زمن جديد يتشكّل

أميركا اللاتينية بين مطرقة الهيمنة الأميركية وسندان المقاومة الشعبية

البلطجة الأميركية قد تنجح في خطف رئيس، لكنها لن تنجح في خطف إرادة شعوب بأكملها

لم يكن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مجرّد عملية عسكرية خاطفة، بل لحظة مفصلية في تاريخ أميركا اللاتينية والعالم. عملية «العزم المطلق» التي نفّذتها واشنطن لم تكن سوى الشرارة التي كشفت عن مشروع أميركي أوسع: إعادة فرض عقيدة مونرو، وإعادة القارة إلى بيت الطاعة. لكنّ ما بدا في لحظته الأولى كضربة قاصمة، تحوّل سريعًا إلى لحظة مقاومة جماعية، وأعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل تقبل أميركا اللاتينية العودة إلى التاريخ الاستعماري، أم أنها ستصوغ تكتّلًا جديدًا يحمي سيادتها؟

 

واشنطن تعود إلى «الفناء الخلفي»

 

منذ القرن التاسع عشر، شكّلت عقيدة مونرو حجر الأساس في السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية. هذه العقيدة التي أُعلنت عام 1823، نصّت على أن أي تدخل أوروبي في القارة يُعتبر تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة، لكنها تحوّلت عمليًا إلى مبرّر لفرض الهيمنة الأميركية على دول الجنوب.

 

في القرن العشرين، تجسّدت هذه العقيدة في سلسلة من التدخلات العسكرية والانقلابات المدعومة أميركيًا: من غواتيمالا عام 1954، إلى تشيلي عام 1973، مرورًا بغزو بنما عام 1989 واعتقال مانويل نورييغا. واليوم، مع عملية «العزم المطلق»، تعود واشنطن لتؤكد أن القارة لا تزال «فناءها الخلفي»، وأنها لن تتسامح مع وجود أنظمة مناوئة لنفوذها.

 

لكنّ الفارق أن أميركا اللاتينية اليوم ليست كما كانت في الماضي. الوعي الشعبي أكبر، والتحالفات الدولية أوسع، والذاكرة التاريخية أكثر حضورًا. هذا ما يجعل من الصعب على واشنطن أن تكرر سيناريوهات الماضي من دون مواجهة مقاومة واسعة.

 

كوبا وكولومبيا والمكسيك.. أهداف معلنة

 

بعد اختطاف مادورو، تصاعدت التحذيرات من أن كوبا قد تكون التالية على قائمة الاستهداف. ترامب وصفها بأنها «دولة فاشلة»، فيما حذّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أن على هافانا أن تشعر بالقلق. بالفعل، شوهدت تحركات عسكرية داخل كوبا، في مؤشر إلى أن هافانا تأخذ التهديدات على محمل الجد.

 

كولومبيا أيضًا دخلت دائرة التهديد، إذ اتهم ترامب رئيسها غوستافو بيترو بأنه «يصنع الكوكايين ويرسله إلى الولايات المتحدة». هذا الخطاب يشي بأن واشنطن لا تكتفي بفنزويلا، بل تسعى إلى فرض واقع جديد في المنطقة، يعيد عقيدة الهيمنة القديمة ويهدد كل الأنظمة المناوئة.

 

أمّا المكسيك، فقد وُضعت ضمن لائحة الدول التي يجب «إخضاعها»، في خطاب يعكس رغبة واشنطن في إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بأكملها. هذا التوسّع في دائرة التهديدات يوضح أن الهدف ليس فنزويلا وحدها، بل إعادة هندسة المشهد السياسي في القارة بأكملها.

 

ردود الفعل.. بوادر تكتّل لاتيني

 

الهجوم على فنزويلا أثار موجة رفض واسعة. خمس دول (البرازيل، تشيلي، كولومبيا، المكسيك، أوروغواي) بالإضافة إلى إسبانيا، رفضت في بيان مشترك «أي محاولة للسيطرة» على فنزويلا. الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل وصف العملية بأنها «إرهاب دولة»، فيما اعتبر الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أن الهجوم «تجاوز خطًا أحمر»، داعيًا الأمم المتحدة إلى التدخل. الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو شدّد على أن الحوار هو السبيل الوحيد لحل الخلافات.

