فنزويلا لن تكون مستعمرة

كاراكاس في قلب العاصفة.. حين تُختطف السيادة ويُختبر القانون الدولي

فنزويلا تتمسك بشرعيتها وسط وصاية أميركية معلنة، أوروبا قلقة، وروسيا والصين تراقبان، والعالم يواجه اختبار عصر القوة فوق القانون

في الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، اهتزّت فنزويلا على وقع حدث غير مسبوق في تاريخها الحديث: عملية عسكرية أميركية واسعة استهدفت العاصمة كاراكاس، شملت قصفاً لموانئ ومطارات وقواعد عسكرية، وانتهت باختطاف الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى الولايات المتحدة. هذا العدوان لم يكن مجرد عملية أمنية، بل إعلاناً صريحاً عن مشروع وصاية وهيمنة، يهدف إلى إعادة تشكيل فنزويلا وفق مصالح واشنطن وشركاتها الكبرى. في المقابل، خرجت نائبة الرئيس دلسي رودريغيز لتؤكد أن بلادها «لن تكون أبداً مستعمرة لأي دولة»، مشددةً على شرعية مادورو، ومعلنةً التعبئة العامة للدفاع عن السيادة.

 

الشرعية الدستورية في مواجهة القوة العسكرية

 

منذ اللحظة الأولى للعملية الأميركية، كان الهدف واضحاً: إزاحة الرئيس المنتخب بالقوة وفرض انتقال سياسي يخدم مصالح واشنطن. لكن الشرعية الدستورية في فنزويلا لم تكن قابلة للتلاعب. فالمحكمة العليا أمرت نائبة الرئيس دلسي رودريغيز بتولي الرئاسة بصفة قائمة بالأعمال، فيما أكدت رودريغيز أن مادورو هو الرئيس الشرعي الوحيد، مطالبةً بالإفراج عنه فوراً. هذا التمسك بالشرعية ليس مجرد موقف قانوني، بل هو رسالة سياسية للشعب الفنزويلي وللعالم: أن فنزويلا لن تسمح بتحويلها إلى«فناء خلفي» أو مستعمرة جديدة.

 

التعبئة العسكرية والشعبية

 

ردّ فنزويلا على العدوان لم يقتصر على الخطاب السياسي، بل شمل إجراءات عملية. وزير الدفاع أعلن التعبئة العامة، مؤكداً أن البلاد ستتفوق في هذا الصراع. القوات المسلحة وضعت في حالة استعداد قصوى، فيما دعت رودريغيز الشعب إلى الوحدة والهدوء للدفاع عن البلاد. هذه التعبئة تحمل دلالتين أساسيتين: أن فنزويلا قادرة على الصمود عسكرياً رغم الفارق في القوة مع الولايات المتحدة، وأن المعركة ليست فقط بين جيشين، بل بين شعب متمسك بسيادته وقوة خارجية تسعى إلى فرض وصايتها. الشارع الفنزويلي يعيش حالة صدمة، لكنه في الوقت نفسه يشهد مظاهرات منددةً بالاختطاف ومطالبةً بعودة الرئيس، ما يعكس أن الشعب يرى في مادورو رمزاً للسيادة الوطنية.

 

ترامب وإعلان الوصاية العلني

 

لم يعد الأمر مجرد عملية عسكرية أو اختطاف رئيس منتخب، بل تحوّل إلى إعلان صريح عن مشروع وصاية وهيمنة. ففي مؤتمره الصحافي، قال ترامب إنّ بلاده ستدير فنزويلا حتى يتم نقل السلطة بشكلٍ منظّم، مؤكداً أن وزيري الحرب والخارجية سيكونان ضمن فريق لحكم البلاد، وأن شركات النفط الأميركية الكبرى ستدخل لإعادة بناء القطاع النفطي. هذا الكلام لا يترك مجالاً للشك: الولايات المتحدة لا ترى في فنزويلا دولة ذات سيادة، بل أرضاً مفتوحة لإدارة مباشرة، أشبه بالانتداب أو الاحتلال المقنّع.

