فن المرايا في العمارة الإيرانية ليس مجرد زخرفة بصرية، بل لغة روحية وهندسية عميقة، تستحضر النور وتعيد صياغة الهوية في مواجهة الزمن.
تسجيل «فن المرايا في العمارة الإيرانية» ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي العالمي لليونسكو، يعدّ لحظة رمزية في تاريخ الفن الإيراني؛ لحظة يُستدعى فيها أحد أكثر لغات العمارة في هذه الأرض تعقيداً وروحانية، من
هامش الزخرفة إلى متن الثقافة العالمية.
فن المرايا هو فن نابع من علاقة الإيراني بالنور والتعدد والمعنى؛ فن لا يسعى إلى إظهار البهاء فحسب، بل يبحث عن انعكاس الحقيقة. في التقليد المعماري الإيراني، لم تكن المرآة مجرد مادة مصقولة، بل إن كسرها وتقطيعها
وتركيبها بجانب بعضها فعل واعٍ قائم على هندسة قدسية، حيث يتكاثر النور ليذكّر بالوحدة. من الأضرحة والأجواء الطقوسية إلى القاعات والمباني الحكومية، كان فن المرايا دائماً وسيطاً بين الإنسان والمتعالي، بين الرؤية
والتفكير.
تأكيد اليونسكو على تسجيل هذا الفن يسلط الضوء على المهارات اليدوية، والمعرفة التقنية المنقولة شفهياً، وارتباطه العميق بالطقوس والأجواء الجماعية؛ وهي عناصر تجعل فن المرايا تراثاً حياً وديناميكياً. وفي هذا السياق،
فإن الإهتمام بالنماذج المعاصرة ليس أمراً هامشياً، بل ضرورة لإستمرار هذا التقليد العالمي، خاصة في مواجهة أعمال جديدة وقراءات حديثة.
«المرآة في المرآة»
في هذا الأفق، يبرز عمل «آينه در آينه» أي «المرآة في المرآة» الذي أُطلق مؤخراً من مركز العمارة في مركز الفن بطهران (حوزه هنري)، كحدث يتجاوز مجرد إنتاج فني. هذا العمل، الذي أنجزه أستاذ فن المرايا «سياوش
طرزي»، لا يسعى إلى إعادة بناء البهاء التاريخي لفن المرايا، بل إلى إعادة التفكير في منطقه الداخلي، حيث تتحول المرآة إلى وسيلة للتأمل لا مجرد أداة للسطوع، فقط.
يقف «المرآة في المرآة» عند النقطة التي يلتقي فيها التقليد المسجل في اليونسكو مع الحاضر. هنا، المرآة ليست في خدمة الزخرفة، بل في صناعة المعنى، حيث يتحول المتلقي من مشاهد سلبي إلى مشارك في تجربة
النور والانعكاس والتأمل. ومن ثم يُعد هذا العمل مثالاً على العلاقة الجديدة بين التراث غير المادي والإنتاج الفني المعاصر، علاقة قد تحدد مستقبل فن المرايا الإيراني.
العمل يتحدث بلغة مألوفة، إذ يستحضر ألوان العلم الإيراني الثلاثة، بوصفه رمزاً رسمياً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ضمن نظام هندسي مستمد من الفن الإسلامي. لكن ما يرفعه فوق مستوى التمثيل الرمزي هو السعي
لإعادة تعريف العلم كبنية معنوية، لا مجرد رمز سياسي، بل مجال لتلاقي التاريخ والقدسية والمعاصرة.
البنية العمودية
البنية العمودية للعمل تذكّر بالثبات، الذي يزداد وضوحاً أمام خلفية داكنة محايدة. هذا التباين بين النور والظلام يخدم المعنى: فالعلم لا يُعرّف في الفراغ، بل في مواجهة «العدم». اختيار مادة شفافة عاكسة (شبيهة بالمرآة) يعزز
هذا الفهم، إذ يدخل المتلقي في النص الفني ويجد نفسه داخل هندسة الهوية.
الشبكة النجمية المتكررة في الوسط مستمدة من الهندسة الإسلامية، التي حلّت محل صورة الإنسان في تاريخ الفن الإسلامي لتعبّر عن المقدس. هنا أيضاً تلعب الهندسة دور الوسيط بين الوطني (العَلَم) والمتعالي
(القدسية). وضع شعار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في قلب هذه الهندسة يخلق قراءة مزدوجة، من جهة تثبيت أيديولوجي للنظام السياسي في إطار ديني، ومن جهة محاولة لإضفاء شرعية روحية.
الهندسة القدسية
وهنا يظهر مجال النقد؛ هل بقيت الهندسة القدسية وفية لعمقها المعنوي أم تحولت إلى أداة لتزيين السلطة؟ الجواب غير محسوم، وهذا التعليق نفسه يُعد من نقاط قوة العمل.
شفافية المادة ولعب الضوء يوحيان بالصدق والنقاء والوضوح، وهي مفاهيم بارزة في خطاب الثورة الإسلامية وفن المقاومة. ومع ذلك، يبقى خطر الانزلاق إلى الجمالية البحتة قائماً، إذ قد يطغى البريق البصري على المعنى. وهذا
هو الحد الذي يواجهه الفن الملتزم دائماً؛ الحد بين التعبير عن الحقيقة وجاذبية الشكل.
في هذا العمل، لم يعد العلم مجرد شيء استهلاكي أو رمز مناسباتي، بل أصبح «نصاً» يمكن قراءته وتفسيره وحتى مساءلته. هذا النهج يقرب العمل من تقاليد الفن المفهومي، حيث المعنى يتقدم على المهارة، دون أن تُلغى
المهارة. فالنظام الهندسي الدقيق وضبط الألوان وتوازن البنية يبرهن أن الفنان متمكن من لغة الشكل ويستخدمها لخدمة الفكرة.
وأخيراً يبقى فن المرايا شاهداً على قدرة الثقافة الإيرانية على الجمع بين القدسية والحداثة، بين التراث والابتكار. وفي أعماله المعاصرة، يتحول من رمز زخرفي إلى مساحة للتأمل والحوار حول الهوية والمعنى.