة مطالبتهم بالتحرك. لكن المنظمات الدولية لا تُعرِ اهتماماً كبيراً لهذا الأمر. ومن هنا جاء مبرّر وجود المقاومة المسلحة داخل لبنان. والأمر ذاته في غزة، حيث دفع غياب الحماية الناس إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم في مواجهة العدوان والاحتلال والظلم الذي يتعرّضون له.

 

 

سؤال: تُسمَع بين حين وآخر في الداخل اللبناني أصوات تتحدث عن مشروع وطني لنزع سلاح حزب الله. وهذا الموضوع، إلى جانب ما يُطرح من ضغوط غير مباشرة، يُقدَّم كجزء من الضغوط التي تمارسها الدول الغربية. برأيكم، إلى أي مدى يمكن أن يحقق الغربيون والأميركيون النتيجة التي يسعون إليها في لبنان؟

 

 

أماني: الأمر واضح. وقد أشار السيد دلاوري إلى تصريحات ميشال عيسى، السفير الأميركي الجديد في لبنان، التي حملت نقطتين أساسيتين: أولاهما قوله إن إسرائيل لا تستأذن أحداً في صدّ الأخطار وأعدائها، وكان يقصد العملية التي نفّذها حزب الله يوم الأحد واستهداف الشهيد طباطبائي. وثانيتهما قوله إنه إذا لم يُنزع سلاح حزب الله فلن يكون للبنان مستقبل. الواقع أن الدول الأجنبية المنخرطة في لبنان والتي تمارس الضغط، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تتابع هذا الملف بشكل مباشر، وتُكثِر من اللقاءات والضغوط سعياً لتحقيق مطلب نزع السلاح الذي يشكّل جوهر المطالب الإسرائيلية. وفي الداخل أيضاً توجد شخصيات تعتمد مواقف غير منسجمة أو قريبة من الموقف الأميركي. كما أن بعض الدول الأخرى التي تمتلك أدوات داخل لبنان تمارس ضغوطاً مماثلة لتنفيذ نزع السلاح. هذا الأمر ليس ادعاءً، فالصحف والتحليلات والتصريحات، ومنها تصريح السفير الأميركي، تؤكد ذلك.

 

 

لكن في المقابل، هناك حوار داخلي يجري في لبنان، وقد عقد مجلس الوزراء جلستين مخصصتين لهذا الملف، إلا أن الجلستين انعقدتا بغياب الوزراء الشيعة، ما يعني ـ وفقاً لميثاقية النظام اللبناني أو ميثاق الطائف ـ غياب الغطاء الشيعي الذي يمثله خمسة وزراء داخل الحكومة اللبنانية.

 

 

هذا الاشتباك السياسي قائم، وهناك وقائع ميدانية في لبنان. وخلال الاتصالات، يعبّر ممثلو المقاومة أو قياداتها عن موقف واضح. فالمسألة تحتاج إلى حوار داخلي، وهو ما أقرّ به الشيخ نعيم قاسم أيضاً، إذ أكد ضرورة متابعة موضوع يتعلق بضعف البنية الدفاعية في لبنان، تحت عنوان الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، وهي الاستراتيجية التي يمكن عبرها تنظيم منظومة الدفاع الوطني، وهو ما يعاني لبنان من نقص فيه منذ سنوات طويلة. فالكيان الصهيوني شن اعتداءات متكررة، والمقاومة ـ خلافاً للترويج السائد ـ كانت موجودة حتى قبل انتصار الثورة الإسلامية.

 

 

ففي عام 1982 وصلت قوات الاحتلال الصهيوني إلى لبنان وفرضت حاكماً إسرائيلياً هناك، وارتكبت مختلف أشكال الجرائم في المخيمات الفلسطينية، ولاسيما في صبرا وشاتيلا. وهذه مجموعة من الحقائق التي تجعل المقاومة في مواجهة الاحتلال قضية أساسية، وقد شدد المسؤولون اللبنانيون على أن معالجتها يجب أن تتم عبر الحوار الوطني.

