آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري*
الإمام علي بن أبي طالب (ع) هو المصداق الأسمى للإنسان الكامل بعد النبي(ص) ، لا على أساس وجداني أو مذهبي صرف، بل استنادًا إلى برهان عقلي تراكبي يمكن الدفاع عنه في الحقل الفلسفي والكلامي.
ملخص البحث
يتناول هذا البحث مفهوم الإنسان الكامل بوصفه غاية الخلق الإنساني، ويناقش ضرورة وجوده بعد ختم النبوة من منظور عقلي وفلسفي، ثم يخلص إلى أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يمثّل المصداق الأسمى لهذا
المفهوم بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله . ويعتمد البحث منهجًا تحليليًا تراكبيًا، يجمع بين البرهان العقلي، والتقعيد الكلامي، والتفسير العرفاني، مع الاستئناس بالنصوص الروائية بوصفها شواهد مؤكِّدة لا منطلقات
تأسيسية.
المقدّمة
يمثّل سؤال الإنسان الكامل أحد أعمق الأسئلة في الفكر الإسلامي، لما ينطوي عليه من اتصال مباشر بقضايا التوحيد، والنبوة، والولاية، وغائية الخلق، ومعنى الكمال الإنساني الممكن. وليس هذا السؤال ترفًا معرفيًا، بل هو
سؤال وجودي يمسّ حقيقة الإنسان ودوره في نظام الوجود.
وقد عالجت المدارس الإسلامية المختلفة هذا المفهوم كلٌّ من زاويته؛ فتناوله الفلاسفة في إطار البحث عن كمال النوع الإنساني، وتناوله المتكلّمون ضمن مباحث الإمامة والقدوة والعصمة، ووسّعه العرفاء في سياق الولاية
والقطبية والإنسان الجامع. غير أنّ الإشكال المركزي الذي يفرض نفسه هو: هل يقتضي العقل ضرورة وجود إنسانٍ كامل بعد ختم النبوة؟ وإذا ثبتت هذه الضرورة، فمن هو مصداقها الأتمّ في الواقع التاريخي؟
ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن الإمام علي بن أبي طالب (ع) هو المصداق الأسمى للإنسان الكامل بعد النبي صلى الله عليه وآله ، لا على أساس وجداني أو مذهبي صرف، بل استنادًا إلى برهان عقلي
تراكبي يمكن الدفاع عنه في الحقل الفلسفي والكلامي.
أولًا: مفهوم الإنسان الكامل – تحديد اصطلاحي
الإنسان الكامل، في الاصطلاح الفلسفي الإسلامي، هو الإنسان الذي بلغ الغاية القصوى الممكنة لنوعه من حيث الفعلية الوجودية، أي تحقّق فيه كمال العقل، وتهذّبت فيه قوى النفس، وصارت العبودية عنده وعيًا وسلوكًا لا
مجرّد امتثال شكلي.
ولا يُراد بالكمال هنا الكمال المطلق – وهو مختص بالله تعالى – بل الكمال النسبي الممكن للموجود الإنساني، أي بلوغ حدّ الاعتدال التام بين المعرفة، والإرادة، والعمل، بحيث تصير الشخصية الإنسانية مرآةً صافيةً للقيم الإلهية
في الواقع.
ثانيًا: الغاية من خلق الإنسان وضرورة تجسّدها
يقضي العقل الفلسفي بأن الفعل الصادر عن الحكيم لا يكون عبثًا ولا خاليًا من الغاية. وبما أن الإنسان كائن عاقل مختار، فإن الغاية من خلقه لا يمكن أن تنحصر في البقاء البيولوجي أو الانتظام الاجتماعي، بل لا بد أن تكون غايةً كمالية تتناسب مع طبيعته العقلية والروحية.
ومن هنا، يمكن تقرير قاعدة عقلية مفادها:
( إن الغاية من خلق الإنسان هي بلوغ الكمال الإنساني الاختياري) .
غير أنّ الغاية، لكي تكون معقولة وغير لغوية، لا بد أن تكون ممكنة التحقّق في الواقع، وإلا لزم العبث أو التكليف بما لا يُطاق، وهو محال على الحكيم.
وعليه، فإن العقل يوجب أن يكون الكمال الإنساني قد تحقّق بالفعل في فردٍ بشريّ على الأقل، ليكون شاهدًا على إمكان الغاية، وميزانًا يُقاس به السعي الإنساني نحو الكمال.
ثالثًا: النبي (ص) بوصفه أكمل مصداق للكمال الإنساني
لا خلاف في أن النبي محمد صلى الله عليه وآله يمثّل الذروة العليا للكمال الإنساني في بعده الرسالي؛ فقد اجتمعت فيه المعرفة التامة بالله، وكمال العبودية، والاستقامة السلوكية، والتجسيد العملي للقيم الإلهية في
المجتمع.
