قالت الباحثة الايرانية في الدراسات الدينية وأستاذة الحوزة العلمية للسيدات “ريحانة حقاني” إن واقعة عاشوراء إنتهت باستشهاد الإمام الحسين (ع)، لكنها إستمرت وتجسدت بصبر السيدة زينب (ع)، مضيفة أن هذا هو الصبرالذي ينتج المعنى والحقيقة. لذلك، فإن السيدة زينب(س) ليست فقط بطلة حدث، بل هي منظّرة الصبر القرآني في تاريخ الإسلام.
والسيدة زينب (س) هي مثال فريد للصبر والثبات والوعي الديني، وحياتها قبل وبعد عاشوراء تحمل دروساً قيمةً للبشرية، وخاصة للنساء والمجتمع. من طفولتها ونشأتها في كنف أهل البيت (ع) إلى مواجهتها لمصائب واقعة عاشوراء وخطبها النارية في الكوفة والشام، أظهرت أن الصبر الحقيقي هو مقاومة واعية ومسؤولة. هذا الصبر هو تجسيد للمفاهيم القرآنية وإستراتيجية للحياة الفردية والاجتماعية، ويمكن أن يكون اليوم منارة لمواجهة الصعوبات واستمرار القيم.
وصرّحت “ريحانة حقاني”، أستاذة الحوزة العلمية للسيدات، في حوار مع وكالة “إكنا” للأنباء القرآنية الدولية بمناسبة ذكرى استشهاد هذه السيدة العظيمة في الإسلام، أن السيدة زينب (س) هي رمز الثبات وجبل الصبر والابنة البارة للإمام علي (ع).
وقالت: “لقد كانت السیدة زينب(ع) قدوة فريدة في الصبر والتحمل، ويمكن تقسيم حياتها إلى فترتين متميزتين: قبل واقعة عاشوراء وبعدها. إذا نظرنا إلى حياتها قبل عاشوراء، فندرك أنها نشأت في كنف الإمامة والولاية، وكانت تلميذة لهذه المدرسة الراقية منذ طفولتها. وهذا هو السبب في تسميتها عقيلة بني هاشم”.
وأضافت: “في الفترة التي سبقت عاشوراء، كانت حياة السيدة زينب (س) هادئة نسبياً، مقارنة بالفترة التي تلت عاشوراء؛ ولكن مع ذلك، وقعت أحداث مهمة في هذه المرحلة من حياتها. من ذلك أنها فقدت والدتها في سن الطفولة، وأدركت صعوبات فترة إمامة الإمام الحسن (ع). كانت هذه الصعوبات مقدمة لتحمل أحداث أصعب في المستقبل، وكأن التاريخ كان يربّيها ويهيئها لأحداث أكبر”.
وصرّحت النائبة السابقة لجامعة الزهراء (ع) في الشؤون البحثية بأن “السيدة زينب (س) كانت ميداناً لتحقيق المفاهيم الدينية والقرآنية الأساسية”، موضحة أن “هذه المفاهيم تجسدت في حادثة كربلاء. لقد كانت قبل كربلاء عالمة في ظل الإمامة، وبعد عاشوراء، التي هي نقطة تحول في حياتها، بدأت رسالتها للتو، ولم تكن نهاية عملها”.
تجلّي الصبر في وجود السيدة زينب (س)
وأضافت: “لقد ذكر القرآن الكريم آيات عن الصبر، وكلها تتجلى بدرجات في وجود السيدة زينب (س). أحدها هو الصبر على العبادة الذي يتجلى في وجودها، خاصة في صلوات الليل.”
صرّحت حقاني: “الصبر الآخر هو الصبر على المعصية، لأنها نشأت في كنف أمثال الإمام علي (ع) والسيدة فاطمة (س) وفي بيئة العصمة والطهارة. الصبر الآخر هو الصبر على المصيبة، وقد قال القرآن الكريم في هذا الشأن:
“وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”. لذلك، لم تشكُ السيدة زينب (س) في أوج المصيبة، بل نطقت بعبارة: “ما رأيت إلا جميلاً”، التي تحمل أسمى الدروس للحياة. لقدكانت مصداقًا للآية الكريمة: “وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ”.”
