معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر ليس مجرد منفذ جغرافي، بل هو شريان حياة لمليونَي فلسطيني محاصرين منذ سنوات طويلة. كل قرار يتعلق بفتحه أو إغلاقه ينعكس مباشرة على حياة الناس اليومية، من السفر للعلاج والدراسة، إلى عودة العائلات، وصولًا إلى إدخال المساعدات الإنسانية. في الأيام الأخيرة، كشفت صحيفة «هآرتس» الصهیونية أن الاحتلال الصهيوني أنهى استعداداته لإعادة فتح المعبر، لكن الموعد النهائي ما زال رهناً بقرار القيادة السياسية للعدو الصهيوني. هذا التطور يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة السيطرة على المعبر، الدور الأميركي والأوروبي، وموقع غزة في معادلة الصراع الإقليمي والدولي.
معبر رفح.. شريان حياة تحت الحصار
منذ فرض الحصار على غزة عام 2007، أصبح معبر رفح المنفذ الوحيد شبه المستقل الذي يربط القطاع بالعالم الخارجي عبر مصر. إغلاقه المتكرر حوّل حياة الفلسطينيين إلى معاناة يومية، حيث حُرم آلاف المرضى من العلاج في الخارج، ومنع الطلاب من الالتحاق بجامعاتهم، وتقطعت السبل بالعائلات. لذلك، فإن أي حديث عن إعادة فتح المعبر يُنظر إليه في غزة باعتباره أكثر من مجرد إجراء إداري، بل هو مسألة وجودية ترتبط بحق الشعب في التنقل والحرية.
قرار الاحتلال..سيادة مغتصبة
وفق صحيفة «هآرتس»، فإن الاحتلال أنهى تجهيزاته لإعادة فتح المعبر، لكنه شدد على أن العملية ستتم تحت «إشراف دقيق»، مع وجود قوات أوروبية للرقابة والمراقبة. هذا يعني أن القرار النهائي لا يزال بيد كيان العدو، الذي يتعامل مع المعبر وكأنه جزء من سيادته، رغم أنه يقع على حدود قطاع غزة ومصر. هذه السيطرة تكشف عن عمق الأزمة: الفلسطينيون محرومون من إدارة منفذهم الحيوي، ويخضعون لإجراءات تفتيش صارمة، سواء عبر أنظمة حاسوبية صهيونية أو عبر نقاط تفتيش ميدانية أنشأها الجيش داخل رفح.
غزة والعودة المقيّدة
من أبرز النقاط التي أثارتها «هآرتس» أن آلاف الغزيين الذين غادروا القطاع قبل اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023 مُنعوا من العودة إليه، لكن القرار الجديد قد يسمح لهم بالعودة «بشروط أمنية صارمة». هذا يعني أن العودة إلى الوطن، وهي حق إنساني أصيل، تُعامل كامتياز مشروط بموافقة الاحتلال. التدقيق والفحص الكامل الذي سيخضع له العائدون ليس سوى أداة إضافية لإحكام السيطرة على حياة الفلسطينيين، وتحويل المعبر من منفذ إنساني إلى أداة ابتزاز سياسي وأمني.
الضغط الأميركي والدور الأوروبي
تشير التقارير إلى أن الضغط الأميركي على حكومة الاحتلال لفتح المعبر ازداد في الأيام الماضية، بالتزامن مع زيارة نتنياهو إلى فلوريدا ولقائه ترامب. هذا الضغط يعكس إدراك واشنطن أن استمرار إغلاق المعبر يفاقم الأزمة الإنسانية في غزة ويُهدد الاستقرار الإقليمي. لكن في الوقت نفسه، فإن الدور الأميركي لا ينطلق من حرص على حقوق الفلسطينيين، بل من رغبة في إدارة الأزمة بما يخدم مصالحها السياسية. أمّا الدور الأوروبي، المتمثل في قوات رقابة ومراقبة، فيبدو أقرب إلى تكريس السيطرة الصهيونية منه إلى ضمان حرية الفلسطينيين.
البُعد الإنساني.. غزة تحت الحصار
إعادة فتح معبر رفح ليست مجرد قضية سياسية، بل هي مسألة إنسانية عاجلة. آلاف المرضى ينتظرون السفر للعلاج، آلاف الطلاب يتطلعون إلى استكمال دراستهم، وعائلات بأكملها تتوق إلى لمّ شملها. كل يوم يُغلق فيه المعبر يعني مزيدًا من المعاناة، ومزيدًا من انتهاك الحقوق الأساسية للفلسطينيين. لذلك، فإن أي ترتيبات جديدة يجب أن تنطلق من الاعتراف بحق غزة في الحرية والتنقل، لا من حسابات أمنية صهيونية أو مصالح سياسية أميركية.
غزة تستحق السيادة والحرية
إعادة فتح معبر رفح، مهما كانت تفاصيله، يجب أن يُنظر إليه من زاوية واحدة: حق غزة في الحرية والسيادة. لا يمكن أن يبقى المعبر رهناً بقرار الاحتلال أو مشروطًا بمعايير أمنية تخدم كيان العدو. المطلوب هو إدارة فلسطينية كاملة، بعيدًا عن الوصاية الأميركية أو الرقابة الأوروبية، تضمن للفلسطينيين حقهم في التنقل والعودة والعيش بكرامة.