 

 

سؤال: رغم محاولات واسعة من إعلام الكيان الصهيوني عبر مراحل مختلفة لإعادة المستوطنين إلى مناطق شمال الأراضي المحتلة، نرى أن هذا الأمر لم يتحقق بالكامل. ما سبب عجز الكيان الصهيوني عن إنجاز ذلك؟

 

 

أماني: الكيان الصهيوني جبان اجتماعياً. فتركيبته السكانية تقوم على أشخاص قدموا من خارج فلسطين المحتلة، أُعطوا منازل وإمكانات، وجاؤوا للعيش برفاهية. لا تربطهم أي صلة مباشرة بالكيان. وما يحاولون ترسيخه لديهم من روابط دينية وقومية ـ بأن هذه الأرض مهد الأنبياء ومكان نزول المسيح وبعثته (ع) ـ إنما هو محاولة لجذبهم إلى هذه المنطقة.

 

 

الطبيعة الاجتماعية لهذا الكيان شديدة الخوف. فمن أقصى الجهات التي يخوض فيها المواجهة، أي إيران، إلى أقربها في الضفة وغزة، نجد شعوب هذه المناطق متجذّرة في أرضها وتمتلك ثقافتها وعقيدتها، ومستعدة للتضحية القصوى دفاعاً عنها.

 

 

وأذكر حادثة ترتبط بكم. في اليوم الثاني للحرب، جئت إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون في طهران. وقبل دخولي لاستوديو المقابلة، في الغرفة نفسها التي أصابها الصاروخ حيث كنتم تقفون تحت سقف منهار وتتابعون الحديث، لتصبحوا رمزاً للشعب الإيراني. قبل دخولي، سألني أحد زملائكم ـ لأنه كان يعلم أنني آتٍ من لبنان وقد مرّ يومان على الحرب ـ هل تعتقد أن الهجوم قد يطال هيئة الإذاعة والتلفزيون؟ فمزحت معه وقلت: “أولاً يضربون الضيف”، وقصدت نفسي، “ثم ـ لا سمح الله ـ يضربون المقدم، ثم بعد ذلك يأتون إليك.” حتى ذلك الموظف كان يدرك احتمال استهداف الهيئة. وأنتم كنتم متيقنين تقريباً من وقوع الهجوم، وبعد ثوانٍ سمعتم أصوات الانفجارات. لقد كنتم رمزاً لشعب يشبه شعوب تلك الدول الثمانية، المتمسكة بأرضها، بعقيدتها وبسلوكها الدفاعي. كان السقف ينهار فوقكم وبقيتم ثابتين.

 

 

ذلك الموظف الذي كان يعمل لحماية استمرار البث وفتح القنوات كان يختلف تماماً عن مجموعة المستوطنين الذين استوطنوا شمال فلسطين المحتلة، والذين لا يستطيعون الصمود أمام مجرد أصوات انفجارات، رغم مئات الأنظمة المضادة للصواريخ. مستوى الصمود الاجتماعي لديهم لا يبلغ واحداً من ألف مما هو لدى شعوب هذه الدول. لقد جرّبنا هذا بأنفسنا، وشهدناه على مدى نحو خمسين عاماً. وهذا ما يعرفه نتنياهو. فمجرد إطلاق صاروخ واحد على شمال فلسطين المحتلة كفيل بتقويض كل ما يحاول نتنياهو ادعاءه عن توفير الأمن للمستوطنين، وعن أن عملياته في لبنان تهدف لمنحهم الأمن. كل ذلك يمكن أن ينهار بصاروخ واحد، وهذه هي المعضلة التي يعانيها الإسرائيليون ونتنياهو.