الصبر يعني المقاومة الواعية
وتابعت أستاذ الحوزة العلمية للسيدات في إیران، موضحة أن “الصبر القرآني هو الوقوف الواعي على الحق: في الصبر القرآني، هناك ديناميكية، والنقطة الأهم في الحياة قبل عاشوراء هي أن السيدة زينب (س) كانت لديهامعرفة ووعي بالصبر، وصبرها لم يكن مفروضاً، بل كان قائماً على الاختيار”.
وأضافت: “البعض يرى نفسه مضطراً للصبر، لكن السيدة زينب(س) كانت تتقبل الصبر، لأنها كانت تدرك نتائجه البناءة في الدنيا وجزاءه في الآخرة. وقد قال القرآن الكريم: “وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ”.
وأضافت ريحانة حقاني: “فضّلت السيدة زينب (س) الهجرة على العافية، وسارت مع الإمام الحسين (ع)، ولعبت دوراً إرشادياً للنساء والأطفال. وعندما وصلت إلى مرحلة عاشوراء، تجلى صبرها بشكل آخر؛ يوم عاشوراء هوالمشهد الكامل لظهور هذا النوع من الصبر القرآني، لأنه في مثل هذه المرحلة يمكن للإنسان أن يصاب بانهيار عاطفي، لكن السيدة زينب(س) كان ردّ فعلها بحيث لا يمكن تحليلها إلا بهذه الآية: “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّالِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”. لذلك، كانت السيدة زينب (س) في عاشوراء معرضة لأنواع المصائب، وكان صبرها يمثل طيفاً متنوعاً من الصبر؛ صبراً ديناميكياً وفعالاً، لا انعزاليًا وسلبيًا”.
وقالت أستاذة الحوزة العلمية للسيدات: “إن الأسر وفي الوقت نفسه مواجهة التحريف المنظم لجهاز الخلافة، يخلق ظروفاً وصف القرآن الكريم أجر هذا الصبر بأنه بغير حساب، وقال: “قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ”.”
وأضافت: “السيدة زينب (س) هي مثال للصبر الشامل الذي تجلى في القرآن بأبعاد الصبر في الطاعة، والصبر في المعصية، والصبر في المصيبة، وقد حققته هي في أوج كماله”.
وأشارت ريحانة حقاني إلى أن الصبر المتجلي في شخصية السيدة زينب (س) يمكن أن يكون درساً لنا اليوم أيضًا، وقالت: “سيرة السيدة زينب (س) في مجتمعنا اليوم جديرة بالاهتمام والتعلم. صبر السيدة زينب(س)ليس خاصاً بها فقط وينتهي، بل يحمل رسالة عميقة لنا. درسها العظيم هو أن من يصبر، لديه مقاومة واعية، وليس أنه لا يملك خياراً ويتصرف بسلبية. لذلك، في صعوبات المجتمع اليوم، هذا النوع من الصبر استراتيجي وعملي”.
دور المرأة في التاريخ

صرحت ريحانة حقاني: “درس آخر من حياة السيدة زينب (عليها السلام) هو أن النساء أيضًا يمكنهن، في أصعب الظروف، أن يقدن مجتمعًا بصبرهن وأن يكن رائدات في الهداية والوعي. وكذلك، إذا كان هناك إيمان راسخ، فيمكن للإنسان أن يبقى ثابتًا كالجبل في أصعب الابتلاءات والصعوبات، وهذا الدرس قابل للتطبيق حتى في ظروف المجتمع الحالية”.
وتابعت: “لقد أبقت السيدة زينب (س) الإسلام حياً بصبرها، وأصبحت نموذجًا دائمًا للعزة والوعي والأمومة الروحية لتاريخ الإسلام. لقد أظهرت للعالم أن الأسر أحيانًا يمكن أن يخلق الأصالة، وأن الصبر أحيانًا يمكن أن يهزقصور الظالمين. في زمن يعاني فيه البشر من المصائب والاضطرابات، تدعو السيدة زينب (س) الجميع إلى الصبر القرآني”.