في مطلع عام 2026، تكشّفت أمام العالم حقائق جديدة عن سياسات الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، عبر تقارير ذا غارديان البريطانية وتحذيرات منظمة «أطباء بلا حدود»، وصولًا إلى تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. هذه الحقائق لا تقتصر على منع إدخال مواد أساسية أو فرض قيود إدارية، بل تكشف عن منظومة متكاملة: شرعنة السوق السوداء، تقويض العمل الإنساني، وتجريم المنظمات الدولية التي تحاول إنقاذ المدنيين. ما يجري ليس مجرد تضييق، بل استراتيجية ممنهجة لتحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة ابتزاز، وإبقاء غزة في حالة دائمة من العجز والاعتماد.
سياسة «الاستخدام المزدوج» كذريعة للمنع
منذ سنوات، يعتمد الاحتلال على تصنيف واسع يُعرف بـ«الاستخدام المزدوج»، يدرج فيه مواد أساسية مثل الإسمنت والحديد والمولدات الكهربائية ضمن قائمة الممنوعات، بذريعة إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية. هذه الذريعة تحولت إلى أداة ابتزاز سياسي واقتصادي، إذ تُمنع المنظمات الإنسانية من إدخال هذه المواد، بينما يُسمح للتجار بتمريرها عبر قنوات خاصة، لتُطرح لاحقًا في السوق بأسعار مضاعفة.
هذا التناقض يفضح أن الهدف ليس حماية الأمن كما يدّعي الاحتلال، بل التحكم الكامل بحركة السلع وإخضاع المجتمع الفلسطيني لمنظومة اقتصادية غير عادلة. فالمواد التي تُمنع عن المستشفيات والمخيمات تُباع في الأسواق المحلية، ما يجعل حياة المدنيين رهينة لمزاج الاحتلال وشبكات مصالحه.
شرعنة السوق السوداء وتكريس اقتصاد غير قانوني
ما كشفته ذا غارديان عن إدخال مواد محظورة عبر التجار يُسلط الضوء على ظاهرة خطيرة: الاحتلال لا يكتفي بالمنع، بل يٌشرعن السوق السوداء ويحوّلها إلى مصدر ربح لفئات محددة. هذه الفئات، سواء كانت فلسطينية أو صهيونية، تحصل على تصاريح خاصة تسمح لها بتمرير المواد، لتُباع لاحقًا داخل غزة بأسعار باهظة.
هذا الاقتصاد الموازي لا يخدم المجتمع الفلسطيني، بل يُعزز شبكة مصالح مشتركة بين الاحتلال وبعض التجار، ويُكرّس التبعية الاقتصادية. في الوقت ذاته، يُستخدم كأداة لإضعاف المنظمات الإنسانية التي تُمنع من إدخال المواد نفسها، ما يضعف قدرتها على تقديم الخدمات ويجعلها عاجزة أمام احتياجات السكان.
استهداف المنظمات الإنسانية وإسكات الشهود
تهديد الاحتلال بسحب تسجيل «أطباء بلا حدود» وعشرات المنظمات الأخرى يكشف عن سياسة ممنهجة لتقويض العمل الإنساني. الاحتلال لا يكتفي بفرض قيود على إدخال المواد، بل يسعى إلى إخضاع المنظمات لشروط أمنية وسياسية، مثل تسليم بيانات موظفيها الفلسطينيين أو قبول اتهامات باطلة ب«إيواء إرهابيين». هذه الشروط تُمثل تجاوزًا فاضحًا لمبادئ العمل الإنساني، وتقوّض استقلالية المنظمات وحيادها.
الهدف من هذه السياسة واضح: منع المنظمات من فضح جرائم الاحتلال، وإضعاف قدرتها على تقديم الخدمات الطبية والإنسانية، وبالتالي ترك المدنيين في مواجهة الموت والدمار دون سند. هذا السلوك يعكس عقلية ترى في المساعدات الإنسانية أداة للعقاب الجماعي، لا حقًا قانونيًا مكفولًا بموجب الاتفاقيات الدولية.
غوتيريش يدق ناقوس الخطر
إعلان الاحتلال تعليق عمل 37 منظمة إنسانية دولية في غزة والضفة الغربية أثار موجة انتقادات واسعة. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عبّر عن «قلق شديد»، محذرًا من أن هذا القرار سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية. الاتحاد الأوروبي طالب برفع العقبات أمام إيصال المساعدات، فيما وصف مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك الإجراءات بأنها «تعسفية» تزيد الوضع سوءًا. أمّا مدير «الأونروا»، فيليب لازاريني، فاعتبرها «سابقة خطيرة» تعكس نمطًا مقلقًا من تجاهل القانون الدولي الإنساني.
ختاماً ما تكشفه التقارير الدولية عن شرعنة السوق السوداء وتقويض العمل الإنساني في غزة ليس مجرد تفاصيل إدارية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إخضاع المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدرته على الصمود. الاحتلال يستخدم ذريعة «الاستخدام المزدوج» لتبرير المنع، لكنه في الواقع يفتح قنوات تجارية تخدم مصالحه، ويحوّل المساعدات إلى أداة للعقاب الجماعي. في مواجهة هذا الواقع، يبقى التحدي الأكبر هو فضح هذه السياسات على المستوى الدولي، وتعزيز صمود المجتمع الفلسطيني عبر دعم المنظمات الإنسانية وتكثيف الجهود لإعادة الإعمار.