 

 

والأميركيون أيضاً يشاطرون هذه المخاوف. لكن، في النهاية، ما أثبتناه في هذه الحرب وسابقاتها هو أننا لسنا أهل فرار أو تراجع أو تسليم الأرض. هذه أرضنا. وشعوب لبنان وغزة تفكر بالطريقة ذاتها، وكذلك شعوب الضفة وسوريا. وقد رأينا بالأمس كيف واجهت المقاومة الشعبية العملية التي نفذها الاحتلال. وسوريا ـ رغم ظروفها وعدم رغبتها في التصعيد ـ شهدت مقاومة شعبية. وكذلك شعب اليمن. هذا كله يثبت أن النهج الذي يسلكه الاحتلال الإسرائيلي محكوم عليه بالفشل ولا يمكن أن يحقق أي نتيجة.

 

 

سؤال: هل تؤدي هذه التطورات، الهجمات والاعتداءات، إلى إضعاف مسار المقاومة واستراتيجيتها العامة، أم أننا ـ كما شهدنا حتى الآن ـ أمام مزيد من التماسك؟

 

 

أماني: للمقاومة حالات متنوّعة. ولا ينبغي النظر إلى الفترات القصيرة التي تتوقف فيها بعض أطراف المقاومة أو لا تقوم بعمل ما، بوصفها نقطة ضعف. فالمقاومة منذ سنوات طويلة في المنطقة مقاومة منسجمة، تنظر إلى الواجب الذي يجب القيام به، وتسأل نفسها ما الذي ينبغي فعله. هذه القوى، وإن لم تكن مرتبطة بتنظيم واحد، إلا أنّ ذلك لا يشكل نقطة ضعف. فكل طرف يؤدي واجبه. تماماً كأهل حيّ واحد يهاجمهم عدوّ أو لصّ؛ ليس مطلوباً أن ينسّق كل منهم مع الآخر، بل يكفي أن يقوم كل واحد بواجبه. قبل ثلاثين عاماً كانت المقاومة محصورة في غزة والضفة؛ ثم انضم لبنان واليمن والعراق، وسوريا كانت موجودة أساساً.

 

 

التقلّبات التي تُشاهَد أحياناً داخل هذا المحور لا تعني ضعفاً، بل هي تراجع وتقدّم طبيعيان في أي جبهة قتال. وما يجري اليوم، والذي يُعدّ نقطة الهزيمة الاستراتيجية الكبرى لإسرائيل، هو أنّها رغم كل الجرائم التي ارتكبتها، من عمليات “البيجر” إلى اغتيال السيد حسن، إلى اغتيال علمائنا النوويين في الساعات الأولى للحرب ـ وهي عمليات لا تملك أي تبرير عسكري ـ تجد نفسها الآن محاصَرة. وهذا الحصار سيكلّفها أثماناً باهظة جداً.

 

 

سؤال: كيف تلخّصون تطورات لبنان؟

 

 

أماني: شهدنا خلال العامين الماضيين سلسلة من التقلّبات. قبل عام تقريباً، وفي مثل هذه الأيام، كان الكيان الصهيوني والأميركيون يطلقون ادعاءات واسعة حول إضعاف المقاومة. وخلال هذه الفترة نفذوا عمليات كثيرة ضد اليمن، وخاضوا معنا حرباً لمدة 12 يوماً، وشنوا هجمات على الدوحة، إضافة إلى مواصلة الجرائم التي ارتكبوها من قبل في لبنان وغزة والضفة وسوريا. العمليات التي نفّذوها في سوريا خلال عام واحتلالهم نقاطاً فيها لم تكن قليلة. لكن أياً من ذلك لم يحقق لهم الهدف الذي سعى إليه الكيان دائماً، إذ حاول في جميع حروبه ألّا يدخل المعركة إلا وفق ثلاثة شروط: امتلاك معلومات كافية، تنفيذ حرب خاطفة وصاعقة وحاسمة، ثم انتزاع مكاسب كما فعل مع سوريا ومصر والأردن عام 1967.