 

ترامب لم يكتفِ بذلك، بل اعتبر أن العملية العسكرية «استعراض لقوة ونفوذ أقوى دولة في العالم»، وأنها تُشكّل تحذيراً لكل من يهدّد السيادة الأميركية. بهذا الخطاب، يضع فنزويلا في موقع العدو الذي يجب إخضاعه، ويحوّل مبدأ مونرو القديم إلى عقيدة جديدة للهيمنة، حيث القارة الأميركية تُعتبر مجالاً حصرياً للنفوذ الأميركي، لا مكان فيه لأي تجربة استقلالية أو مقاومة. الأخطر أن ترامب أعلن أن عوائد النفط الفنزويلي ستذهب للشعب الفنزويلي وللولايات المتحدة أيضاً «كتعويض للضرر»، في اعتراف واضح بأن الهدف الاقتصادي هو جوهر العدوان. النفط هنا ليس مجرد مورد، بل هو الغنيمة التي تسعى واشنطن إلى الاستيلاء عليها تحت شعار «إعادة البناء».

 

الداخل الأميركي.. المعارضة للعدوان

 

العدوان على فنزويلا لم يمر من دون انتقادات داخلية في الولايات المتحدة. سيناتورات ديمقراطيون اعتبروا أن ترامب يتصرف بعقلية استبدادية، ويعرض المصالح الأميركية للخطر. الاحتجاجات بدأت في الداخل الأميركي، وقد تتوسع في الساعات المقبلة. هذا يبيّن أن مشروع الهيمنة لا يواجه مقاومة خارجية فقط، بل يثير أيضاً انقساماً داخلياً في الولايات المتحدة نفسها، بين إدارة تسعى إلى فرض وصايتها، وشعب يرفض التورط في«حرب أخرى لا نهاية لها».

 

خطف مادورو يُربك العالم

 

لم يقتصر أثر العملية على الداخل الفنزويلي، بل امتد ليهزّ النظام الدولي بأسره. خطف مادورو وزوجته ونقلهما إلى الخارج أثار صدمة في الأوساط الدبلوماسية والسياسية العالمية، ووصف مراقبون الحدث بأنه «سابقة خطيرة قد تعيد تشكيل موازين القوى في القرن الحادي والعشرين»، بل وتنذر باشتعال صراعات إقليمية ودولية لم يسبق لها مثيل في العقود الأخيرة.

 

دبلوماسيون أوروبيون حذّروا من أن الرسالة وصلت إلى أوروبا: الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة لتحقيق أهدافها السياسية، حتى لو اقتضى ذلك انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. هذا التحول يفاقم «الفراغ الأمني» في القارة الأوروبية، ويدفع دول الاتحاد إلى تسريع خططها لإعادة التسليح بشكلٍ مستقل عن المظلة الأميركية. البعض بدأ يتحدث عن «مبدأ دونرو»، نسخة محدثة من عقيدة مونرو، تنص على أن نصف الكرة الغربي هو الحديقة الخلفية الحصرية للولايات المتحدة، مع رفض أي نفوذ خارجي.

 

روسيا وصفت العملية بأنها «عدوان مسلح»، وكوبا اعتبرتها «إرهاب دولة»، والبرازيل والمكسيك أدانتاها باعتبارها انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة. حتى داخل الحلف الغربي، عبّرت دول مثل سويسرا والنمسا عن قلقها، مطالبةً واشنطن باحترام مبدأ السيادة. أمّا الاتحاد الأوروبي، فاختار موقفاً ملتبساً، داعياً إلى «ضبط النفس»، في انعكاس لانقسام داخلي بين من يريدون رحيل مادورو، ومن يرفضون وسيلة الإطاحة به.

 

هذا المشهد يفتح الباب أمام أسئلة وجودية: هل ستكتفي واشنطن بانتصار سريع، أم ستنطلق نحو احتلال طويل الأمد؟ هل ستستغل المعارضة الفرصة للانقضاض على السلطة؟ والأهم: من يحمي الدول الصغيرة إذا لم يعد القانون الدولي مقدساً؟ هنا يصبح ما جرى في كاراكاس جزءاً من مشهد عالمي أوسع، حيث القوة تحل محل القانون، والهيمنة تحل محل الشراكة، والضعفاء يتركون لمصيرهم في مواجهة الإمبراطوريات.

 

ختاماً الأزمة الراهنة في فنزويلا لم تعد شأناً داخلياً، بل تحوّلت إلى اختبار عالمي لمستقبل النظام الدولي. الولايات المتحدة أعلنت وصايتها علناً، فيما فنزويلا تتمسك بشرعيتها وسيادتها. أوروبا ترتعد خوفاً من أن تصبح الهدف التالي، وروسيا والصين تراقبان بحذر، والعالم بأسره يتساءل: هل دخلنا عصر «القوة فوق القانون»؟.

 

المصدر: الوفاق/ خاص