غير أنّ ختم النبوة بوفاته صلى الله عليه وآله يثير سؤالًا عقليًا بالغ الدقة:
( هل بانتهاء النبوة تنتهي الحاجة إلى الإنسان الكامل) ؟
إن الإجابة السلبية عن هذا السؤال تفرض نفسها بقوة؛ إذ إن:
طبيعة الإنسان لم تتغيّر بعد النبي.
وحدود العقل البشري لم تُرفع.
والصراع بين الحق والباطل لم ينتهِ.
بل إن انقطاع الوحي المباشر يزيد الحاجة إلى قدوة حيّة تُجسّد القيم التي جاء بها الوحي، وتحفظ معناه من التحريف النظري والعملي.
رابعًا: ضرورة وجود الإنسان الكامل بعد ختم النبوة
من هنا، يصل العقل إلى نتيجة مفادها أن:
(انتهاء النبوة لا يعني انتهاء الحاجة إلى تجسّد الكمال الإنساني، بل يقتضي انتقال هذه الوظيفة من مقام النبوة إلى مقام الولاية والقدوة) .
فالكتاب وحده، مهما بلغ من الكمال، لا يكفي لهداية الإنسان ما لم يكن هناك من:
يفهمه الفهم التام،
ويجسّده في السلوك،
ويكون ميزانًا حيًا لفهمه الصحيح.
وهذا يفضي بالضرورة إلى القول بوجود إنسانٍ كامل بعد النبي صلى الله عليه وآله ، لا نبيًّا مشرِّعًا، بل حافظًا للمعنى، ومجسِّدًا للغايات، وميزانًا للحق.
خامسًا: الشروط العقلية للإنسان الكامل بعد النبي(ص)
إذا ثبتت ضرورة هذا الإنسان، فإن العقل يحكم بأن يتّصف بجملة شروط، أبرزها:
1. أعلى درجات العلم بالدين، لأن الجهل نقص.
2. السلامة من الخطأ في مقام الهداية، لأن الخطأ يناقض وظيفة القدوة المطلقة.
3. السبق التربوي والروحي، لأن الكمال لا يُكتسب فجأة بعد النبي.
4. الارتباط العضوي بالنبي علمًا وسلوكًا.
وهذه الشروط ليست اعتباطية، بل نابعة من تحليل وظيفة الإنسان الكامل نفسه.
سادسًا: التطبيق التاريخي – الإمام علي (ع)
عند تطبيق هذه المعايير على الواقع التاريخي، يبرز الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بوصفه المصداق الوحيد الذي تنطبق عليه هذه الشروط مجتمعة فقد :
تربّى في حجر النبي منذ طفولته،
ولم يُعرف عنه شرك ولا انحراف عقدي،
وشهد له النبي بالعلم والولاية والحق،
وجسّد في سيرته توازنًا فريدًا بين المعرفة، والعبادة، والعدل، والعمل الاجتماعي.
وهنا لا يكون الاستنتاج مذهبًا مسبقًا، بل نتيجة تحليل عقلي للواقع التاريخي في ضوء الشروط المفروضة.
سابعًا: الإسناد الكلامي والعرفاني
يدعم علم الكلام للشيعة الإمامية هذه النتيجة من خلال القول بالعصمة بوصفها شرطًا عقليًا للإمامة، لا امتيازًا تشريفيًا. كما يفسّر العرفان الإسلامي هذه الحقيقة عبر مفهوم الولاية بوصفها باطن النبوة واستمرارها الوجودي.
فالإنسان الكامل، في المنظور العرفاني، هو مرآة الأسماء الإلهية وقطب الهداية، وهو ما ينطبق – بعد النبي – على الإمام علي (عليه السلام) بوصفه الامتداد الوجودي للكمال المحمدي.
الخاتمة
خلص هذا البحث إلى أن مفهوم الإنسان الكامل ليس مفهومًا ذوقيًا أو صوفيًا محضًا، بل حقيقة عقلية تفرضها غائية الخلق وحكمة التشريع. كما بيّن أن ختم النبوة لا ينهي الحاجة إلى تجسّد الكمال الإنساني، بل ينقل هذه
الوظيفة إلى مقام الولاية.
وبتحليل الشروط العقلية لهذا المقام، يتبيّن أن الإمام علي بن أبي طالب (ع) يمثّل المصداق الأسمى للإنسان الكامل بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله ، بوصفه الامتداد الطبيعي والضروري للكمال الإنساني
المحمدي في التاريخ والوجود.
ملاحظة أخيرة
كل ما قلناه حول ضرورة الانسان الكامل بعد النبي (ص) والمتمثل بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فهو ينطبق على بقية الائمة عليهم السلام لنفس وحدة الملاك.
وبكلمة اخرى: إذا كان وجود الإنسان الكامل بعد النبي صلى الله عليه وآله ضرورة عقلية لحفظ الغاية من الخلق، فإنّ وحدة هذا الملاك تقتضي استمرارية هذا الوجود عبر سلسلة من الحجج الإلهية، يكون كلّ واحدٍ منهم إنسانًا
كاملًا في عصره، وهو ما تحقّق في منظومة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام).
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
* أستاذ الدراسات العليا في حوزة النجف الأشرف