 

هذا الإجماع يعكس بوادر تكتّل لاتيني جديد، قد يتطور إلى جبهة إقليمية تعيد الاعتبار لمنظمات مثل «سيلاك» و«ألبا»، وتفتح الباب أمام شراكات أعمق مع الصين وروسيا كدرع حماية أمام أي خطوات أميركية قادمة. الإعلام في هذه الدول منحاز إلى فنزويلا، وغطّى التظاهرات الشعبية المندّدة بالعدوان، مسلّطًا الضوء على خروج مسيرات في دول حول العالم تضامنًا مع فنزويلا ورفضًا للإمبريالية الأميركية.

 

 

التحديات والاستقطاب في أميركا اللاتينية

 

تواجه أميركا اللاتينية عقبات بنيوية تحدّ من قدرتها على مواجهة الضغوط الأميركية؛ أبرزها غياب المؤسسات الدولية الفاعلة، والانقسام الداخلي مع صعود اليمين المتطرّف في دول مثل الأرجنتين وتشيلي والإكوادور وهندوراس، إضافةً إلى ضعف القدرات العسكرية واعتماد الجيوش على التدريب والاستخبارات الأميركية رغم الثروات والسكان الهائلين. هذه المعضلات تجعل المواجهة صعبة لكنها تدفع نحو البحث عن حلول جماعية وتعزيز التحالفات الإقليمية. في المقابل، يتعمّق الاستقطاب الأيديولوجي بين محور يساري يقوده لولا وبيترو وبوريك وكانيل متمسك بالسيادة، ومحور يميني صاعد يحتفي بالخطاب الأميركي، ما ينذر بصراع طويل الأمد لكنه قد يفتح الباب أمام تكتّل يساري أكثر صلابة.

 

البُعد الدولي.. الصين وروسيا

 

العدوان الأميركي على فنزويلا يفتح الباب أمام إعادة تموضع القوى الكبرى. كيف يمكن لواشنطن أن تطالب الصين باحترام القانون الدولي في ملف تايوان، أو روسيا في ملف أوكرانيا والقرم، وهي نفسها تنتهك سيادة دولة وتختطف رئيسها؟

 

هذا التناقض يضعف الموقف الأميركي على الساحة الدولية، ويمنح خصومها أوراقًا قوية في مواجهة خطابها «القانوني». روسيا وصفت ما جرى بأنه «انتهاك صارخ»، فيما أكدت الصين أن «القانون الدولي لا يمكن أن يُختزل في مصالح واشنطن».

 

هذه المواقف تفتح الباب أمام تحالفات جديدة، قد تجعل من أميركا اللاتينية ساحة مواجهة بين القوى الكبرى، وتحوّلها إلى محور أساسي في الصراع الدولي.

 

 

زمن جديد يتشكّل

ما جرى في كاراكاس لم يكن نهاية المعركة، بل بدايتها. أميركا اللاتينية اليوم تقف أمام خيارين: الاستسلام لإرادة واشنطن، أو بناء تكتّل مقاوم يعيد الاعتبار للسيادة ويصوغ نظامًا إقليميًا جديدًا.

 

البلطجة الأميركية قد تنجح في خطف رئيس، لكنها لن تنجح في خطف إرادة شعوب بأكملها. القانون الدولي قد يكون تلقى ضربة قاسية، لكن المقاومة الشعبية والدولية تفتح الباب أمام إعادة صياغة نظام عالمي جديد، أكثر عدالة وتوازنًا.

 

أميركا اللاتينية اليوم ليست مجرد «فناء خلفي»، بل ساحة صراع كبرى ستحدد مستقبل القارة وربما مستقبل العالم بأسره. العدوان على فنزويلا كشف أن واشنطن لا تزال متمسكة بعقيدة الهيمنة، لكنه أيضًا كشف أن الشعوب قادرة على المقاومة، وأن القارة أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة مستقبلها، الزمن الجديد يتشكّل الآن، بين مطرقة الهيمنة الأميركية وسندان المقاومة الشعبية.

 

 

المصدر: الوفاق/ خاص

الاخبار ذات الصلة