 

 

فالأراضي التي أخذها من الأردن عام 1967 لا تزال بيده، وكذلك الجولان من سوريا، أما مصر فقد غادرها باتفاق مشروط. أما اليوم، ومع الحروب التي يخوضها، يمكن القول إنه لم يحقق أياً من أهدافه الثلاثة في أي من الساحات التي فتح فيها الحرب خلال العامين الماضيين.

 

 

سؤال: يرى بعض المحللين أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا وتصعيد الهجمات هناك هدفه استكمال حصار جنوب لبنان عبر الأراضي السورية، للضغط بشكل أكبر على حزب الله. كيف تقيمون هذا الأمر؟ وكيف تقرأ المقاومة خطة كهذه؟

 

 

أماني: الكيان الصهيوني استغلّ الوضع الذي تلا سقوط بشار الأسد. وكعادته نفّذ هجمات عدة. أما الحكومة السورية الجديدة، ولأسباب متعددة، بينها ضعف القدرات وتعرّض منظومتها العسكرية لدمار واسع، فقد مرّت بمرحلة صمت. إلا أن عملية بيت جن التي نفّذتها المقاومة أمس أثبتت أن ما يتصوره الإسرائيليون عن قدرة تحويل سوريا إلى ساحة “للعبرة” واعتبارها النقطة الوحيدة التي يركزون عليها لعرض إنجازات مزعومة، غير صحيح. وهذه العملية ستستمر على هذا النهج.

 

 

سؤال: صدرت تقارير عن اتصالات سرية وحوارات بين الحكومة الانتقالية السورية والكيان الصهيوني، تتعلق بالتطبيع والاعتراف باحتلال الجولان. ما تقييمكم لهذه المسألة؟

 

 

أماني: اتفاق عام 1974 بين سوريا والكيان الصهيوني، الذي كان بمثابة اتفاق عدم هجوم، كان قائماً. وبعد سقوط بشار الأسد ألغاه الكيان وبدأ باحتلال نقاط جديدة. واليوم يشعر بأنه يستطيع تحقيق “إنجازات” على هذه الجبهة. أما الحديث عن حوارات أو تواصل أو اعتراف، فرغم وجود لقاءات وفق ما ظهر في الأخبار، فإن ما تابعناه من تصريحات مسؤولين في الحكومة السورية يشير إلى بروز مقاربة جديدة داخل سوريا تجاه الاعتداءات الإسرائيلية المفتوحة.

 

 

سؤال: شنّ الكيان الصهيوني هجمات في مناطق مختلفة من سوريا، منها قرية قُتل فيها نحو 13 مدنياً بين نساء وأطفال وأبرياء. ورغم أن الحكومة الانتقالية السورية تبعث برسائل إيجابية للكيان بشأن علاقات أو تفاهمات أمنية، إلا أن ذلك لا يوقف الاعتداءات. كيف تفسرون ذلك؟

 

 

أماني: لم أسمع جزءاً من كلامكم، لكن أعتقد أنكم تشيرون إلى الهجوم الذي نفّذه الكيان والرد الذي تلقّاه من داخل سوريا. هذا التطور قد يغيّر معادلات مهمة في مسار الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا.

 

 

سؤال: تحدثتُ عن الرسائل التي تبعث بها الحكومة الانتقالية في مراحل متعددة بحثاً عن تفاهم أمني مع الكيان، ورغم ذلك لا يمنع ذلك العدوان ولا قتل السوريين؟

 

 

أماني: نعم. هذا هو نهج الكيان الصهيوني دائماً. حتى في لبنان نجد أن بعض المسؤولين يشاركون في حوارات غير مباشرة مع الكيان، بناءً على مطلب أميركي، ويصدرون تصريحات لينة ويشترطون وقف الهجمات. لكن الكيان، بعقليته العدوانية والوحشية، لا يعير أي اهتمام لمثل هذه المواقف. توسّعه الجغرافي، وقتله، وإبادة خصومه تأتي في رأس أولوياته. وكلما وجد فرصة، يمضي فيها من دون اكتراث بأي خطاب مسالم يصدر عن الطرف الآخر.

 

 

المصدر: وكالات