د. عمرو معديكرب حسيـن الهمداني
لم تعد فنزويلا، في المشهد الدولي الراهن، مجرّد دولة تواجه أزمة سياسية أو اقتصادية داخلية، بل تحولت إلى اختبارٍ صريح لمفهوم السيادة الوطنية، وإلى مرآة تعكس عمق الإختلال في بنية النظام الدولي. فما تشهده كاراكاس من تصعيد وضغوط غير مسبوقة يعبّر عن نمطٍ متكرر في السلوك الأمريكي تجاه الدول التي تخرج عن بيت الطاعة، ويكشف في الوقت ذاته حدود القانون الدولي حين يصطدم بمنطق القوة.
إنّ قراءة ما يجري في فنزويلا لا تكتمل من دون وضعه في سياقه الأشمل: سياق صراع طويل بين مشروع الهيمنة الأحادية، ومحاولات دول وشعوب الحفاظ على استقلال قرارها السياسي والإقتصادي. ومن هنا، فإن الحدث الفنزويلي يتجاوز الجغرافيا اللاتينية، ليلامس الشرق الأوسط، وآسيا، وأفريقيا، ويترك أثره المباشر وغير المباشر على سياسات دول.
أولاً: فنزويلا.. السيادة المستهدفة
منذ أن اختارت فنزويلا، مع مطلع الألفية الجديدة، مساراً سياسياً واقتصادياً مستقلاً نسبياً عن النفوذ الأمريكي التقليدي في أمريكا اللاتينية، دخلت في دائرة الاستهداف المنهجي. لم يكن الخلاف يوماً محصوراً في طبيعة النظام السياسي، كما تروّج واشنطن، بل في جوهر القرار السيادي، وفي إدارة الموارد، وعلى رأسها النفط.
فنزويلا تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وقد سعت، منذ سنوات، إلى توظيف هذه الثروة ضمن رؤية وطنية، وبشراكات لا تخضع للإملاءات الأمريكية. هذا الخيار كان كافياً لوضعها على لائحة الدول “المارقة” في التصنيف السياسي الأمريكي، وفتح الباب أمام سلسلة طويلة من الضغوط والعقوبات.
ثانياً: العقوبات كأداة حرب غير معلنة
فرضت الولايات المتحدة، منفردة أو عبر حلفائها، عقوبات اقتصادية ومالية واسعة على فنزويلا، شملت قطاع النفط، والبنوك، والتحويلات المالية، وقيّدت قدرة الدولة على الوصول إلى أسواقها وأموالها. ورغم التبريرات السياسية والإعلامية التي أُحيطت بها هذه العقوبات، فإن نتائجها الفعلية كانت إنسانية بامتياز: تراجع الخدمات، صعوبات في استيراد الدواء والغذاء، وتضييق الخناق على حياة المواطنين.
وفق القانون الدولي، تُعدّ العقوبات الأحادية خارج إطار مجلس الأمن محلّ خلاف قانوني واسع، خصوصاً حين تتحول إلى وسيلة لإكراه الشعوب وتجويعها. ومع ذلك، استمرت هذه السياسات، في مشهد يعكس تحوّل العقوبات من أداة ضغط سياسية إلى “سلاح استراتيجي” يُستخدم لتحقيق أهداف تتجاوز أي اعتبار إنساني.
ثالثاً: من الضغط الإقتصادي إلى الفعل القسري
المرحلة الأخطر في المشهد الفنزويلي هي الانتقال من العقوبات والحصار إلى “التصعيد القسري المباشر”، سواء عبر التهديد باستخدام القوة، أو عبر عمليات أمنية خاصة، أو عبر تدخلات تتجاوز الأعراف الدبلوماسية. هذا التطور لا يشير فقط إلى فشل العقوبات في تحقيق أهدافها، بل إلى استعداد واشنطن لتجاوز الخطوط الحمراء حين تعجز الأدوات التقليدية.
إنّ استخدام القوة أو التهديد بها خارج إطار تفويض دولي واضح، ومن دون توافر شروط الدفاع الشرعي، يُعدّ، بحسب القانون الدولي، “انتهاكاً صريحاً لمبدأ عدم استخدام القوة”، وهو أحد أعمدة النظام الدولي الحديث؛ لكن التجربة تُظهر أن هذه القواعد تُطبّق بانتقائية، وأن الدول الكبرى نادراً ما تُحاسَب على أفعالها.
