د. بهمن أكبري
1. الدولة الحديثة بين الهدوء الاستراتيجي والفعل العميق
في عالمٍ يضجّ بالتحالفات المتقلّبة والمواقف الحادة، اختارت عُمان نهجًا مختلفًا: الهدوء الاستراتيجي. ليس هدوءًا يعني الحياد البارد، بل أسلوبًا في «الفعل العميق» الذي يدرك أن القوة ليست في الضجيج، بل في القدرة على حفظ التوازن وسط بيئة إقليمية مضطربة.
تنطلق السياسة العُمانية من قناعة أنّ الاستقلالية لا تعني الانكفاء، وأن الانفتاح لا يعني التفريط بالقرار الوطني. بهذا المنهج تحوّلت السلطنة إلى وسيط موثوق، يدرك أن الوساطة ليست مجرد تقنية سياسية، بل فلسفة تستند إلى الحوار بوصفه أصلًا من أصول السياسة.
خلاصة الفكرة: الهدوء في عُمان فعلٌ مؤثر، لا موقفٌ متردد.
2. الحداثة العُمانية: تمركزٌ حول الإنسان
تميّزت التجربة العُمانية بأن مشروع التحديث فيها انطلق من الإنسان بوصفه محور البناء، لا مجرد أداة إدارية. فجاءت رؤية 2040 محمّلة ببعدٍ أنثروبولوجي واضح: تعزيز جودة التعليم، توسيع فرص الكفاءة، دعم الطبقة الوسطى، وبناء مجتمع قادر على التفاعل الإنتاجي مع الاقتصاد العالمي.
وبهذا أصبح التحديث في عُمان تحديثًا أخلاقيًا يقوم على العلاقة السليمة بين الدولة والمجتمع؛ علاقة قائمة على الثقة والمسؤولية المشتركة، لا على مجرد توسيع الجهاز الإداري.
خلاصة الفكرة: الحداثة في عُمان تبدأ من الإنسان قبل البنية.
3. الاقتصاد كلغةٍ للسلام الإقليمي
أدركت السلطنة مبكرًا أن مستقبل المنطقة لن يُبنى بالقوة المسلحة، بل بشبكات اقتصادية عابرة للحدود. لذلك ركزت استراتيجيتها على تطوير الموانئ، وتحديث البنية اللوجستية، وتحويل موقعها الجغرافي إلى مركز عبور آمن بين آسيا وإفريقيا والخليج.
هذه الرؤية ليست اقتصادية فقط، بل تحمل دلالة فلسفية: السلام الأكثر ربحًا يغلب الحرب الأقل جدوى. فالتجارة تنتج بيئة مصالح مشتركة تضيق معها مساحة الصراع.
خلاصة الفكرة: الاقتصاد العُماني مشروع سلام بقدر ما هو مشروع تنمية.
4. أفق الانفتاح: هويةٌ جامعة وتعدديةٌ هادئة
بنت عُمان عبر تاريخها الطويل نسقًا من التعددية الهادئة، متكئًا على هوية مفتوحة على الهند وإفريقيا والعالم العربي. هذا الإرث البحري–الثقافي أنتج سياسة داخلية وخارجية تميل إلى التسامح وترفض القطبية الحادة.
وبفضل هذا «الأفق المفتوح»، أصبحت السلطنة ساحةً آمنة لحوارات إقليمية حساسة، وجسرًا بين أطراف يصعب جمعها في مكان واحد. فالاستقرار العُماني ليس استقرارًا أمنيًا فحسب، بل نتاج تكوين معرفي–اجتماعي يقدّر الوسطية ويبتعد عن الإقصاء.
خلاصة الفكرة: التعددية في عُمان صناعة تاريخية، وليست مجرد خيار سياسي.
5. عُمان كفاعلٍ أخلاقي في النظام الإقليمي
قدمت السلطنة نموذجًا مغايرًا لمفاهيم النفوذ التقليدية، عبر ما يمكن تسميته بـ النفوذ الأخلاقي؛ نفوذ يستند إلى الصدقية واستمرارية الموقف وتقديم المصلحة الإنسانية على الحسابات الآنية. وهو نفوذ طويل الأمد لأنه لا يقوم على الإكراه، بل على الاحترام والثقة.
بهذا تتجسد الدولة الحديثة في التجربة العُمانية كدولة واعية لدورها تجاه محيطها، تدرك أن قوتها الناعمة ليست ترفًا، بل رصيدًا يُبنى عبر سنوات من السلوك المتّزن.
خلاصة الفكرة: القوة الأخلاقية قد تكون أعمق أثرًا من القوة الصلبة.
خاتمة القسم
«أفق عُمان» ليس سياسة خارجية هادئة فحسب، بل مشروع دولة يعيد تعريف الحداثة العربية، ويقدّم نموذجًا تتصالح فيه الأصالة مع العصر، والقوة مع الحكمة، والمصلحة الوطنية مع المسؤولية الأخلاقية. إنها تجربة تؤكد أن بناء الدولة الحديثة ممكن حين تُدار السياسة بعين ترى الإنسان أولًا، وبعقل يدرك أن الاستقرار يولد من العدالة لا من فائض القوة.