رابعاً: صمت المؤسسات الدولية.. أزمة مصداقية
لا يقلّ الصمت الدولي خطورة عن الفعل نفسه. فالأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، تبدو عاجزة عن اتخاذ مواقف حاسمة تجاه ما يجري في فنزويلا. هذا العجز، سواء كان نتيجة الانقسام الدولي أو ضغط القوى الكبرى، يكرّس واقعاً خطيراً: “تفريغ القانون الدولي من مضمونه”.
حين تُنتهك سيادة دولة، ولا يُحاسَب المنتهك، فإن الرسالة التي تصل إلى العالم واضحة: القوة فوق القانون، والنفوذ السياسي أقوى من المبادئ. وهذه الرسالة لا تُضعف فنزويلا وحدها، بل تضعف ثقة الشعوب بالنظام الدولي بأكمله.
خامساً: فنزويلا كنموذج لا كإستثناء
ما يحدث في فنزويلا اليوم ليس إستثناءً في السياسة الأمريكية، بل إمتداد لنمط معروف من التدخلات، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط. القاسم المشترك في هذه التدخلات هو السعي لفرض نموذج سياسي واقتصادي واحد، ومعاقبة كل من يرفضه.
بهذا المعنى، تتحول فنزويلا إلى “نموذج تحذيري” لكل دولة تفكر في الخروج عن دائرة النفوذ الأمريكي، وإلى ساحة اختبار لإرادة الدول الساعية إلى الاستقلال الحقيقي.
سادساً: إيران.. قراءة من موقع التجربة
بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يُنظر إلى ما يجري في فنزويلا كحدث بعيد أو منفصل، بل كجزء من مشهد دولي مألوف. فإيران نفسها عاشت لعقود تحت وطأة العقوبات، والضغوط السياسية، والتهديدات العسكرية، ومحاولات العزل.
هذه التجربة الطويلة جعلت طهران أكثر قناعة بأن المشكلة الأساسية ليست في سياسات الدول المستهدفة، بل في “بنية الهيمنة” التي لا تقبل التعدد ولا تعترف بحق الشعوب في اختيار مساراتها. ومن هنا، فإن إيران ترى في فنزويلا حالة تؤكد صحة قراءتها الإستراتيجية لطبيعة الصراع مع الولايات المتحدة.
سابعاً: أثر الأحداث على السياسة الإيرانية
الأحداث في فنزويلا تترك أثراً واضحاً على السياسة الإيرانية في أكثر من اتجاه:
1- تعزيز خطاب المقاومة: إذ تُستخدم الحالة الفنزويلية لتأكيد أن الإستهداف الأمريكي لا يرتبط بسلوك محدد، بل برفض الخضوع.
2- توسيع الشراكات الدولية: تدفع هذه التطورات إيران إلى تعميق علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، وبناء شبكات تعاون اقتصادي وسياسي بديلة.
3- إعادة تعريف الأمن القومي: ترى طهران أن أمنها لا ينفصل عن أمن حلفائها، وأن الدفاع عن السيادة في مكان ما هو دفاع استباقي في أماكن أخرى.
ثامناً: المقاومة كمفهوم عالمي
لم يعد مفهوم المقاومة محصوراً في إطار جغرافي أو أيديولوجي ضيق. بل بات، في السياق الدولي الراهن، عنواناً لكل محاولة دفاع عن السيادة، وكل سعي لكسر الحصار، وكل رفض للإملاءات. وفنزويلا، من هذا المنظور، تُدرج ضمن معسكر الدول التي تخوض معركة الوعي قبل معركة السياسة.
تاسعاً: بين القانون والقوة.. أي مستقبل؟
العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق واضح: إمّا استمرار منطق القوة، حيث تُفرض الإرادة بالسلاح والعقوبات، أو إعادة الاعتبار للقانون الدولي بوصفه الإطار الناظم للعلاقات بين الدول.
التجربة تشير إلى أن الطريق الأول هو الأسهل للقوى الكبرى؛ لكنه الأكثر تدميراً للاستقرار العالمي. أما الطريق الثاني، فيتطلب إرادة سياسية دولية لا تبدو متوافرة حتى الآن.